مرَّ شهرٌ كامل.. ثلاثون يوماً وإيفار يقبع في عتمة زنزانته المنفردة، يصارع وحشاً أشد قسوة من جدران السجن؛ يصارع عقله.
كان يجلس لساعات في صمت مطبق، يغلق عينيه ويحاول بكل قوته سحب خيوط ماضيه الممزق. في مخيلته، كانت الوجوه تظهر وتختفي كظلال مشوشة بلا ملامح. رأى نفسه وسط غبار معركة طاحنة، ورجل يصرخ في وجهه بيأس: "صدقني يا إيفار.. لن تُحلَّ الأمور هكذا!". ثم تتلاشى الصورة لتظهر امرأة تركض نحوه والدموع تملأ وجهها وهي تصرخ هلعاً: "سوف تموت يا إيفار.. أرجوك ارجع!".
لكن المشهد الأكثر إيلاماً، والذي كان يجعله يستيقظ بقبضة يد متشنجة، هو مشهد رجل مجهول الوجه، يمسك بسياط حديدية ويعذبه قائلًا بنبرة سادية: "سوف تكون عبرةً لكل من يفكر أن يفعل فعلتك يا إيفار!".
قَطَعَ سيل هذه الكوابيس والذكريات المبتورة صوت صرير البوابة. دلف الحارس المألوف، ونظر إلى إيفار بنبرة مزيجها الحذر والارتياح، وقال:
— "إيفار.. لقد انتهت مدة عقوبتك الانفرادية هنا. هيا بنا، حان وقت عودتك إلى الزنزانة العامة."
نهض إيفار بكامل قامته. كُبلت يداه بسلاسل حديدية ثقيلة، وخطا خارج الغرفة. ولأول مرة منذ خمسة عشر عاماً بعقله الحالي، رأى "سجن الهاوية" على حقيقته. كان المكان أشبه بقلعة تحت الأرض، ضخم بشكل مرعب، يضج بأصوات الصراخ والشتائم. كان السجن مليئاً بأشخاص يبدون كالوحوش الضارية، ملامحهم مشوهة بالندوب والإجرام.
لكن الغريب.. أنه بمجرد أن وطئت قدم إيفار الممر، ساد صمت مفاجئ. كانت العيون تلاحقه؛ بعضهم ينظر إليه برعب حقيقي ويتراجع خطوة للوراء، وآخرون يرمقونه بنظرات يملؤها الحقد والغلّ والانتقام.
قاده الحراس إلى مهجعه الجديد، حيث الأسرة الحديدية المتراصة. جلس إيفار على حافة سريره، تتبعه نظرات الحراس وهم يفكّون قيود يديه ويرحلون بسرعة.
لم تمر دقائق حتى اقترب منه سجين شاب يبدو في العشرينات من عمره، ذو ملامح ذكية وهادئة يُدعى "رافن". جلس بجواره وقال بنبرة يملؤها التوجس والاحترام:
— "أأنت بخير يا سيدي؟"
التفت إليه إيفار، ونظر إليه بعينيه الحادتين وقال بجفاء:
— "أنا لست سيدك.. لماذا تدعوني بهذا اللقب؟"
أجاب رافن بسرعة:
— "من الاحترام أن أقول لك سيدي.. أنت كبير هذا السجن، والجميع هنا يخشى ظلك."
هز إيفار رأسه ببطء وقال:
— "لا.. بإمكانك أن تدعوني إيفار فقط."
اتسعت عينا رافن بذهول، وتراجع برأسه قليلاً محدثاً نفسه: "ما به؟ لماذا هو هادئ هكذا؟ لم أره بهذا الهدوء منذ زمن طويل!".
قطع إيفار تفكير الشاب وسأله:
— "أنت جديد هنا يا رافن، أليس كذلك؟"
نظر إليه رافن باستغراب شديد وضاعت الكلمات من فمه قبل أن يقول:
— "سيدي.. أنا هنا منذ سبع سنوات كاملة! ما بك؟!"
وقبل أن يجيبه إيفار، قطع حديثهما ظلٌ ضخم هبط عليهما كالجبل. وقف أمامهما سجين عملاق البنية، تتفجر العضلات من جسده، وبرفقته رجلان آخران بملامح إجرامية. نظر العملاق إلى إيفار بعينين تشتعلان شرراً، وقال بصوت أجش غاضب:
— "لقد قطعتَ لسان أخي البارحة.. واليوم جئت لقطع شيء آخر منك!"
نظر إليه إيفار ببرود تام، ولم يتحرك من مكانه، وقال بهدوء:
— "أنا لا أتذكر أنني فعلت هذا."
ظن العملاق أن إيفار يستهزئ به، لكن رافن وقف فجأة حاجزاً بينهما وقال بصوت مرتجف يحاول إظهار القوة:
— "أنت! لا تنسَ نفسك.. السيد إيفار لو حاربك سوف تموت حتماً، تراجع!"
دفع العملاق رافن بيد واحدة ليلقيه أرضاً، ونظر إلى إيفار بسخرية مريرة، ثم أخرج خنجراً حاداً ومهرّباً من بين ثيابه، وقال:
— "لقد قتلتُ عشرين شخصاً خارج هذه الأسوار.. ليس هناك أي مشكلة في أن يكون إيفار هو الرقم واحد وعشرين!"
في تلك اللحظة، حدث شيء داخل إيفار. تحولت عيناه الباردتان إلى جمرتين مشتعلتين بالغضب. انقبضت عضلات جسده، ووقف بكامل طوله ليتجاوز طول السجين العملاق. نظر إلى الخنجر، ثم نظر مباشرة في عيني الرجل، وقال بنبرة منخفضة مرعبة جعلت الممر بأكمله ينصت:
— "أنا حالياً لا أتذكر أي شيء من ماضيّ.. لكن الشيء الوحيد الذي تذكره غريزتي دائماً.. هو القتال!"