دنج

" ها قد وصلنا ، أهلًا بكما "

"هن.."

كانت ميرا عاجزة عن التعبير ، العلّية التي قالت مارثـا بأنها تقضي وقتها فيها يغطيها الغبار كليًا ، قالت ميرا ،

"…انا متأكدة من أننا دخلنا العلّية الخاطئة"

"كلّا ، لا يوجد سوى علّية واحدة في هذا القصر ، هذه هي !"

كانت مارثـا فرِحة ، اعتلت على ميرا ملامح اليأس ، تنهدت و قالت ،

"حسنًا ، اعتقد أننا بحاجة لتنظيفها أولًا ، ما رأيك؟"

"أليست نظيفة؟"

"هل ترين كل هذا الغبار؟ لابد من تمسيحه"

قالت ميرا ،

"اسمحي لي "

هبّت ذاهبة نحو المطبخ الفرعي الذي في العلية ، و بحثت عن أدوات التنظيف ،

"آهااا، وجدتُ ما نحتاج…"

اخرجت ميرا المكنسة وقالت ،

"…سنبدأ بالتنظيف"

بعد حوالي ساعة ، انتهى الجميع ، تم مسح العلّية و جعلها تلمع ، قالت ميرا،

"انظري ، عادت كالجديدة "

"اهاها ، نعم انتي محقة "

"حتى أنّه يمكنك التنفس براحة دون السعال بسبب الغبار ، إنه يؤثر على الرئتين "

قامت ميرا بالتنظيف الشامل ، أما مارثـا فساعدتها بتمسيح الطاولات ، قالت ميرا ،

"حسنًا بما أننا انتهينا ، لنعدّ شيئًا بسيطًا كمكافأة على هذا المجهود "

في داخل المطبخ الصغير الفرعي لهذه العلية ، خبزت الفتيات كعكًا بالشوكولاته مع الحليب الدافئ ، ساعدت مارثـا في تكويرالكعكات ، وسكبت كـيَانْ الحليب داخل الإبريق ، كل هذا بإرشاد من ميرا .

بدت مارثـا مستمتعة بما تفعله ، تسآئلت ميرا عن الوقت الذي ستقابل به أمها ، بعد الانتهاء وضعن الصحون والأكواب على الطاولة ، ثم جلسن معًا حولها يأكلون ، قالت مارثـا بإعجاب،

"يالهي لم أأكل كعكًا كهذا منذ فترة طويلة ، إنه لذيذ حقًا "

كانت كـيَانْ تغمّس الكعكة بالحليب و تضعها في فمها ، تساقط الفتات على الأرض ، قامت ميرا و اجلست ابنتها على الكرسي و وضعت بجانبها الكعك و الحليب ، قالت ميرا،

"يسعدني ذلك ، لا تنسي أنّك ساعدتّي أيضًا ، أنتي جيدة في مهارات الطبخ "

"اهاها ، شكرًا لك سيدتي "

"لا أمانع أن تناديني باسمي…إذًا مارثـا ، أين هُما والداك ؟"

نظرت مارثـا وقالت بإيجاز،

"أمي توفيت عندما كُنت في الثانية من عمري ، أما أبي لا يتواجد كثيرًا في هذا القصر"

تعجبت ميرا و قالت ،

"حقًّا؟ إذًا من يعدّ لك الطعام ؟ أهم الخدم؟"

"حتى الخدم ليسوا متواجدين هنا ، استطيع اعداد الطعام بنفسي ، لا يوجد احد سواي انا و سوزو ، قد يأتي والدي في بعض الأحيان لكنني لا التقي به إلّا نادرًا…"

تذكرت ميرا أنها رأت العديد من علب الطعام سريع التجهيز في المطبخ الكبير بالأسفل .

"هذا لا يعتبر طعامًا صحيًا كما تعلمين ، ألم يجلب لك والدك طبّاخًا ؟"

ابتسمت مارثـا بحزن ،

"اتمنى ذلك ، لكن حتى لو اخبرته فلن يأبه لي "

"منذ متى وانتِ على هذه الحال؟"

"كل ذلك حدث قبل ٥٠٠ سنة ؟ اعتقد او اكثر من ذلك ، ألقيت علينا اللعنة بسبب والدي ، واصبحنا هكذا "

"ماذا تعنين؟"

"قد أكون طفلة في ناظريك ، لكنني أكبر من ذلك بكثير "

"اهاها ، نعم هل تريدين بأن تقولي لي أن عمرك ٥٠٠ سنة؟"

قالت ميرا مازحة ، أجابت مارثـا بابتسامة ،

"اعرف أنه من الصعب تصديق ذلك ، لكن هذه هي الحقيقة المُرّة …في الواقع عمري الآن ٥٤٢ منذ حلّت علينا اللعنة ذلك اليوم"

تغير تعبير ميرا ، اكملت مارثـا ،

"إنّ قصة هذه المنطقة فظيعة جدًا ، بعد ممات والدتي ، اعتنى بي خادمها المخلص ، أما والدي فقد دخل في دوامة اكتئاب حينها…"

"يالهي"

"…بعدها اصبح يخوض في امور غريبة ، انا اخبرتك لقد تغيّر كثيرًا ، في منتصف الليل يمشي في القلعة و هو يضحك ، صوت ضحكاته مرعبة جدًا ، لذلك كنت اختبئ في هذه العلّية خوفًا منه…"

"ماذا كان يفعل ؟"

"لم أكن اعلم حتى جاء ذلك اليوم …"

صمتت مارثـا ، يبدو انها تذكرت شيئًا ، قالت ،

"…خرج والدي ذات مرة من القصر ، اتذكر ذلك الجو الماطر و الغيوم حالكة السواد ، كان سعيدًا جدًا ، سمعته و هو يقول(أخيراً حان الوقت) عدّة مرّات ، لم افهم ما كان يفعله كُنت صغيرة …"

"…"

"…بعدها في وقت متأخر من الليل ، لازال الجو غائمًا و الأمطار تهطل بغزارة ناهيك عن صوت الرعود المخيفة ، كان لدي احساس سئ تجاه كل ذلك …"

"انتظري، أين ذهب والدك؟"

"إلى الجبل…"

وقفت مارثـا و اتجهت نحو النافذة مشيرة للجبل الذي عنتهُ في قصتها ، ذلك الجبل الذي أتت منه ميرا و كـيَانْ ، اكملت مارثـا و هي عائدة.

"كان هناك اعصار خرج من السماء نزولًا نحو ذلك الجبل ، تعالت أصوات الرعود حينها واجتمع البرق كلّه في تلك المنطقة ومن ثم أغمي علي …"

" يالهي…"

وضعت ميرا يديها على فمها ، أومأت مارثـا و اكملت ،

"نعم…لا اتذكر ماذا حدث بعدها ، عندما استقيظت لاحقًا وجدتُ هذا الشئ بيدي .."

اخرجت مارثـا من جيب فستانها شيئًا اشبه بمسمار اسود ، مدبب من الجهتين ،

"اتذكر أنّي حلمت بوالدتي ، بعد ذلك و كأني اصبحت شخصًا آخر ، اصبح لدي قدرات تفوق التصور البشري …"

"هذا مريب حقًا ، هل عاد والدك بعد ذلك؟"

"نعم ، حتى والدي الذي كانت تظهر عليه علامات تقدمه في السن قد اختفت ذلك اليوم ، لكنه لم يكُن سعيدًا عندما عاد ،سألني ما إذا حلمت بوالدتي ام لا …"

"ماذا قلتي له؟"

"لم اكذب عليه ، اخبرته بأنّي حلمت بها "

"كيف كانت ردّة فعله ؟"

"لم يكُن سعيدًا ، قال كلمة واحدة (هنيئًا لك)"

"ياله من رجل ، ألا يحبّك كوالدتك ؟"

أثناء ذلك اسقطت كـيَانْ كوبها على الأرض ، التفتت امها عليها ،

" برفق يا ابنتي هذه الأكواب ثمينة ، ماذا تريدين ؟"

أشارت كـيَانْ نحو الإبريق ، قامت امها و سكبت لها المزيد من الحليب ،

"ها أنتِ ذا "

ثم عادت و جلست بجانبها ، طبعت ميرا قبلة صغيرة على خد كـيَانْ ، ابتسمت مارثـا لهما .

قالت ميرا ،

"إذا كان ما تقولينه صحيحًا ، فهذا يعني أن والدك قد أجرى طقوسًا شيطانية او شئ كهذا "

"انتي محقة ، لم نعُد كسابق عهدنا من تلك الحادثة ، حتى أنه تم حظر الدخول لهذه المنطقة بسبب ذلك … مات الكثير جرّاء ماحدث ، عمي حاول إيقاف أبي لكنه لم يستطع ، دار بينهما نقاش طويل و في النهاية تطور الوضع و تقاتلا … والدي قتله امام زوجته "

"هذا مريع حقًا "

"لم يعُد قلب والدي لينًا ، ليس بعد الآن "

"كيف كانت أمّك؟"

أخرجت مارثـا من جيب فستانها قلادة ذهبية ، و اعطتها لميرا ،

"ان صورة والدتي بداخلها"

فتحت ميرا القلادة ،

" إنها جميلة.."

كانت المرأة التي بالصورة هي اسكارليت جيلاس، قرأت عنها في الحديقة ، القليل فقط ،

"أنتي تشبهين والدتك كثيرًا"

ابتسمت مارثـا في خجل ، ازاحت القليل من شعرها خلف اذنها ،

"بففف، شكرًا لك "

أعادت ميرا. القلادة و قالت ،

"أتعلمين ؟ لدي احساس بأن هذا الشئ قد أعطه لكِ والدتك "

كانت تشير للمسمار ، قالت مارثـا ،

"قد تكونين على حق ، لكنّي لست على علم بكيفية استخدامه بعد ، من المفترض ان يكون سلاحًا "

"حقًّا ؟ هذا مستحيل ، لا يمكن ان يكون كذلك "

ضحكت ميرا ، أخرجت الساعة التي بيدها وقالت ،

"لا اعلم اذا توقيت ساعتي صحيحًا ، هل تعرفين ما هو الوقت الآن؟"

نظرت مارثـا نحو الساعة الجدارية المعلقة خلف ميرا ،

"إنها ٨:٤٠ "

نظرت ميرا نحو الساعة أيضًا بتفاجؤ،

"آه لم ألاحظ وجودها !"

وضعت مارثـا كوبها على الطاولة و قالت،

"شكرًا لك على هذه الوجبة الخفيفة يا ميرا ، انا ممتنّة لك "

انحنت لها بأدب ، قالت ميرا ،

"لا داعِ لكل هذه الرسميات ، اعتبريني احد افراد عائلتك "

ابتسمت ميرا بحنان لها ، خجلت مارثـا مجددًا ،

هذه الطفلة بها دهاء خالص و قلبٌ نقي ، خالجها شعور بالندم على الظنّ بسوء نحوها ، فهذه الطفلة ليست خطيرة كما كانت تظّن.

طرا شئٌ في بالها قد نسيته،

"مارثـا ، اخبريني هل يوجد قابسٌ في هذه العلية؟"

"قابس؟ لست متأكدة "

"احتاج لشحن هاتفي حتى اتواصل مع زوجي"

اخرجت ميرا الهاتف و الوصلة من حقيبتها و اعطتها لمارثا .

قلّبت مارثـا الهاتف عدّة مرّات ،

"هذا هاتفك؟"

"نعم"

نظرت له مارثـا من جميع النواحي ، وقالت

"يبدو معطًلا.."

"كلا إنه فقط يحتاج للشحن"

قالت ميرا باستياء ، تعجبّت مارثـا

"غريب انه اصغر من هاتفي، يبدو لي انه سيكسر بسهولة"

"ما هو نوع هاتفك ؟"

"انا؟ نادرًا ما استخدمه ، لا يوجد تغطية في هذا المكان بعد الحادثة "

ذهبت مارثـا و جلبت الهاتف الخاص بها ، و هنا…أيقنت ميرا بأنها أكبر منها بمئات السنوات.

كان هاتف مارثـا قديمًا ، هاتف Orbitel Citiphone وردي اللون ، هذه الهواتف التي استعلمت قبل مجئ الهواتف الرقمية ، قالت مارثـا ،

"أهداني إيّاه خادم والدتي عندما كنت في الرابعة "

" هذا حقًّا لطيف "

ابتسمت ميرا ، نقرت على ازرار الهاتف ، الصوت جعلها تتذكر هاتفًا مثل هذا كان جدّها يستعمله .

"بالتأكيد ، كنت استخدمه كثيرًا و اتصل بأناس عشوائيين حتى اهاهاها"

"اهاهاهاهاها"

ضحكت ميرا أيضًا ، فهي كانت تفعل ذلك أيضًا في صغرها ،

"أنا أيضًا كُنت افعل ذلك ، لكن والدي وبّخني عندما علم بالأمر "

ارجعت ميرا الهاتف وقالت ،

"لكنني حقًا أريد شحن هاتفي"

فكّرت مارثـا للحظات و قالت ،

"يوجد معمل تحت القصر ، سنلقي نظرة هناك"

"ممتاز! ، هيا لنذهب"

"لكن أخشى أن يعلم والدي، لذلك سنذهب خلسة إلى هناك"

"بحقك ، والدك بالكاد يتواجد في المنزل "

"اهاهاها ، نعم لكن لديه سمعٌ خارق ، سنكون هادئين حسنًا؟"

"كما تشائين ، لكن ليس لي علاقة بهذه"

أشارت ميرا على ابنتها ، ابتسمت مارثـا

"انا متأكدة من انها ستكون مطيعة"

—أجل ، في أحلامي

قالت ميرا في نفسها ، تحركت مارثا نحو المصعد قائلة ،

دنج

"حسنًا ، لنذهب "

2024/08/07 · 34 مشاهدة · 1552 كلمة
ماري
نادي الروايات - 2026