​كان مستغرقاً في نوم ثقيل كأنه الموت، لكن عقله لم يكن يرتاح.

​في عتمة نومه، كانت الدماء تتدفق كالأنهار، وجثث تتساقط، وأصوات صراخ تمزق السكون، وسيوف تلمع تحت ضوء قمر أحمر. كان يرى نفسه وسط تلك المجزرة، يداه ملطختان بالدماء، يقاتل ويقتل بشراسة مرعبة، حتى انتفض فجأة من فراشه البارد، والعرَق يتصبب من جبينه، ونَفَسه يتصاعد متلاحقاً في عتمة زنزانته المنعزلة.

​تلك الزنزانة لم تكن كباقي الزنازين؛ كانت قبواً حجرياً مقطوعاً عن العالم، بعيداً عن صخب بقية المساجين، كأنهم حبسوا فيها وباءً يخشون تفشّيه. لم يكن يتذكر كم قضى من الوقت نائماً، ولا كم أمضى في هذا القبر الحجري.. السنون تشابهت، والأيام تلاشت في عقله الممزق.

​قطع حبل أفكاره المشوشة صوت صرير الحديد القاسي، تلاه صوت حارس السجن الجاف وهو يصيح بنبرة آمرة:

— "انهض.. حان وقت الطعام!"

​تحرك السجين ببطء، وتوجه نحو قضبان الحديد بخطوات ثابتة وثقيلة لها رنين مرعب. كلما اقترب، كان يلاحظ شيئاً غريباً.. الحارس يتراجع خطوة للخلف، وعيناه تتسعان، وجسده يرتجف خوفاً بشكل ملحوظ. ورغم الرعب الكامن في عيني الحارس، إلا أنه كان يحاول الصمود وإظهار التماسك أمام هذا الكيان القابع في الظلام.

​استغرب السجين من هذا الخوف الرهيب الذي يثيره في نفوسهم. نظر إلى الحارس وعمّ الصمت للحظات، قبل أن يخرج صوته عميقاً وأجشاً:

— "منذ متى وأنا هنا؟"

​تصلب الحارس في مكانه، وبدت عليه الدهشة وهو يسأل:

— "ألا تتذكر؟"

أجاب السجين بنبرة خاوية:

— "لا."

​هز الحارس رأسه بذهول، وخرجت الكلمات من فمه دون وعي:

— "كيف لك أن تنسى؟! إن ما فعلته.. وما حدث لك، هو أمر لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة أبداً! لا ينسى أحد شيئاً كهذا!"

​اقترب السجين خطوة أخرى، وضغطت يداه على القضبان الحديدية، وقال بصرامة:

— "أخبرني.. منذ متى وأنا هنا؟"

​استعاد الحارس حذره فجأة، وتراجع خطوتين وهو يدفع بوعاء الطعام من أسفل البوابة الحديدية، وقال بلقلقة:

— "أنا.. أنا ممنوع من التحدث إليك أصلاً. إن أخبرتك بأي شيء سأتعرض للمساءلة.. أظن أنه من المحظور تماماً أن أقول لك شيئاً."

​استدار الحارس مسرعاً وغادر الممر، تاركاً خلفه صدى خطواته السريعة.

​جلس السجين على الأرض الباردة، ينظر إلى طعامه، وعقله يغلي بالأسئلة. مَن يكون؟ وما هي الجريمة الشنيعة التي تجعل حارساً يرتجف بمجرد النظر إليه؟

​وفجأة، قُطع حبل صمته عودة صرير الخطوات مجدداً. كان الحارس قد عاد، وقف أمام الزنزانة، وعيناه تشعان بمزيج من الخوف والذهول العارم، وكأن فضوله وصدمته غلبا خوفه من العقاب. نظر إلى السجين وقال بنبرة متهدجة:

— "لقد أمضيت خمسة عشر عاماً هنا.. خمسة عشر عاماً كاملة في هذا القبر! كيف لك حقاً أن تنسى من تكون؟!"

​لم يتحرك السجين من مكانه، بل رفع رأسه ببطء، والتقطت عيناه الحادتان نظرات الحارس المستكشفة، وسأله بهدوء قاتل:

— "وما هو اسمي إذن؟"

​ابتلع الحارس ريقه، ونطق بالكلمات التي هزت جدران الزنزانة الحجرية:

— "إيفار.. أنت المحارب الأخير."

2026/06/13 · 2 مشاهدة · 441 كلمة
نادي الروايات - 2026