لم يدرك "أرلين" ما حدث إلا بعد أن صرخت الريح حوله واصطدمت شفرتان من النار والحديد في الهواء. الشرارة الأولى كانت كأنها برق في منتصف الظلام، أما الثانية فقد اخترقت السكون وملأت الغابة بصوت حديد يصرخ في وجه القدر.
الفارس الغامض اندفع نحوه بسرعة مذهلة، وعيونه المتوهجة كشعلتين في الظلال. رفع أرلين سيفه الصدئ ليصد الضربة، لكن القوة التي واجهها كانت فوق طاقته. سقط على الأرض، والسيف ارتجف بين يديه، كأنه يرفض القتال.
> "من أنت؟!"
صرخ أرلين، بينما كان يتراجع إلى الخلف بين جذوع الأشجار المتفحمة.
الفارس لم يُجب. كل ما سمعه كان أنفاسه الثقيلة، وصوت الحديد يُسحب من بين الرماد.
ثم قال بصوت عميق كأنه صادر من قبر:
> "أنا رسول من العدم، أتيت لأمنع عودتك... أيها الوريث المنسي."
شعر أرلين بالدم يتجمد في عروقه. الوريث؟!
وريث ماذا؟ لقد عاش حياته كحدّاد بسيط، لا يملك من المجد سوى الرماد الذي يغطي ملابسه كل صباح.
لكن قبل أن يسأل، انطلقت من السيف الذي في يده ومضة غريبة. الضوء الأزرق الذي كان خافتًا في البداية، اشتعل فجأة كنجمة في ليل مظلم.
تردد صدى في عقله، كأن صوتًا يتحدث إليه من داخل السيف نفسه:
> "انهض يا ابن إيلدار... لم يحن وقت سقوطك بعد."
وقف أرلين، والضوء يحيط به. رفع سيفه نحو الفارس، وهذه المرة لم يكن الحديد صدئًا.
كان لامعًا، نابضًا بالحياة، محفورًا برموز لم يرها من قبل.
اصطدم السيفان مجددًا، وانفجرت بينهما دوامة من الرماد والضوء.
تشققت الأرض، وتطايرت الأوراق اليابسة، وترددت صرخة غريبة في أرجاء الغابة.
حين انقشع الدخان، كان الفارس قد اختفى.
لم يبقَ سوى أثر حافر حصانه المشتعل على الأرض، وصدى صوته يقول:
> "القطعة الثانية في برج الضباب... إن كنت تجرؤ على البحث عنها."
جلس أرلين منهكًا، ينظر إلى سيفه الذي بدأ يخفت ضوءه ببطء. لم يفهم بعد معنى ما يحدث، لكن داخله بدأ يتغير.
كأن شيئًا ما فيه استيقظ بعد سبات طويل.
حين عاد إلى كوخه، وجد باب بيته مفتوحًا. على الطاولة قطعة من الورق القديم، عليها نقش رمزي هو نفسه الذي على السيف.
تحت الرمز كلمات قليلة:
> "من يجد القطع السبعة، يوقظ مملكة الرماد من لعنَتها... ويحكم بين النور والظلال."
توقف قلبه لثوانٍ.
بدأت الرحلة إذًا.
---
في الصباح التالي، كان أرلين قد جهّز حقيبته الصغيرة، وسيفه المضيء، وقطعة المعدن الغامضة التي وجدها في الغابة.
خرج من الكوخ، ووقف أمام طريق طويل ينحدر نحو الشرق، حيث برج الضباب ينتظر.
> "إلى هناك إذًا..."
قالها بصوت خافت، ونظر نحو الأفق الذي ابتلعته الغيوم الرمادية.
لم يكن يعلم أن الخطوة التالية ستقوده إلى لقاءٍ سيغيّر كل شيء —
لقاء مع من سيصبح أول حليفٍ له في الحرب القادمة... ساحرة الرماد.