عنوان جانبي للفصل : حلم الغربان الساقطة . 




"حتى الأبطال لا ينتصرون دائما " . 


                       <ميروسلاف تريكستار>           

_________________________  



الأحلام ! هل هي شيئ من المحتمل أن يحدث ؟ أم هي الرؤى و الكوابيس ؟ 


لليال ماضية كنت أستيقظ منتصف الليل و أنا أتصبب عرقا و أرتجف بشدة ، في كل ليلة نفس المشهد يتكرر و نفس الحلم أو بالأحرى نفس الكابوس ، حتى جدتي الليدي باربا لم تجبني حين سألتها عن تأويل الرؤيا ، اكتفت باحتضاني و كأنها تهيأني لشيئ ما لكنني لم أدرك ما هو . 


أستيقظ في كل ليلة فزعا و خائفا ، أنا لست جبانا و لكن الخوف قد انسل داخلي بشكل أو بآخر ، و الغربان الساقطة قد أحاطت بنا أنا و أخي و تلك العملة الذهبية عليها علامة الغراب ، أسراب من الغربان المحلقة فوق رؤوسنا و صوتها الذي يجعلني أستيقظ مرعوبا فجأة . 


<بصوت دان>






تجمد الجميع في مكانهم و لم يكسر تعويدة الصمت إلى صوت الرعد الذي زلزل الأرض تحت أقدامهم ، لكن لا شيئ سيجعل المراسيم المقدسة تتوقف . ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي عدالة الملك من تحت مقدمة خوذته المسدولة على وجهه و بدا مستمتعا بما قاله جيري ، أما پول الذي كان يراقب بين الحضور بعينيه السوداوتين فلم يرغب في تلك اللحظة بشيء سوا رؤية رأس جيري و هي تنفصل عن جسده بضربة من سيف الجلاد المسمى "ديث/الموت" . 



أحاط الجنود ب دان الذي كان لازال ممتطيا حصانه و قد وجهوا نحوه حرابهم ذات الرؤوس الحادة و تأهب الرماة فوق الأبراج المنصوبة التي أحيطت بالمكان لإحباط أية محاولة للتدخل في المراسيم ، و هدأ الناس الذين حضروا ليشهدوا تنفيذ عدالة الملك ، لكن الجميع دون استثناء قد نظروا بعينين شاخصتين منتظرين الشخص الذي سيكسر صمت الموقف . 



قال جيري بفخر المصارع المزعوم : 


- ( ألم تسمع ما قلته أيها الكاهن أو القاضي أو أيا من كنت ؟ لقد قلت بوضوح أنني أرغب بمحاكمتي عن طريق القتال ! ) 


- ( جيري !! سأنقذك .) صاح دان محاصرا بين الجنود .


            <إبتعدو أيها اللقطاء !! >



 ( حسنا ! )  قال الفزاعة ثم توجه بالكلام نحو السير ثيودور قائلا : 


- ( ما رأيك في ما اقترحه هذا المتهم ؟ )


- ( لا مانع لي في مشاركته في رقصته الأخيرة بل سأجد ذلك أكثر إمتاعا من مجرد فصل رأسه مباشرة . )  قالها و هو مبتسم ، الجميع يعلم أنه لا يبتسم كثيرا و لا يتكلم كثيرا أيضا لكن يقال أن رائحة الموت و رائحة الدم هما ما يجعلانه يبتسم بشيطانية . 



( فُكوا وثاقه ! )

 قال الفزاعة آمرا الجنود .



( لا تفعلو سأقاتل مكانه . ) صاح دان معترضا .



أجابه الفزاعة و قد وجد متعة في إغاضته : 



- ( إنه خياره يا سيد دان و أقدر خوفك على أخيك لكن قبل كل شيئ علينا كلنا أن نمتثل لمشيئة الآلهة و كذلك أنت .)


                       <أيها اللعين> 



( جيري لا تفعل ! ) صرخ دان .



( تراجع و إلا سيفقد المتهم فرصته ، أبعدو هذا الرجل من هنا إنه يريد اعتراض المراسيم المقدسة و آخر شيئ نريده أن يثار سخط الآلهة . )

 قال الفزاعة على مسمع الجميع .



فُك وثاق جيري و تم إفساح المكان ليقام النزال بين الغريمين حتى صار أشبه بحلبة النزال فيما أجبر دان على التراجع و هو غير مصدق لما يحدث فرغم أن أخاه الأصغر جيري أمامه و على مقربة منه إلا أنه لا يستطيع إنقاذه ، لا حول له و لا قوة . أما پول فقد حضر نفسه للإستمتاع بالعرض و بدا كما لو أن هذه أول مرة يحضر عرضا ليس من تنظيمه الشخصي المباشر لكنه ساهم بالفعل بتنظيمه عندما وشا ب جيري و ما يخطط لفعله ، و فكر في نفسه أنه سيكون أفضل عرض على الإطلاق .


 

متسلحا بدرعه السوداء و سيفه الضخم الذي يرعب الأبصار و قد جره على الأرض لصعوبة حمله باستمرار محدثا شررا متطايرا وقف عدالة الملك شامخا كالطود العظيم ، رؤيته فقط جعلت دان يدرك أنه لا فرصة أمام جيري المصاب أمام هذا الوحش ، فهذه ليست المصارعة التي اعتاد عليها جيري بل هي أشبه بالمبارزة رغم  ذلك هذا السيف الضخم يصعب القتال به و هذا قد يمكن جيري من المراوغة و تسديد بعض الضربات و المماطلة في القتال ، لكنه بعد أن ألقى نظرة فاحصة على شقيقه فهم أنه لا أمل ، لا يمكن أن يكون هذا هو تأويل الكابوس الذي ظل يأرق مرقده طيلة تلك الليالي . 



راقب پول الوضع و هو يوجه نظراته نحو الأخوين لكنه متيقن أن عدالة الملك سيحق العدالة في نهاية المطاف .



حاول جيري أن يجعل حركاته تبدو طبيعية كي لا يثير قلق أخيه عليه ، لكن القيام بخطوات قليلة يجله يشعر بألم لا يحتمل فما بالك بقتال حاصد الأرواح بشحمه و لحمه ، جراحه متعفنة و أطارفه مخدرة و لا طاقة له على حمل أي سيف أو درع أو سلاح فهو لم يأكل شيئا منذ أن وقع في الأسر . 



مُنح سيفا و درعا و أُلبس واق للصدر و خوذته التي كانت لوالده من قبله و التي يعتبرها تميمة حظه ، لكن قدمه قد قيدت بسلسلة من الحديد ثبتت نهايتها في زاوية الحلبة و علت أصوت الحضور : 


<هذا ليس عدلا !! >

<المسكين سيقتل شر قتلة >

<هذا جنون >



( صمتا !! )


 قال الفزاعة بصوت مسموع مخرسا الألسن المعترضة و أردف قائلا بعينين مسمومتين : 



( لا اعتراض على مشيئة الآلهة ، ليبدأ النزال ولتسد عدالة الملك . ) 



تقابل الطرفان و أسقط جيري مقدمة خوذته على وجهه بصوت مسموع ، و رغم حجمه الكبير إلا أنه قد بدا كالقزم بالنسبة لعدالة الملك العملاق الذي لوح بسيفه الضخم ليثير الخوف و التردد في نفس جيري و الذي أحكم بدوره قبضته على درعه و سدد سيفه نحو المقدمة متأهبا و قال موجها كلامه نحو خصمه : 



- ( هل تعلم من أنا ؟ ) 


- ( رجل ما في عداد الأموات . ) 


أجاب السير ثيودور ديليجرانج ملوحا بسيفه الضخم الذي بدا كصفيحة عريضة من المعدن البراق و انطلقا موجها ضربته الأولى بحركة خاطفة من ذراعه التي برزت عضلاتها و عروقها و بدت كذراع وحش على وشك أن يبطش بفريسته لكن قبل تلقي الضربة مباشرة غير جيري موضع جسده و رفع درعه ليغطي رأسه و يتفادى الضربة التي مرقت على مقربة من درعه و احتك السيف الضخم بدرعه و شعر بذلك الثقل رغم تفاديه المفترض للضربة و تحرك مبتعدا عن مجال الضربات لكن السلسلة التي تقيد قدم لا تسمح له بقدر كبير من المراوغة . 



هتف الحضور ل جيري و لحركته البارعة أما دان فقد ضغط على أسنانه و أعصابه قد شدت للغاية و لم يصدق أن تلك الضربة قد بددت حتى هو و رغم كونه مبارزا بارعا بالسيف ما كان ليتوقع أن يفوز أمام هذا الوحش ، و تحت أنظاره رفع ثيودور سيفه من جديد و قد بدا مستمتعا بما أظهره جيري للتو من ندية و انطلق بسرعة خاطفة لا تمنح أي فرصة للمراوغة موجها ضربة مباشرة بسيفه ، رفع جيري درعه للأعلى ليتصدى للضربة الساقطة لكن نصل السيف قد اخترق الدرع محطما إياه ليصطدم في طريقه بسيف جيري الذي ملأته التشققات إلى أن تكسر هو الآخر بقوة ضغط الضربة الغير عادية ، إخترق نصل السيف كتف جيري و تطايرت الدماء على وجه ثيودور الذي ابتهج مخرجا لسانه ليلعق تلك الدماء الحارة على وجهه ، و أطلق جيري صرخة الألم الذي لا يووصف ؛ 



  { آاااااااااااااااااااااااااااه أغغغغغ }


لم يستطع البعض النظر فقد كان المشهد مأساويا جدا و الدماء تتطاير من كتف جيري ؛ 



( لاااااااااااااا !!!! ) صاح دان بقوة .


( لااااااااااااااااا أيها الوغد ابن العاهرة ) 




لم يكن الموقف يسمح له بالتدخل فالجنود قد وجهوا رماحهم إليه و الرماة قد صوبوا سهامهم نحوه لكي لا يتجرأ على التدخل . 



                   <أي محاولة للتدخل قد تعرض فرص المتهم في النجاة للخطر>


 

( أيها اللقطاء الملاعين .... )

  صاح دان بغضب عارم و قد غزت الدموع عينيه لعجزه عن حماية أخيه الأصغر .




رفع ثيودور سيفه العالق بين عظام كتف جيري ولحمه و قد وجد صعوبة في إخراجه كونه أحدث جرحا غائرا و بصق جيري دما كثيرا و سعل و تهاوى على الأرض و لم يستطع الشعور بأي شيئ الكثير من الألم و الكثير من التعب فكر أنه لم يبق له الكثير على أية حال تذكر كلام پول حين أخبره سابقا أنه رجل ميت و في مواجهة هذا الوحش الفرص قد انعدمت مسبقا لكنه تأمل أن تحدث معجزة أو على الأقل ميتته ستكون في حلبة القتال و ليس مقطوع الرأس صراخ دان قد أعاده إلى وعيه ؛ 



{ جيييييييرييييييييي }


نظر قبالته بعينين داميتين ، كتفه الأيسر و ذراعه كذلك صارتا تتدليان كالخيط الرفيع الذي تحركه أقل النسمات .



- ( قف و قاتل .. )

 قال ثيودور مخاطبا جيري .



ابتسم جيري في هذا الوضع بشكل غريب أثار توجس پول الذي تمنى أن يجهز عدالة الملك عليه بغير رحمة و قال : 



- ( الكلام أسهل من الفعل ، أحتاج لسيف و درع جديدين .. ) 



( أَمدوه بهما حالا ! ) 

 قال الفزاعة آمرا الجنود . 



إلتقط جيري السيف و الدرع و حاول النهوض لكن قواه قد خارت بالفعل ، لكنه جاهد نفسه حتى وقف مجددا في منظر لم يحبذه پول إطلاقا الذي راح يقول في نفسه : 


{أجهز عليه هيااا إفعلها }



دوى صوت الحضور المكان معترفين بشجاعة جيري ، فمواجهة هذا المخلوق المخيف في حد ذاتها إنجاز كبير أما الصمود أمامه فهو معجزة ، لكن دان كان يمني نفسه أن تحصل المعجزة الحقيقية و ينتهي كل هذا الجنون .



تراجع ثيودور إلى الخلف و كذلك جيري الذي لم يكن له خيار آخر على أية حال ، و لوح عدالة الملك بسيفه العظيم مجددا و تماما كالمرة السابقة بقوة غاشمة من جسده الضخم لم تمنعه من سرعة الحركة وجه ضربة أخرى أشد قوة لجيري الذي بدا مترنحا و قد فقد الكثير من الدماء ، و بقليل من الترنح و شيئ من الحظ مرت الضربة جانبا حتى هبط السيف على الأرضية و انغرز فيها و تماما في نفس الوقت و بينما ثيودور منشغل بسحب سيفه من الأرض رفع جيري سيفه ليهجم لكنه كان مترنحا و غير متزن و منح ذلك عدالة الملك الوقت ليسحب السيف و يوجهه نحو خصمه صادا ضربته و موقعا إياه أرضا بعد أن لامس رأس السيف واقي الصدري ما جعله يخدشه بعمق محدثا جرحا آخر أفقيا في صرد جيري و جعل ذلك پول في غاية البهجة متنفسا الصعداء و هتف الجميع ؛ 

 

( أوووووو يا إلهي لااااااا )   


إتسعت عينا دان و رفع قائمتي حصانه عاليا ما جعل الجنود الذي كانوا يمنعونه من الإقتراب بحرابهم يتراجعون و انطلق مخترقا المكان و هو يصيح : 



 ( أيهااااااا اللعين ستموت لفعلتك هذه) 


 

و بنظرة واحدة منه أمر الفزاعة الرماة المتمركزين في الأبراج أن يطلقو عليه و

اعتقد پول أن الأمر برمته قد فسد بتدخل دان ما أثار حفيظته لكن ما إن أصاب دان أول سهم في ظهره حتى تبدد شكه في أن هذه هي النهاية المنتظرة و فكر أنه لربما قد ضرب عصفورين بحجر واحد .



هتف الحضور غير مصدقين لما يحدث و سقط دان من على صهوة جواده بعد أن أصابه ثالث سهم في ظهره لكنه بدأ يزحف نحو أخيه تحت أنظار عدالة الملك الذي تيقن أن خصمه يحتظر و أمر أحد الجنود فأحضر له خرقة من الجلد المدبوغ في الزيت لينظف نصل سيفه و هو يشاهد آخر لقاء بين الأخوين .



أخذ يزحف وصولا إلى جثة أخيه و الدموع قد غلبته : 


 ( آاااه أخي جييييري لاااا أرجوك أغغغغغ ... ) 


ضمه إليه و انتقلت الدماء إلى ملابسه ملطخة إياه .


 ( أرجوك لاااا تفعل تحدث إلي  ... ! ) 


( أخي دان .... ) 

قال جيري و هو يلفظ آخر أنفاسه المتقطعة . 



- ( لقد خذلتك يا أخي الأكبر كل ما أردته كان الإنتقام لوالدنا لكن ... ) 



- ( لا تتحدث الآن .. سأخرجك من هنا و سننجو معا .. ) 


- ( لا أعتقد ذلك ! ) 

 قاطعهما السير ثيودور . 



- ( أصمت أيها اللعين ستموت جراء فعلتك هذه .. ) 


رفع السير ثيودور مقدمة خوذته و كشف عن وجهه البغيض و قال مجيبا دان : 



- ( أنا لا أقاتل من أجل نفسي بل من أجل الملك لهذا إذا أردت أن تواجهني ذات يوم فعليك أن تصبح ملكا لهذا تذكر هذا الوجه جيدا و عش و تغذى على كراهيتك لي لكي تستطيع أن تطيح بي و تنتقم لأخيك . ) 

و استدار مغادرا الحلبة .



أحاط الجنود بالأخوين و قد وجهوا الحراب نحوهما .


تابع جيري سرد كلماته الأخير قائلا : 


- ( كن قويا يا أخي عش و لتحيا بسعادة .. ) 


 

- ( ما الذي تقوله أيها الوغد ... أنت سوف تعيش بالتأكيد  ...جيري .. وسنحيا معا  ..  هذا فقط ما سيحدث ... سو... )


 


و قبل أن يكمل دان كلماته انزلقت يد جيري التي كانت تمسك بيد دان و انهارت على الارض و آخر ما قاله كان "پول" و قد وجه نظراته نحوه بين الحشود .



و حينها نظر دان بصمت و صدمة شديدة و  بعيون واسعة جدا موجها نظره إلى الناس ليرى پول و قد ارتسمت على وجهه تعابير السعادة ، قبل أن يصرخ بأعلى صوته و هو يهز الجثة بشدة : 


 

- ( لاااااااااا لا تمت لاااااااااااا أرجوك لا تمت جيييييرييييي ..... ) 



مات جيري و بهاذا أعلن القاضي الملقب بالفزاعة أن عدالة الملك قد أُحقت و انتهى الأمر على مشهد دان يعانق جثة أخيه بعينين دامعتين و جسد غارق في الدماء و قد أصبه الرماة بثلاثة سهام . البعض وضع يده على فمه و البعض الآخر أشفق عل. هذين المسكينين لكن الثعبان الأقرع پول كان كالطائر المغرد المبتهج سعيدا و مسرورا و شعر أنه أخيرا العدالة بدات تسود الجميع ، الكل سيشعرون بألم فقد العزيز تماما كما شعر هو حين فقد أسرته و تدمرت حياته . 

في النهاية دوى نعيق الغربان في السماء و أسدل الستار على حلم الغربان الساقطة ، 

لكن عدالة الملك لم تنتهي بعد ... 



___________________________________

 



لا توجد معلومات متوفرة حاليا . 











دعمكم هو أفضل شيئ للإستمرار 

 

أنتظر تعليقاتكم بفارغ الصبر 

.

.

.


شكراً



# Leo

# K_O_T_G



شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus