اسم السخصية: أيرلين

كانت الريح تهبّ باردة في سهول إيلدار، محمّلةً برائحة دخانٍ لم يختفِ منذ عقود. السماء دائماً شاحبة، كأنها حبرٌ رماديٌّ مسكوب على صفحةٍ منسية، والشمس بالكاد تظهر بين الغيوم الثقيلة، لا تمنح الدفء بقدر ما تمنح شعوراً بالغياب. في هذا العالم الغارق في الرماد، نشأت القرى محتمية بأسوار خشبية، متشبثة بما تبقى من حياة.

في إحدى هذه القرى، واسمها دُرينفيل، كان يعيش شاب في العشرينات من عمره يُدعى أرِلين. لم يكن أحد يعرف له أباً ولا أمّاً، سوى امرأة عجوز ربّته ثم ماتت وهو بعد صبي. ورث عنها كوخاً صغيراً على حافة الغابة السوداء، وقلادة فضية غريبة تحمل نقش شمسٍ تخرج من بين جناحين. لم يكن يعلم أنّ تلك القلادة ستغيّر قدره ذات يوم.

عمل أرِلين حدّاداً في القرية. كانت يديه مشققة من النار والمطرقة، وصوته دائماً مبحوحاً من دخان الفحم. لم يكن مجرد صانعٍ للحديد، بل كان ينفخ فيه حياةً غريبة: السيوف بين يديه تصبح أكثر توازناً، الدروع أشد صلابة، حتى الفؤوس العادية تكتسب حِدّة لا مثيل لها. كثيرون قالوا إن في دمه موهبة قديمة، لكنه اكتفى بالابتسام والصمت.

رغم مهارته، كان قلبه مضطرباً. ففي الليل، كانت تزوره كوابيس لا تنتهي: صرخات فرسان يتساقطون في ساحة معركة، أجنحة هائلة تحجب السماء، ونار سوداء تلتهم الأرض. والأغرب من ذلك أنّ أصواتاً خفية كانت تناديه باسمه:

"أرِلين... أيقِظ السيف..."

كان يستيقظ فزعاً، يتصبب عرقاً، ولا يجد أمامه سوى القلادة الفضية على صدره تتوهّج للحظات ثم تخبو.

---

الضيف الغامض

في مساءٍ بارد، بينما كان يصلح سيفاً مكسوراً لأحد جنود الحامية، سمع طرقاً ثقيلاً على باب الورشة. فتح الباب ليجد رجلاً طاعناً في السن، برداء رمادي طويل مرقع، يحمل عصاً خشبية غريبة، تعلوها بلورة صغيرة تشعّ بضوء أزرق خافت. كان وجهه محفوراً بالتجاعيد، لكن عينيه تلمعان كأنهما تحملان ألف حكاية.

قال الرجل بصوتٍ هادئ، لكنه نافذ:

"مساؤك يا ابن الفولاذ والنار. أهذا موضع الحداد أرِلين؟"

تفاجأ الشاب، وتساءل: "أنا هو، لكن من أنت أيها الشيخ؟ لا أذكر أنني رأيتك من قبل."

ابتسم الغريب وجلس على مقعد خشبي قرب النار، ثم أخرج من عباءته شيئاً ثقيلاً مغطى بقماش. وضعه على الطاولة، وكشف عنه. كان سيفاً قديماً صدئاً، مكسوّاً بخدوش وعروق داكنة، وكأنه خرج من قبرٍ عتيق.

قال الشيخ:

"هذا السيف يُدعى إيلثار... وهو ليس كسائر السيوف. لقد ظلّ صامتاً لقرون، ينتظر من يُوقظه. واليوم... اختارك أنت."

أرِلين ضحك بخفوت، محاولاً أن يخفي قلقه:

"أنا مجرد حداد بسيط يا سيدي. لا فارس ولا نبيل. ما علاقتي بسيفٍ عتيق؟"

لكن الشيخ لم يبتسم. بل اقترب منه وهمس:

"أنت لست ما تظن. دمك يحمل إرثاً قديماً... إرث الملوك الذين أُبيدوا في ليلة الرماد. تلك القلادة على صدرك... إنها ليست مجرد زينة. إنها ختم النور. والختم لا يختار إلا وريثه."

ارتجف قلب أرِلين، كأن الأرض سُحبت من تحته. حاول أن ينكر، لكن السيف فجأةً ارتجف على الطاولة وأطلق بريقاً أزرق، كأنّه يسمع ما يدور بينهما.

---

شرارة أولى

لم يستطع أرِلين أن يبعد يده، كأن قوة خفية جذبت أصابعه إلى مقبض السيف. ما إن لمسه، حتى اندفعت صورٌ في ذهنه: جيش من الفرسان يلوّحون برايات ذهبية، مدينة عظيمة بأسوار شاهقة، وصوت رجلٍ شجاع يقاتل تنيناً هائلاً... ثم صرخة مدوّية، وسقوط كل شيء في بحرٍ من اللهب.

أفلت السيف بسرعة، وهو يلهث.

"ماذا... ماذا رأيت؟!"

ابتسم الشيخ، لكن في عينيه بريق حزنٍ دفين.

"رأيت ماضيك... ورأيت مستقبلك أيضاً."

ثم وقف وقال:

"اسمي ميرفال، آخر سحرة المجلس القديم. جئت إليك لأن وقتك قد حان. التنين الأسود سارغوث يزداد قوة، والظلال تبتلع المملكة. لكن إن استيقظت السيوف السبعة، قد يعود الفجر إلى أرضنا. وأنت، يا أرِلين... أنت الشرارة الأولى."

---

اختيار الطريق

جلس أرِلين تلك الليلة وحده، السيف أمامه يلمع بخفوت، والريح تعوي خلف النوافذ. قلبه بين مطرقة القدر وسندان الخوف. هو لا يريد أن يكون بطلاً، ولا أن يحمل أعباء الملوك. كل ما أراده حياةً بسيطة في قريته، يصنع السيوف للآخرين ويحلم بسلام لا يأتي.

لكن حين أغمض عينيه، رأى وجوه أطفال القرية، ورأى الرماد الذي يطمر الزرع، ورأى وحوش الغابة وهي تقترب يوماً بعد يوم. عندها فهم أنّ الهرب لن ينقذ أحداً.

في الفجر، وقف أمام ميرفال، وقد علّق القلادة الفضية على صدره بإحكام، وربط السيف على خصره.

وقال بثباتٍ لم يعرفه من قبل:

"سأرافقك، أيها الساحر. إن كان قدري مكتوباً، فلأمشيه حتى النهاية."

ابتسم ميرفال، وقال:

"إذن، بدأت رحلة النور."

وانطلق الاثنان من القرية، لا يعرفان أنّ خلف الأفق تنتظرهما غابات موحشة، مدنٌ غارقة في الظلال، وأعداء أقسموا أن يمحوا آخر شرارة أمل. لكن الشرارة الأولى كانت قد اشتعلت... ولن تنطفئ.

2025/10/01 · 36 مشاهدة · 707 كلمة
جايرو
نادي الروايات - 2026