مشت الأم عبر ممرّات الكهف ، و بسبب ضوء القمر الذي جعل الممرات تضئ، لم تكن بحاجة الى ضوء الهاتف أو المصباح .
عبرت الأم نزولا آملةً أن تجد ابنتها الشقية ، دخلت عبر فتحة تؤدي الى مكان شاسع الوِسع ، كان منيرًا بسبب القمر الذي اقتحم ضوءه المكان من فتحة السقف.
"كـيَانْ ؟ أين انتي؟" نادت الأم بصوت مسموع ، فتردد صوتها في انحاء المكان ، وقفت الأم قليلًا.. "هم…"
كانت تسمع صوت ضحكات ابنتها من مكان قريب في الأعلى ، تبعت الصوت ثم وجدت ابنتها..التي كانت تلعب مع قطة صغيرة الحجم.
اطلقت الأم تنهيدة ارتياح " ماذا تفعلين ؟ هل وجدتِ صديقًا جديدًا؟" نظرت كـيَانْ الى امها بسعادة و هي تلاعب القطة الصغيرة بخشونة ، مدّت الأم يدها نحو القطة و مسحت رأسها بلطف .
" لا تبدين قطة ضالة لابد ان أحدًا ما يعتني بك "
كانت القطة ذات عينين عسليتين برّاقتين و كما هو حال فروها الكثيف الأصفر ذي الخطوط البيضاء المنتظمة ، متناسق بشكل بديع ، كان هناك طوق صغير ملتفّ حول عنق القطة ، تفحصّته الأم .
•suzu• نُحت هذا الاسم على طوقها
"سوزو، ياله من اسم "
نظرت القطة بعينيها العسليتين ، وقفت الأم مجددًا"حسنًا لنذهب يا كـيَانْ " و مدّت يدها لها ، امسكت كـيَانْ بيد امها ثم ذهبوا ، تبعتهم القطة الصغيرة .
مشوا ثلاثتهم في أرجاء الكهف الذي بدا يصبح مظلمًا ، اخرجت الأم هاتفها و انارت به الطريق ، للبحث عن مخرج يوصلهم لبرّ الأمان .
بين أصوات قطرات الماء التي تنزل من سقف الكهف و بين صوت الريح الهادئ ، مشوا ثلاثتهم حتى وجدوا درجًا ملتوياً يؤدي للأعلى.
" هيا بنا" صعدوا الدرج للأعلى ، كانت هناك بوابة جدارية كبيرة هائلة ، انارت الأم بهاتفها لأعلى و اسفل ،تتحقق من طريقة مناسبة لفتح هذي البوابة ، زُيّنت البوابة برموز غريبة لكنها شكّلت منظرًا جيدًا للبوابة .
مررت كـيَانْ كلتا يديها على البوابة و مسحت الغبار بحركات عشوائية "لا تفعلي ذلك ، سوف تتسخين "تابعت الأم في النظر ، ثم قالت بصوت خافت
" ربمّا يوجد زر أو عتلة أستطيع بها فتح البوابة هذه"
نظرت اكثر لكن دون فائدة ، تعبت الأم قليلًا فمازالت عينها تؤلمها و التركيز بهذا الشكل يجعل الأمر أسوأ ،تنهدت الأم بتعب.
الأمر الوحيد الذي كانت الأم متأكدة منه هو ان هذه البوابة هي مخرجهم الوحيد ، فالريح التي تأتي من تحته تدل على وجود مكان واسع في الخارج ، حولت الام نظرها نحو القطة ... التي كانت واقفة امام باب معدني ظهر عليه الصدأ ، كتب على الباب (..not allowed to) بخط أحمر كبير ، لكن بقية الكلام ممسوح .
كانت القطة تخدش الباب بمخالب يديها و تموء.
تقدمت نحوها و فتحت الباب ، انقطع صوت الريح لحظة دخولهم جميعًا لمكان شديد الظلمة ، بداخله حواسيب كبيرة و شاشات معلقة و طاولة كبيرة في الوسط عليها عدة حواسيب محمولة ، في الجهة الأخرى يوجد كابلات بعدد هائل على الجدار .
" اي منهم يجب الضغط عليه ؟"
بحثت الأم اكثر فعثرت على مقبض كبير نوعًا ما في زواية المكان مكتوب عليه (energy)
" ها نحن ذا "
سحبت الأم المقبض فصدر صوت أنين غريب ملئ المكان ، كصوت عدّة آلات عادت للحياة بعد فترة طويلة ،اشعلت الأنوار و المكيفات العلوية و انبعثت رائحة التراب في المكان ، "كح كح" كحّت كـيَانْ و عطست القطة الصغيرة .
" اهاها على الأقل نجحنا في استعادة الطاقة "
تجولت الأم في المكان .
اتضح انهم في غرفة التحكم و المراقبة ، نظرت الأم نحو الشاشات ، كان هناك عدد قليل منهم فـي طورالتشغيل " كاميرات مراقبة هاه"
لكن يبدو أنّ الكاميرات قد عفا عليها الزمن في هذا المكان ، لم يكُن هناك شئ يُرى بالعين من الشاشة .
ليس هذا فحسب بل…"ألا يوجد أحد هنا ؟" تسائلت الأم .
وقفت كـيَانْ على كرسي و عبثت بلوحة المفاتيح الخاصة بحاسوب محمول ، نظرت اليها امها بنظرة خالية من التعابير ، فهذا ليس شيئًا جديدًا تفعله ابنتها الشقية الصغيرة.
ثم خرج ثلاثتهم أخيرًا.
__________________________
هبّت الريح في الأفق مشتدّة ، مشوا الثلاثة عبر غابة صغيرة وصولًا لمدينةٍ ما .. او على الأقل هذا ما اعتقدته الأم .
كانت هناك مباني محطمة و بعضها مدمّر ، سيارت متراكمة في قارعة الطريق نيران تشبّ من عمود الكهرباء. الشئ الوحيد المنير هو اضواء الطريق و الإشارات ، لا وجود لعلامات تدل على الحياة ، تبدو كمدينة مهجورة منذ سنوات ، لا وجود لإنسان أو حيوان حتى و لا وجود للأمان في هذا المكان الذي يعجّ بهدوء مخيف و مريب.
نظرت الأم بقلق نحو كل هذا و قالت بهدوء " ما هذا المكان ؟" كانت محتارة لا تعلم أين تذهب .
في مكان مهجور كهذا ، لمن يمكن للمرء أن يلجأ؟
نظرت الأم نحو ابنتها و كانت بجانبها القطة
"ماذا علي ان افعل؟"
تسائلت ، بالطبع لن تنطق كـيَانْ فجأة و تخبرها ، فكرت الأم و هي تحُول بنظرها نحو كل شئ ،كانت تستطيع سماع صوت دقّات قلبها .
دبومب-دبومب-دبومب
ماذا لو تمت مهاجمتهم فجأة؟ ليس لديها سلاح لحماية نفسها و ابنتها
ماذا لو ماتوا في هذا المكان المريع ؟ سيكون هذا سيئًا لهم
كيف بإمكانها استخدام هاتفها ؟ لا توجد تغطية في هذا المكان
فكرت مليًا ، ثم..
" نعم، الأولوية لمنزل آمن نرتاح فيه"
كانت كلا ملابس الاثنتين ممزقة ، هناك حاجة للتغيير ، وشحن الهاتف قد ينفع في احلك الأزمات ، و بالطبع،هناك حاجة للأكل .
اثناء شرود الأم في التفكير ، وقفت القطة تحتها مباشرة و هي تموء
"…"
نظرت الأم باتجاه ابنتها لتتحقق من انها قريبة منها ، كانت الطفلة تدور حول نفسها حتى فقدت التوازن و سقطت على الأرض .
اطلقت الأم ضحكة خفيفة عندما نظرت لها ، التفتت الأم للقطة التي لا زالت تموء "ماذا هناك؟" سألت ،اتجهت القطة نحو زقاق صغير كما لو أنها فهمت ما قالته ، وقفت القطة و نظرت للخلف متوقعةً من الأم بأن تلحق بها ، اطلقت مواءً آخر بإلحاح كما لو أنها تريد ان تريها شيئًا .
تبعت كـيَانْ القطة و من ثم الأم كانت خلفهم ، دخل الثلاثة ذلك الزقاق المظلم نوعًا ما ولكن كان بإمكانك رؤية الطرف الآخر من الطريق بوضوح ، كانت القطة تتأكد من وجود كـيَانْ وامها خلفها بين حين و آخر قبل ان تتابع المشي .
"…"
كانت الأم تنظر في الأنحاء ، وقعت عيناها الكبيرتان على قلعة كبيرة اسفل المدينة ، كانت تلك القلعةفي غاية الجمال ، قلعة بتصميم عتيق و تفاصيل دقيقة بالغة الضخامة .
ترفرف على أسطحها أعلام حمراء اللون ، تجذب الناظرين لها حتى على بعد مسافة بعيدة ، انبهرت الأم مما رأته .
"هل نحن ذاهبون لتلك القلعة يا تُرى؟" تسآئلت .
تابعت القطة المشي و تبعها بطبيعة الحال كـيَانْ وامها التي بدت متعبة بعض الشئ ، مرّوا عبر أزقة متعددة كل زقاق اضيق من سابقه ، عبرت القطة برشاقة خلال الأزقة ثم توقفت ، تنتظر رفيقتيها.
وصل الاثنان نحو القطة
"إذًا ما تريدين بأن ترينـ—، هاه؟"
لم تكمل كلامها لأنها تفاجئت برؤية قاطرة معلقة او ما يسمى بالتلفريك ، مزّين بزخارف ذهبية ملكية ، نظرت نحو الاتجاه المؤدي له ونعم.. كانت تلك القلعة العظيمة.
"ألا زال هذا الشئ يعمل ؟" تقدمت القطة مجددًا كما لو انها فهمت ما قالته الأم ، تم فتح الباب تلقائيًا دخلت القطة و أصدرت مواءً ، كأنها تخبرهم بالصعود معها .
"هه" قالت الأم مقتنعة و عقدت يديها ناظرةً للقطة ، صعدت كـيَانْ معها بحماس ، كانت تقفز على القاطرة مرارًا و هي تمسك بالحواف مما جعل القاطرة تهتز قليلًا .
" اهدئي يا ابنتي " كانت الأم مترددة بعض الشئ ، هل الذهاب لتلك القلعة خيارٌ صائب أم لا ؟
خصوصًا وانها تخشى ان يحدث لهم شئ ما ، ففكرة عدم وجود أحد بهذه المنطقة لا زال أمرٌ يجلب الريبة .
فجأة صدر صوت من معدتها ،قرررررر...
" أنا جائعة حقًا ، قد نجد شيئًا نملي به بطوننا في تلك القلعة الباهية"
و تلبيةً لنداء معدتها ، صعدت الأم.
كان هناك رز أحمر متمركزًا في الوسط .
ضغط
ثم بدأت القاطرة في التحرك .