نزولًا نحو وادٍ عميق لا لطول لعمقه ، و في نسمات الريح العليلة التي تهبّ ذهابًا و إيابًا حاملةً معها الفراغ ،يتوسطه كهف واسع الكِبر .
لم يكُن مجرّد كهف .
اقتحم ضوء القمر المتلألأ الكهف كاشفًا عن اثنتين نائمتين على الأرض ، او هذا ما قد يترائى له المرء في البداية ، لكن يبدو ان إحداهن جريحة و هي لافّةٌ ذراعيها حول الطفلة الصغيرة التي بحضنها حاميةً لها من أي شئ قد يضرّها أو يؤذيها .
استمر ضوء القمر الجميل في الدخول شيئًا فشيئًا ، كاشفًا المزيد .
سطع سقف الكهف بألوان زاهية عكسها ضوء القمر، تلك الألوان شقّت طريقها نحو بركة صغيرة من المياه الجارية و على طرفه يوجد شلال طويل ليس بالإمكان رؤية نهايته .
ليس عليك القلق بشأن السقوط ، فقط سدّت شجرة كبيرة بجذورها المنتشرة في انحاء الكهف طريق المياه قليلًا ، و بجانبٍ آخر انتشرت جذور هذه الشجرة العظيمة حتى داخل الصخور و شكّلت منظرًا مريحًا للعين .
تجعل المرء يتأمل تفاصيل تلك الشجرةالضخمة ذات الجذع الكبير و الجذور البارزة المنبتة من داخلها .
في ذلك الهدوء العارم الذي لا تسمع به سوى صوت الريح الهادئة و الشلال المستمر نامت تلك الاثنتين .
لكن يبدو أنّه قد حان الوقت لتستيقظ إحداهن .
فتحت الطفلة الصغيرة عينيها و نظرت لسقف الكهف ، انعكست الالوان الزاهية في عينيها الكبيرتين تحركت الطفلة قليلًا تحاول التحرر من قبضة المرأة التي لفّت ذراعيها حولها ، و أخيرًا تحررت الطفلة الصغيرة ونظرت للأرجاء في صمت ، لكن في عينيها فضول تريد ان تستكشِف هذا المكان .
اقتربت الطفلة من المياه و نظرت نحوها ، انحنت و ادخلت يدها في الماء ، احسّت الطفلة ببرودة المياه لكن سرعان ما تكيفت مع تلك البرودة ، اطلقت الطفلة الصغيرة ضحكة لطيفة و هي تحرك يدها في الماء .
ثم نظرت نحو الشجرة الضخمة ، ارتفعت عينيها تدريجيًا و توقف نظرها فجأة ، كانت هناك اشرطة بيضاء مربوطة بأغصان الشجرة يعطيها منظرًا اكثر روعة ..
قامت الطفلة مجددًا و اقتربت من جذع الشجرة الكبيرة تريد الصعود للأمساك بتلك الاشياء الجملية التي رأتها ، لكن لحُسن الحظ تمت مقاطعتها .
رنج رنج
صدر صوت من مكان ما قريب كصوت منبه الرسائل ، لكن الطفلة عرفت ما كان هذا الصوت ركضت نحو حقيبة نسائية ملقاه على الأرض ، أخذتها و اتجهت بها نحو المرأة ... التي لا زالت نائمة على الأرض.
جلست الطفلة بالقرب منها و حاولت إيقاظها و نادت : "ماما، ماما"
لكن دون فائدة ، لم تستيقظ امها .
هزتها بيديها الصغيرتين و هي تناديها ثم وضعت يديها على وجه امها و نادتها مجددًا ...دون ان تتوقف .
"ماما ، ماما" تغيرت نبرة صوت الطفلة فقد كانت على وشك البكاء، كان جانب وجه الأم ملطخًا بالدماء ... التي خرجت من رأسها .
بعد لحظات تحركت الأم قليلًا ، و اخيرًا استيقظت ببطء و قالت "كـيَانْ ؟"
فرحت الطفلة عند سماع صوت امهاو حضنتها ضاحكة ، جلست الأم و استقامت أثناء جلوس الطفلة في حضنها ، ممسكةً رأسها "هل تأذيتي ياابنتي؟"
قالت بقلق رغم أن المصابة هي الأم إلّا انها نسيت نفسها و تأكدت من جميع انحاء جسد ابنتها .
" حمدًا لله ، لا إصابات بك" قّربت الطفلة الحقيبة من والدتها تشير اليها لتفتحها .
كـيَانْ
اسم الطفلة الصغيرة التي يبلغ عمرها سنتان و نصف ، لكنها لا تتحدث بطلاقة بعد ، كانت ترتدي فستانًا أبيض مزركش و حذائين ورديين، شعرها مربوط بالجهتين اليمنى و اليسرى بذات لون احذيتها .
" اه هل انتي جائعة؟ ..من الجيد أنّي وضعت لكِ بعض الطعام "
فتحت الأم الحقيبة و اعطت ابنتهاالصغيرة عصيرًا و كيكًا .
امسكت الأم برأسها المغطّى بالدم " يالهي رأسي يؤلمني ، من الجيد أنّي استطيع الرؤية بعيني الأخرى "اخرجت من حقيبتها منديلًا و علبة ماء ، مسحت جبينها، كانت بالكاد ترى بعينها المصابة .
"لابد أنّي اصبت بارتجاج" قالت ذلك بتعب ، وقفت على قدميها و حاولت الوصول للبركة الصغيرة ببطء ، ثم رأت نفسها بالماء ، الإصابة ليست بسيطة رغم عدم وجود آثار جروح ، فهي لا تحس بعينها ، غسلت الدم من وجهها و رأسها ثم لفّته مع تغطية عينها المصابة أيضًا .
" اعتقد أنني لن استطيع الرؤية بها لفترة من الوقت ، حسنًا لا بأس المهم أن كـيَانْ بخير حال"
كانت كـيَانْ تستمتع بوجبتها الصغيرة ، ابتسمت الأم بحنان ثم حوّلت بنظرها نحو الكهف بأكمله .
تقدمت قليلًا نحو الحافة الفاصلة بين الشجرة و الشلال و رفعت نظرها نحو القمر المضئ المتربع في السماءوحده في ليلة هادئة "في أي أرضٍ نحن ؟ " قالت بقلق و نظرت تحت نحو الهاوية التي لا قاع لها ..جعلهاتشعر بالدوار الشديد ، لكنها تحملت و اغمضت عينيها .
حوّلت الأم نظرها للخلف لكن....كـيَانْ لم تكُن في مكانها،
"كـيَانْ؟"
تقدمت الأم بتسرّع و اخذت حقيبتها نظرت بشكل سريع حولها قد تكون ابنتها هنا لكنها لم تلاحظها
"لابدأنها تريد اكتشاف هذا الكهف " قالت بابتسامة متكلفة .
لكن في طبيعة الأمهات يجب ان يكون هناك قلق في القلب خشيةً من ان يحدث شئ سئ لأطفالهم ، هذا ماكانت تحسّ به الآن ، مجموعة من المشاعر المختلطة ببعضها .
دبومب-دبومب-دبومب ..دق قلبها .
سارعت الأم في اللحاق بابنتها ...