لم يكن برج الضباب مجرد بناءٍ من الحجر، بل كان كيانًا حيًا يزفر الدخان والرماد كأنه تنينٌ نائم منذ ألف عام.
كلما اقترب أرلين والساحرة من البوابة العظمى، اشتدّ الضباب حتى غطّى السماء. لم يعد يرى سوى ظلالٍ تتراقص على أطراف نظره، وأصواتًا تهمس من بين الصخور.
قالت الساحرة وهي ترفع يدها في الهواء:
> "احذر أن تردّ على الهمسات، إنها أرواح الحراس القدماء. إن أجبتهم، سيأخذون لسانك إلى الأبد."
ابتلع أرلين ريقه، ثم سأل بصوتٍ خافت:
> "وهل كنتِ هنا من قبل؟"
"كنتُ هنا عندما انهارت مملكة الرماد للمرة الأولى..."
صمتت، ووجهها انطفأ كجمرة انطفأت ببطء.
عند بوابة البرج، كانت هناك دائرة من الرموز القديمة محفورة في الأرض، وفي منتصفها تمثال لرجلٍ مغطى بالقيود.
اقترب أرلين، فاهتز السيف في يده، وانبعث منه ضوء أزرق لامع.
قالت الساحرة:
> "ضع القطعة التي وجدتَها في الغابة على قلب التمثال، وسيفتح البرج طريقه لك."
تردد لحظة، ثم فعل.
ما إن لامست القطعة الحجر، حتى اهتزّت الأرض بقوة، وارتفع من التمثال صوتٌ كأنه آتٍ من أعماق الجحيم:
> "من يدعو نيام الرماد؟ ومن يوقظ عهد الدم؟"
تراجع أرلين خطوة، لكنه أجاب بشجاعة غريزية:
> "أنا أرلين، ابن النار والحديد. جئت أطلب طريق النور!"
تفتحت عينا التمثال بلون الذهب، وانطلقت من فمه عاصفة من الرماد، كشفت بوابةً ضخمة من ضوءٍ رمادي.
قالت الساحرة:
> "الآن لن يعود هناك طريقٌ للرجوع."
دخلا البرج.
في الداخل، كانت الجدران تتنفس. رموز غريبة تشتعل وتنطفئ، وسلالم ترتفع ثم تختفي.
وفي منتصف القاعة الكبرى، كان هناك عرش من العظم الأسود، يجلس عليه ظلّ لا وجه له.
> "أخيرًا وصلت، يا حامل النور."
انبعث الصوت من كل مكان، من الحجارة نفسها.
> "من أنت؟!"
"أنا بوّاب العهد... من أُوكل إليه اختبار كل من يسعى لملامسة إرادة الخلق."
رفع الظل يده، فارتفعت من الأرض أشكال دخانية تشبه الفرسان، يحملون رماحًا من رماد.
> "أرِني قوتك يا ابن إيلدار... أو متْ هنا كما مات من قبلك."
اشتعل السيف في يد أرلين، وانطلقت منه دوامة من الضوء.
صرخ، واندفع نحو الظلال.
الرماد والضوء تصادما في عاصفة واحدة جعلت البرج كله يهتز.
حين انتهى القتال، كان أرلين راكعًا، يلهث، والسيف يقطر نورًا لا دمًا.
أما الظلال فقد اختفت، ولم يبقَ سوى صوتٍ خافت يقول:
> "لقد اجتزت الاختبار... القطعة الثانية تنتظرك في أعماق البرج."
مدّ يده، فإذا ببلورة رمادية صغيرة تطفو أمامه. أخذها، وشعر بدفءٍ غريب يسري في جسده.
قالت الساحرة بصوتٍ مبحوح:
> "اثنتان من سبع، يا أرلين... لكن كل قطعة تفتح بابًا للظلام أكثر مما تغلقه."
نزل الصمت بينهما، والبرج من حولهما بدأ ينهار ببطء.
وفي اللحظة التي خرجا فيها إلى الهواء الطلق، سمعا صوتًا بعيدًا يصرخ في السماء:
> "من يملك القطعة الثانية... يستدعي انتباه من لا يجب أن يُوقظ!"
رفعت الساحرة نظرها نحو الغيوم الداكنة، وقالت بخوفٍ لم تُخفِه:
> "لقد شعر بنا... أحد حكّام الخلق."