صباح هادئ حيث تطل الشمس من نافدة شقتي التي تقع في رتشموند في مدينة لندن ٫ يُطرق باب الشقة و إذا بصوت بتريشا ٫ شابة في 21 من العمر ، بشرتها شاحبة و عيناها زيتونية اللون ، و شعرها قصير بني اللون ، فقدت ذاكرتها عندما وجدتها في احدى الأزقة القريبة من هذه الشقة و عندها شعرت بالشفقة تجاهها فلا تعرف أين تذهب و يبدو ان ليس لديها اي عائلة او أقارب فبعد ان نشرنا عن خبرها لم يأتي احد لتفقدها حتى بعد أسبوعين . و ها هي الآن تعمل في مكتبي الصغير في شقتي الفوضوية كمساعدةٍ لي ترتب الملفات و تساعدني في تذكر الأشياء حينما افقدها ، فمنذ ذالك الحين و هي تسكن في الشقة المقابلة لي و أصبحتُ احد المقربين لها ، لماذا أُطلعك على كل هذا عزيزتي القارئ لأنها او لأنني في الحقيقة وقعت في غرامها . كيف ؟ و متى؟ و ماذا عساي افعل ؟ لا اعلم حقاً لكنها ايضا لا تعلم بذلك و لكنني عزمت الأمر بأن اخبرها بحقيقة مشاعري في ليلة رأس السنة و الذي سوف يكون بعد يومين . فجاة يدخل الطارق إلى الشقة و يتلقى المحقق ويليام ضربة على رأسه و هو مستلقي على الأريكة يغط في نومه و يتمتم بكلام لم تفقه بتريشا .

بتريشا : استيقظ أيها الكسول إنها منتصف الظهيرة أتنوي ان تنام اليوم بطوله؟

ويليام : عليك بالله ان توقفي عادتك بصفعي بملفات القضايا تكاد القضايا تخرج و تصفعني من شدة الألم الذي أحسسته .

بتريشا : و هي كذالك ويليام ! … لقد تقاعست عن عملك كثيراً مؤخراً إلا تنوي حلها ؟

ويليام : ربما لا فهي قضايا تافهة لا تستحق الاهتمام أصلا … إنقاذ كلب ضائع… ايجاد أخ مفقود منذ ٧٠ سنة… خاتم زواج ضائع … و زوج هارب من زوجته … اتضنين حقاً اني أصبحت محققاً لاحل هكذاً قضايا؟

بتريشا : و ماذا إذن ؟ أتتوقع ان تمسك بقاتل مستأجر مثلاً ؟

ينهض ويليام و يشغل أسطوانة الموسيقى الكلاسيكية و يأخذ بيد باتريشا و يبدأ بالرقص و يستمر بالحديث …

ويليام : عزيزتي بتريشا لا تفهمين عقل المحقق الذكي .

بتريشا : احقاً انت ذكي ؟ لم يمضي سوى ٩ اشهر بعملي معك و لا اسمع إلا تذمر الناس منك .

ويليام : حسناً ماذا يقولون ؟

بتريشا : يقولون انك عادي جداً فمن واجب المحققين ان يكونوا خارقي الذكاء بتحليلاتهم للقضايا .

يتوقف ويليام عن الرقص و يوقف الموسيقى و يرفع شعره بيديه و يطلق تنهيدة طويلة …

ويليام : اه يا مجتمع لندن البائس قد غرق بحب القصص الخيالية أيظنون أنني امتلك عقل … شارلوك هومز …او هيركيول بوارو … أو الآنسة ماربل… ما أنا إلا محقق متواضع أتعطش لرائحة القضايا المثيرة للاهتمام أوليس هذا كافياً ؟

بتريشا : اعتقد ذالك و لكن يجب ان تثبت لهم ذالك ٫ ان سبب تدني سمعتك لأنك ترفض القضايا السهلة مما يزيد غضب الناس اكثر و قلة ثقتهم بك .

يلاحظ ويليام رسالة ذات ظرف جميل و عليه مطبوع بالشمع ( قصر وينسدور ) فتلمع عيناه …

ويليام : ما هذه ؟

بتريشا : اه نسيت ذالك ٫ إنها رسالة لقد وصلتني هذا الصباح و يبدو انها دعوة خاصة .

فتح ويليام الرسالة و بدأ بقرائتها و كان محتواها …

" عزيزي ويليام آدريان أنا اكتب لك هذه الرسالة و الشوق يملئ مهجتي و تعود بي الذكريات إلى أيام الثانوية حيث كانت مغامراتنا بالهروب منها و التسلل لغرفة الفن و صنع مسرح جريمة ، كانت أيام مبهجة بوجودك معي و قد مضت بنا السنوات و لم نلتقي منذ ان سافرت إلى إنجلترا بعد تخرجي من المدرسة لدراسة الفن و لكنني الآن قد عدت اخيراً و أصبحت فناناً مرموقاً لدى طبقة النبلاء فيسرني دعوتك إلى قصري في وينسدور لتذكر الأيام الخوالي حيث أقمت حفلة تبدا بآخر يوم من هذه السنة و تستمر حتى بعد يوم راس السنة . يمكنك دعوة ما تشاء من الأصدقاء و الاقارب فأنا قمت بدوري بدعوة بعض الأصدقاء المخلصين للحفلة . صديقك المخلص مارك إوين "

بتريشا : مارك إوين ؟

ويليام : ماذا هل تعرفين هذا الاسم ؟

بتريشا : كلا و لكنه ذُكر في الصحف عدة مرات "الفنان العالمي الذي رسم لوحةٍ لملكة فرنسا و كرّمته على ذالك قد عاد ليعيد احياء الفن في لندن "

ابتسم ويليام و قال : اجل هذا صحيح هذا الفنان المرموق هو صديقي … اتستغربين من ذالك ؟ صديق لهذا المحقق الفاشل ؟

بتريشا : كلا … لان ذالك الفنان قد ساعدته قدرته المادية ان يكون مشهوراً لكن انت لم تحن ساعتك الذهبية بعد .

ويليام : ساعتي الذهبية ؟

بتريشا : اجل هذه مقولة لا اعلم أين سمعتها لكنها تعني انها لحظة مجدك و شهرتك .

ويليام : حسناً بتريشا أظن انه ربما تحين تلك الساعة عندما اذهب إلى قصر وينسدور ،هيا احزمي أمتعتك سوف نذهب إلى وينسدور الليلة .

بتريشا : الليلة ؟ لكن موعد الحفلة بعد يوم !

ويليام : اعلم ذالك لذا أريد ان أكون اول الواصلين .

بتريشا : يا لك من طفولي .

………………………………………………………………………………………………………………………………

في هذه الأثناء ، الساعة 12 ظهراً , قصر عائلة دي فرانسو ، في شرفة هذه القصر يجلس مالك القصر إيليوس دي فرانسو ، شاب في 19 من عمره ، اشقر الشعر ، و عيناه بزرقة السماء ، ملامحه متناسقة بشكل جميل و شعره الطويل لا يتجاوز أكتافه ، لكن اكثر ما يميزه هو رموشه الطويلة التي تلفت انتباه من راه . يستمع باحتساء القهوة و النظر في الأفق البعيد لمدينة باريس و يدخل خادمه ليسلمه رسالة لدعوة خاصة و يضعها على الطاولة و قبل ان ينصرف ناداه سيده و امره بقراءة محتويات هذه الرسالة فقراها بصوت عالي …

" عزيزتي الكونت إيليوس دي فرانسو ربما قد لا تعرفني لكنني قد التقيتك في بلاط ملكة فرنسا في ذالك اليوم الذي أقامت حفلةٍ لأجل تكريمي . أجل أنا الفنان الذي رسم لوحةٍ لها و نلتُ استحسانها و أنا ادعوك إلى حفلةٍ أقمتها في قصري في وينسدور في لندن تبدا في آخر يوم من هذه السنة و تستمر حتى راس السنة الجديدة و قد دعوت بعض الشخصيات المرموقة ايضاً و الأصدقاء يشرفني حضورك إلى قصري ، و أرجو ان تسمح لي برسم لوحة لك ، اعتبرها هدية مني على تلبية دعوتي ، لأنني لطالما رغبت برسم ملامحك الجميلة و التي ذاع صيتها في ارجاء فرنسا و يشرفنا حضور اخيك لويس فقد سمعت انه رسام و سوف يسرني التعرف له و يمكنك دعوة رفاقك او أقاربك ايضاً . الفنان المخلص مارك إوين "

إيليوس : مارك إوين إذن … ربما سيكون الأمر مثيراً للاهتمام … استعد يا كارلوس و احزم أمتعتي سوف نذهب الآن .

كارلوس : الآن يا سيدي !

إيليوس : اجل ما المانع ؟ سوف تستغرق الرحلة وقتاً طويلا و سوف نستغل الوقت حتى موعد الحفلة بالتعرف عليه ، و احزم أمتعتك ايضاً سوف تذهب معي .

………………………………………………………………………………………………………………………………

في مدينة يورك ، الساعة 7 مساءاً ، حيث منزل السيد رشيد و زوجته سارا ، رشيد يبلغ 29 من عمره ، شعره بني اللون و عيناه زرقاوتان و لدية لحية كثيفة ، قد ترك موطنه في العراق و أمضى حياته في التنقل لأجل التجارة في الخشب و قد اصبح صاحب اشهر مصنع خشب في برطانيا ، حيث العائلات النبيلة تطلب منه الأثاث الفاخر لذا استقر بالقرب من مصنعه في يورك . أما زوجته سارا فهي عراقية الأصل تبلغ 28 من العمر ، جميلة القوم ، سمراء البشرة ، عسلية العينين ، و تمتلك شعراً طويلاً و كثيفاً بمثل كثافة رمشيها و تعمل في بيع العطور لان لديها حاسة شم فريدة في اختيار العطور . تعود سارا من العمل في 5 عصراً و تأخذ قيلولة صغيرة حتى يحين موعد عودة زوجها من العمل في 7 فتنهض لتعد العشاء …

يعود رشيد و قد لاحظ رسالة ذات ظرف مميز في صندوق الرسائل فتناولها و دخل المنزل و جلس على طاولة الطعام بعد ان ألقى التحية على زوجته و هو مستغرب …

سارا : ما خطبك تحدق بهذه الرسائل يا رشيد ؟

رشيد : ليس الرسائل إنما هذه الرسالة ذات الظرف المميز ، انظري ماذا كُتب على الشمع المطبوع ( قصر وينسدور ) انه في لندن … مارك إوين ! أين سمعت هذا الاسم .

سارا : افتحه لترى ما محتواها ؟

فتح رشيد الرسالة فكان محتواها …

" عزيزي السيد رشيد فيصل و عزيزتي السيدة سارا آلاي ربما لا تتذكرونني و لكنني الفنان مارك إوين الذي اشتريت من السيد رشيد أثاثاً لقصري و قد ابهرني ما صنعه فيه و كذالك اشتريت من السيدة سارا عطورا فواحة قد جعلت من القصر كانّه حديقة زهور و قد أعجبني كرمكم كثيراً بتزويدنا بالهدايا كذالك و احببت ان ادعوك إلى قصري في وينسدور لأشكرك على حسن صنيعك فقد أقمت حفلةٍ تبدّا في آخر يومٍ من هذه السنة و تستمر حتى ليلة راس السنة الجديدة ، و يمكنك ان تدعو اصدقائك او أقاربك كذالك . عميلك المخلص مارك إوين "

ابتسم رشيد و نظر لزوجته و قال : ياله من فنان كريم فرغم أننا نتلقى العديد من العملاء من الطبقات النبيلة إلا أنهم سرعان ما ينسون ذكرنا كما ننساهم لكنه قد تذكرنا بعد كل تلك السنين ،ما رأيك يا سارا ؟

سارا : هذا رائع ! لطالما حلمت بزيارة لندن أظن هذه فرصتنا يا عزيزي لنأخذ استراحة من العمل و نذهب لنلبي دعوة هذا الرجل النبيل .

رشيد : و هذا ما كنت أفكر فيه يا عزيزتي .

………………………………………………………………………………………………………………………………

قصر وينسدور في مقاطعة بيركشاير ، 7 و النصف مساءاً ، يبلغ مساحتها حوالي 45000 متر مربع ، قصر قديم الهيئة من الخارج لكنه بُني على الطراز الأوربي الفاخر و مليئ بالأثاث الفاخر من الداخل رغم ان هذا القصر كبير إلا ان هم عائلة صغيرة فهم يتكونون من الأب ، الأم ، الابن الأصغر مارك، اخته الكبرى إيميليا . كان القصر خالياً من الحيوية فجميع الأفراد مشغولين بالعمل حتى عودة مارك و فكرة اقامته للحفلة فكان الجميع فخوراً به كفنان .

و الآن ها هو مارك ينهمك برسم لوحته في مرسمه الفوضوي و شعره البني الغامق ينسدل على كتفيه و عيناه ذات اللون الزيتوني تركز في اللوحة رغم مظهره البسيط إلا ان هنالك شامة تحت عينه تميز ملامحه و لحيته الخفيفة التي نسي ان يحلقها بسبب انهماكه بالرسم و حتى ان وجبته قد بردت و لم يمسسها تدخل عليه مساعدته يوليا و هي فتاة انجليزية الأصل في 19 من العمر ، شقراء ذات شعر مموج و عينان زرقاوتان ، و يغطي وجهها النمش …

يوليا : سيدي ! لقد وصلت رسائل من الأشخاص الذي أرسلت لهم دعوةٍ لحضور الحفل .

يستمر مارك بالرسم و كأنه بعالم آخر لا يصغي لما تقول يوليا فتكرر كلامها …

يوليا : سيدي ! سيدي !

مارك : اه ما خطبك يوليا لما انت غاضبة و تستمرين بالصراخ ؟

يوليا : هل سمعت ما اقول ؟

مارك : و هل كنتي تقولين شيئاً ؟

اهتاجت عيناها غضباً ثم قالت : تفضل اقرأ هذه الرسائل ، انها من الأشخاص الذين دعوتهم للحفل .

أخذ مارك بالرسائل و ابتسم و اخبر يوليا ان تعد قائمة بأسمائهم فاخذت بالدفتر و القلم و بدأت تكتبت الأسماء التي اخبرها بها مارك …

مارك : وليام آدريان … و مساعدته بتريشا …إيليوس دي فرانسو … و خادمه كارلوس بليك … رشيد فيصل … و زوجته سارا ألآي …

فتوقف مارك ثم سالته يوليا : اهذا فحسب ؟

مارك : كلا و لكن هؤلاء الذين قمت بدعوتهم أنا ! أتحسبين أنني سوف ادعوا أثرياء لندن أجمع .

ثم ضحك بشكل هيستيري فأخبرته يوليا ان هناك دعوات كثيرة أرُسلت …

مارك : هذه الدعوات قد أرسلها والداي و اختي إيميليا لم ارغب بحضور الكثير من الناس و كأنه حفل زفاف و لا امتلك الكثير من الأصدقاء المقربين لكن انتي تعلمين كيف يحب والداي التفاخر بأعمالي التي ذاع صيتها أما أنا فلا اهتمّ بذالك .

يوليا : انك شخص متواضع سيدي .

ثم ضحك و قال : كلا …كلا أنا بعيدٌ كل البعد عن التواضع … لكنني احب ان أعيش ببساطة بعيداً عن تعقيدات الطبقات النبيلة .

يوليا : حسناً سوف يكون اول الحاضرين يا سيدي هو صديقك السيد ويليام سوف يصل بعد العشاء .

مارك : هذا جيد و من التالي؟

يوليا : الكونت إيليوس و خادمه سيدي سوف يصلان في منتصف الليل .

مارك : ماذا ! لم أتوقع ذالك ذالك الشاب أهو حقاً متحمس للتعرف علي… ام متحمس للوحة ؟

يوليا : اعتقد الاثنين يا سيدي فأنت لم تستوعب مدى شهرتك بعد . اما الأخير فسوف يأتي السيد رشيد و زوجته في موعد الحفل .

مارك : هذا جيد سوف اذهب لقص شعري قليلاً و حلاقة لحيتي فقد انهمكت بالرسم لدرجة أنني اهملت مظهري منذ قدومي من فرنسا اما انتي فأخبري الخدم ان يجهزوا الغرف لاستقبال ضيوفنا .

يوليا : حسناً سيدي .

2024/08/13 · 130 مشاهدة · 2018 كلمة
نادي الروايات - 2026