​لم ينتظر السجين العملاق ثانية واحدة؛ اندفع بكل ثقله ملوحاً بنصل الخنجر الحاد مباشرة نحو عين إيفار بقصد إعمائه. لكن غريزة المحارب داخل إيفار كانت أسرع؛ وبحركة خاطفة، قبض بيد كالحديد على معصم العملاق، لتتوقف الشفرة على بُعد إنشات قليلة من وجهه.

​في نفس اللحظة، تحرك السجينان الآخران للهجوم على إيفار من الجانبين مستغلين اشتباكه. وقبل أن يصلا إليه، اندفع "رافن" بكل شجاعة، ووجه ركلة قوية مسدّدة إلى صدر السجين الأول أطاحت به أرضاً، ثم التف حول رقبة السجين الثاني من الخلف يخنقه بكل ما أوتي من قوة لتتحول الباحة إلى ساحة حرب مصغرة.

​كانت المعركة بين إيفار والعملاق صراعاً طاحناً لتحدي الأعصاب والقوة البدنية. امتدت يدا العملاق الحرتان، وفجأة، وجّه ضربة قاسية برأسه (نطحة) مباشرة إلى جبهة إيفار. ترنح إيفار من شدة الضربة، وفقد توازنه ليسقط أرضاً، والدم يسيل من جبينه.

​لم يمنحه العملاق فرصة لالتقاط أنفاسه، وسحب من طيات ثيابه جنزيراً حديدياً غليظاً، والتف حول رقبة إيفار من الخلف محاولاً شنقه وقصم عنقه.

​بدأ الأكسجين ينفد من رئتي إيفار، وقاوم بكل ما يملك من قوة لإبعاد الجنزير عن عنقه، لكن قبضة العملاق كانت خانقة. بدأت الرؤية تظلم في عيني إيفار، وشعر لأول مرة بأن الموت يقترب منه بخطى سريعة.. وأن هذه هي النهاية.

​وفي اللحظة التي شارف فيها على الغياب عن الوعي، انفتح دهليز سري في عقله المظلم.

​خلف جفنيه المجهدين، تلاشت غيوم النسيان لثانية واحدة، ورأى ومضة مشوشة.. فتاة صغيرة ذات شعر منساب، ملامحها غير واضحة تماماً، لكن صوتها كان نقياً كالبلور، وهي تمسك بثوبه وتقول بنبرة باكية: "أبي.. يوماً ما ستعود إلينا.. أنا أنتظرك".

​تلك الكلمة.. "أبي".. كانت كفيلة بأن تفجّر بركاناً خامداً في أعماق المحارب الأخير.

​تدفقت الدماء في عروقه بقوة مضاعفة، وانفجرت داخله طاقة أسطورية. وبحركة عنيفة غير متوقعة، دفع رأسه إلى الخلف بقوة ليضرب وجه العملاق المستند على ظهره. تراجع العملاق متألماً وأفلت الجنزير، فاستدار إيفار كالبرق، وخطف الجنزير الحديدي من يديه، ووجّه به ضربة ساحقة وقاتلة إلى ساقي العملاق.

​سمع الجميع صوت تحطم العظام. سقط العملاق على ركبتيه، غير قادر على الوقوف، وانهال عليه إيفار بالجنزير ضرباً دون رحمة، حتى بدأ الدم يتدفق من جميع أنحاء جسد العملاق الذي تهاوى غارقاً في دمائه. رفع إيفار الجنزير عالياً بيده الملطخة بالدماء ليوجه الضربة القاضية وينهي حياته، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة.. نظر إلى يديه، وتذكر وجه الطفلة، فأنزل السلسلة ببطء، رافضاً أن يتحول إلى مجرد سفاح.

​في هذه الأثناء، دوت صافرات الإنذار وتدخل الحراس مدججين بالسلاح لفض النزاع. تقدم رئيس الحراس بغضب ليعرف المتسبب في هذه الفوضى، لكن رافن وعدداً من المساجين الذين شهدوا الواقعة تحدثوا بصوت واحد:

— "الرجل العملاق هو من بدأ بالهجوم على إيفار مستخدماً خنجراً مهرباً!"

​نظر رئيس الحراس إلى جثة العملاق شبه الميتة، ثم إلى إيفار الواقف بصلابة، وأمر الحراس بنقل العملاق على انفراد إلى وحدة التعذيب أو العلاج، وسحب رجاله تدريجياً بعد أن أدركوا أن إيفار دافع عن نفسه فقط.

​عادت السكينة الحذرة إلى المهجع. التفت إيفار إلى رافن، ونظر إلى كفيه اللتين ما زالتا ملطختين بالدماء، واقترب منه وقال بنبرة منخفضة لكنها حاسمة:

— "سوف أهرب من هذا السجن.. هل ستأتي معي؟"

​اتسعت عينا رافن برعب وذهول، وتلفت حوله يميناً ويساراً للتأكد من عدم سماع الحراس، ثم همس بخوف:

— "لكن الهروب من هنا مستحيل يا إيفار! هذا سجن الهاوية.. أنت لا تعرف حتى أين تقع بوابته الخارجية، ولا تعرف طبيعة الأرض التي تحيط بنا!"

​ثبّت إيفار نظراته الحادة في عيني رافن، ونطق بكلمات وثوقية لا تقبل الشك:

— "سوف أهرب.. لن أكمل بقية حياتي مدفوناً هنا؛ فثمة من ينتظرني بالخارج.. ولديَّ خطة."

2026/06/14 · 5 مشاهدة · 557 كلمة
نادي الروايات - 2026