​وقع الاسم على أذنيه كصاعقة من السماء.. "إيفار.. المحارب الأخير".

​تردد صدى الكلمتين في أركان الزنزانة الحجرية الباردة. ساد صمت ثقيل، قبل أن ينظر إيفار إلى الحارس بعينين متسعتين من الذهول، وسأل بنبرة يملؤها الاستنكار:

— "المحارب الأخير؟ ماذا تعني بذلك؟ ألم يعد هناك محاربون في هذا العالم؟"

​ابتلع الحارس ريقه، وتراجع خطوة غريزية إلى الخلف وهو يجيب بصوت خفيض:

— "لا.. لم يعد هناك غيرك. لأنك المحارب الوحيد الذي نجا من 'معركة الدماء العظيمة'."

​شعر إيفار ببرودة تسري في جسده، وحاول البحث في سراديب ذاكرته المظلمة عن أي أثر لتلك المعركة، لكنه لم يجد سوى السراب. سأل وهو يحاول استجماع شتات نفسه:

— "كم كان عمري آنذاك؟"

رد الحارس وعيناه تتأملان جسد إيفار الضخم المليء بالندوب:

— "كنت فتى في الثامنة عشرة من عمرك."

— "وما تلك المعركة؟ ما الذي حدث فيها؟" سأل إيفار بلهفة مشوبة بالغموض.

​تغيرت ملامح الحارس فجأة، وبدا عليه الندم لأنه تمادى في الحديث، فقال بخوف:

— "سامحني.. لا أستطيع إخبارك بأكثر من هذا. أنا ممنوع من التحدث إليك أصلاً، وإن علم الآمر بما قلته الآن، سأُحاكم بتهمة الخيانة العظمى ويُلقى بي معك."

​صمت إيفار قليلاً، ثم نظر حوله إلى الجدران الصماء التي تحيط به كالكفن، وسأل:

— "إذا كنتُ السجين الأقدم.. فلماذا أنا هنا وحدي في هذه الزنزانة المنعزلة عن بقية المساجين؟"

​نظر إليه الحارس بذهول وعجب، وقال بصوت خافت:

— "حقاً لا تتذكر؟ ألا تتذكر ما فعلته البارحة فقط؟"

عقد إيفار حاجبيه وقال بحزم:

— "أنا لا أتذكر شيئاً على الإطلاق!"

​تنفس الحارس بصعوبة وقال:

— "لقد قطعت لسان أحد المساجين في باحة السجن!"

اتسعت عينا إيفار مستنكراً:

— "ولماذا فعلت ذلك؟"

أجاب الحارس بنبرة غامضة:

— "المساجين قالوا إنك هاجمته بوحشية بعد أن أخبرك في همس.. أنه رأى ابنة الأميرة 'إلينا' وزوجها."

​بمجرد أن نطق الحارس باسم "إلينا"، شعر إيفار كأن خنجراً مسموماً غُرس في منتصف جمجمته. صرخة صامتة دوت في عقله، وأصابه صداع حاد وعنيف جعله يتراجع خطوة للوراء، قابضاً على رأسه بكلتا يديه، مغلقاً عينيه بقوة.

​خلف جفنيه المغمضين، اندفعت ومضات مشوشة وسريعة كشريط سينمائي ممزق: رأى وجهاً مشرقاً لامرأة تبكي وسط النيران.. يد ناعمة تمسك بيده.. ثم تلاشت الصورة وحل محلها سواد قاتم. كان الألم لا يُطاق، كأن عقله يعاقبه على محاولة التذكر.

​لاحظ الحارس تلوّي هذا العملاق أمامه، ولأول مرة، تملأ الشفقة عينيه بدلاً من الرعب. انتظر حتى استعاد إيفار توازنه تدريجياً، وفتح عينيه المحمرّتين من شدة الألم.

​أخذ إيفار نَفَساً عميقاً، وسأل بصوت متهدج، يحاول فهم الرابط بينه وبين هذا الاسم:

— "ما علاقتي بهذه الأميرة؟ وكيف تكون أميرة.. أليست ملكة؟"

​هز الحارس رأسه يائساً وقال:

— "صدقني، لا أعرف أكثر من هذا. كل ما يعلمه الجميع هو أن الأميرة 'إلينا' متزوجة من الملك 'لورين'.. لكنها رفضت أن تنُصَّب ملكةً على بلاده، واختارت أن تظل تحمل لقب الأميرة في موطنها.. في عاصمة الإمبراطورية الحاكمة: إمبراطورية نيفاريث."

​أدرك إيفار أن خيوط ماضيه تتشابك مع أعلى سلطة في هذا العالم. نظر إلى الحارس وسأل وعيناه تدوران في المكان:

— "نحن في أي بلد الآن؟"

​ابتسم الحارس ابتسامة باهتة مليئة بالمرارة، وقال:

— "نحن لسنا في أي بلد يا إيفار.. نحن في 'سجن الهاوية'. هذا المكان يُعتبر بلداً قائماً بحد ذاته، قبو مظلم معزول تماماً عن العالم الخارجي، لا يدخله إلا أخطر وأعتى مساجين الأرض.. ومَن يدخله، لا يخرج منه حياً أبداً."

​استمع إيفار إلى الكلمات الأخيرة بهدوء غريب. اختفى الصداع، وحلت محله نظرة ثاقبة وباردة كالثلج. تقدم بخطوات بطيئة حتى أصبح وجهه على بعد إنشات قليلة من وجه الحارس يفصل بينهما الحديد، ونظر في عيني الحارس مباشرة، وقال بنبرة هادئة، لكنها تحمل ثقة تهز الجبال:

​— "صدقني.. قريباً جداً، سوف تراني خارج هذا السجن."

2026/06/13 · 1 مشاهدة · 575 كلمة
نادي الروايات - 2026