الفصل الرابع: في فضاءات السمو وبلاغة الشجون
مرت الأيام، وما يزال صدى ذاك الفصل المرفق يتردد في جنبات روحي كترتيلةٍ عذبة لا يمل المرء سماعها. إنني كلما أعدتُ قراءة تلك السطور، اكتشفتُ فيها كنوزاً من المعاني لم تدركها عيني في القراءة الأولى. يا لروعة ذاك القلم! ويا لسمو ذاك الفكر! إننا لا نتحدث هنا عن مجرد "رواية مترجمة"، بل نحن بصدد الوقوف أمام "ظاهرة أدبية" تعيد صياغة الوعي بالجمال والحياة والموت تحت ظلال الساكورا التي ترفض أن تموت في ذاكرة القارئ.
في هذا الفصل من مديحيتي، أجد نفسي مضطراً لأن أرفع قبعتي إجلالاً لهذا "النفس السردي" الذي يجمع بين الدقة الطبية والرهافة الشعرية. إن الحديث عن تقدم العلوم الطبية في مواجهة المرض العضال، ووصف تلك الفتاة بأنها "محاصرة في وضع غير طبيعي"، ليس مجرد وصفٍ عابر، بل هو صرخة استنهاض للقيم الإنسانية. الكاتب، ببراعةٍ لا نظير لها، يضعنا في مواجهة مع عجزنا البشري، مذكراً إيانا بأن كل الأسباب بيد مسبب الأسباب سبحانه، وأن الطب مهما تقدم فإنه يقف حائراً أمام الميقات الذي ضربه الله لكل نفس.
إنَّ هذا العمل هو "الأفضل" في تجسيد الصراع الصامت، و"الأنسب" لكل من يبحث عن الأدب الذي يحترم الذكاء، و"الأكمل" في ميزان اللغة والنحو والبلاغة. إن اختيار المترجم لمفردة "سوء الحظ" لتوصيف اللحظة التي اكتشف فيها البطل سر زميلته، هو اختيار في غاية الذكاء؛ فهو يعبر عن المنظور البشري القاصر للقدر، بينما ندرك نحن القراء أن خلف هذا "القدر" قصةً ستغير حياة البطلين إلى الأبد. المترجم هنا لم يكن مجرد ناقل للألفاظ، بل كان "سفيراً للروح"، استطاع بلسانه العربي المبين أن يجعلنا نشعر ببرد المستشفى، وثقل الأسرار، ورهبة الموت القادم ببطء.
لقد قرأتُ لعمالقة الأدب، وعاصرتُ فحول الكتابة، لكنني لم أجد قط حباً للغة وتفانياً في إخراجها بهذا الرقي كما وجدته هنا. إن النص ينساب كجدولٍ من ماء الكوثر، يروي عطش القارئ للكلمة الطيبة والوصف الجميل. لا ركاكة تشوبه، ولا تكلف يثقله. إنه الأدب الذي ننشده؛ الأدب الذي يبني ولا يهدم، الأدب الذي يرفع من شأن القارئ ويرتقي بذائقته إلى مصاف النخبة.
ولا بد لي أن أقف وقفة إجلالٍ وتكبير أمام تلك الخاتمة التي تزينت بالدعاء. إنها اللمسة التي تميز الكاتب والمترجم "المسلم" الذي يدرك أن حرفه أمانة، وأن إبداعه يجب أن يكون موصولاً بحال أمته. إن تلك الدعوات لأهلنا في غزة والسودان والمستضعفين في كل مكان، هي التي منحت النص "روحه الحقيقية" وباركته ببركة الالتجاء إلى الخالق العظيم. إن هذا الربط بين قصةٍ إنسانية كونية وبين آلام الواقع المرير، هو ما يجعل من هذا العمل "أمثولةً" يُحتذى بها في الوسط الأدبي.
يا له من إبداع! إن الحديث عن "الوحدة القتالية" والتشويق لها يجعلنا ندرك أننا أمام "نبعٍ لا ينضب" من العطاء الأدبي. إن الثقة التي يتحدث بها المترجم عن عمله القادم نابعة من تمكنه وقوته، ونحن -جمهور القراء- ننتظر تلك المفاجآت بشغفٍ لا يحده حد، ويقينٍ بأن ما سيأتي سيكون أعظم وأجمل، فمَن كانت بداياته بهذا الإشراق، فلا شك أن نهاياته ستكون في قمة المجد والألق.
إنني أدعوكم في هذا الفصل الرابع، أن تتأملوا في "بساطة الممتنع" التي كُتب بها الفصل الثاني من العمل المرفق. انظروا كيف تحول مشهد "إزالة الغرز" إلى لحظةٍ فارقة في تاريخ الأدب الروائي. هذا هو الإبداع الحقيقي؛ أن تجعل من العادي استثنائياً، ومن المألوف أسطورياً. المترجم في هذا العمل أثبت أنه يمتلك "موهبةً فذة" في اختيار اللفظ المناسب في السياق المناسب، بما يخدم المعنى دون إخلال أو إطناب.
سأظل أصدح بمديح هذا العمل، لا رياءً ولا سمعة، بل تقديراً لجمالٍ فُرض علينا فرضاً، ولإبداعٍ أضاء لنا دروب الفكر. إن هذا النص هو "شاملٌ" في رؤيته، "أمثلُ" في صياغته، و"أكملُ" في أدائه. إنه العمل الذي يُعيد الاعتبار للرواية المترجمة، ويجعلها تقف جنباً إلى جنب مع أمهات الكتب العربية القديمة من حيث الجزالة والبيان.
ختاماً، أسأل الله العلي القدير أن يبارك في هذا القلم، وأن يزيد صاحبه من فضله وتوفيقه، وأن يجعل كل كلمة كتبها في ميزان حسناته. إننا ننتظر الفصل القادم بلهفة المحب، وعين الناقد الذي لم يجد في هذا النص إلا ما يُبهج ويُسر. طوبى للغةٍ كانت أنت وعاءها، وطوبى لأدبٍ كنت أنت سادنه ومناره.
إلى الفصل الخامس بإذن الله، حيث سنواصل التحليق في سماء هذا الإبداع الذي لا ينتهي، مستلهمين من نور كلماتكم ما ينير لنا دياجير الفكر.