حين خرج أرلين من برج الضباب، كان الرماد يتساقط من السماء مثل المطر.
أمسك السيف بيده، والبلورة الرمادية تتوهّج بين أصابعه.
لكن إحساسًا غريبًا راوده… كأن شيئًا ما يراقبه من وراء الغيوم.
قالت إليريا بصوتٍ منخفض:
> "توقف، أرلين… لا تنظر إلى السماء."
رفع عينيه رغم تحذيرها، فرأى في العلو عينًا رمادية ضخمة تشقّ الغيوم، تحدّق فيه بثباتٍ مميت.
كانت تلك اللحظة أول لقاء بينه وبين إيثاروس — حاكم الخلق والتوازن.
تجمّد الهواء، وسكن كل شيء. حتى الرماد توقف في منتصف السقوط.
وفجأة، سمع صوتًا لا يأتي من الخارج بل من داخله، صوتًا هادئًا لكنه ثقيل كالحقيقة نفسها:
> "ابن النار والحديد… لماذا كسرت الصمت؟"
تراجع أرلين خطوة، وهو لا يفهم إن كان يهذي أم يحلم.
> "من أنت؟!"
"من كان قبل البداية، وسيكون بعد النهاية… أنا من يزن بين النور والهاوية."
أحس بحرارة في صدره، والبلورة الرمادية صارت تتوهّج أكثر.
مدّ يده إليها، فانبعث منها ضوءٌ اخترق السماء نحو تلك العين.
في لحظة، رأى العالم من حوله يتبدّل — الأرض تذوب، الجبال تنحني، والزمن نفسه ينكسر.
وجد نفسه في مكانٍ آخر.
سماء بلا لون، وأرض بلا ظل. في منتصفها يقف رجل برداء رمادي طويل، وجهه بلا ملامح، وصوته يملأ الفضاء.
> "أرلين، حامل سيف الرماد، أنت تمشي على الحد الفاصل بين الخلق والفناء.
قل لي… ما الذي تبحث عنه؟"
> "أبحث عن نهاية هذا الظلام."
ضحك الكيان، وصدى ضحكته جعل السماء تتشقق.
> "النهاية؟ لا نهاية يا فتى. فقط دورات لا تنتهي… أنا أخلق لأوازن، لا لأُنهي."
اقترب أرلين خطوة.
> "هل أنت من دمّر مملكتي؟ هل أنت من أطلق الظلال؟"
"أنا من سمح بذلك… لأن الضوء كان قد طغى. عندما يطغى النور، يولد الظلام ليعيد الكفة."
اشتعلت عينا أرلين بغضب.
> "أناسٌ أبرياء ماتوا لتوازن غامض؟!"
"الأبرياء؟ لا يوجد أبرياء في عالمٍ يسكنه الطموح، يا ابن النار."
ساد الصمت للحظة. ثم مدّ إيثاروس يده، فتكوّنت أمام أرلين مرآة رمادية.
> "انظر فيها، إن كنت تظن نفسك بريئًا."
نظر أرلين… فرأى صورًا من ماضيه — رغبته بالانتقام، حقده على قاتلي والده، كبرياءه حين أمسك السيف أول مرة.
أدار وجهه بعيدًا.
> "كلكم رماد، وأنا لست إلا من يعيد جمعكم في كل دورة من دورات الوجود."
رفع يده، وإذا بكل شيء حوله بدأ يتلاشى في عاصفة رمادية هادئة.
> "احمل هذه الرؤية يا أرلين. في كل خطوة ستتذكر أن الرماد ليس نهاية، بل توازن."
قبل أن يختفي، همس صوته في أذن البطل:
> "عندما ترى العين للمرة الثانية، سيكون عليك أن تختار… بين خلق عالمٍ جديد أو حرق القديم إلى الأبد."
اختفى المشهد فجأة، وعاد أرلين إلى الواقع.
كانت إليريا تهزه بعنف.
> "أرلين! لقد كنتَ جامدًا كالصخر! ماذا رأيت؟"
نظر إليها بعينين رماديتين للحظات ثم همس:
"لقد رأيت البداية… والنهاية، في آنٍ واحد."
ومن بين الغيوم، انطفأت عين التوازن، وكأنها وعدت بالعودة عندما يحين الوقت.