قبل زمن طويل، كانت الوثنية هي الديانة الأكثر انتشارا في "الماذرلاند" لكنها تخلت عن أصلها كديانة تدعو إلى الخالق الأعظم و أصبح هم كهنتها السلطة و الثروة و النفوذ و على مر التاريخ لم تستطع أي مملكة أن تحكمهم أو تقيد أعمالهم، لكن عصرهم الذهبي بدأ يؤول إلى الزوال فأصبحوا غير قادرين على التقرب من العائلات الغنية و النبيلة، لهذا لجأوا إلى فرض الضريبة على الفقراء و الضعفاء فكانوا يقتسمون مع الحطاب إذا احتطب و مع الفلاح إذا زرع و مع الصياد إذا اصطاد متجاهلين حاجة هؤلاء، و حجتهم في هذا أن تعبدهم لآلهتهم الوثنية هو سبب إنعام هذه الأخيرة على الناس ما يجنونه و ما يحصدونه، و أن الفضل يعود إليهم و إلى عبادتهم قبل كل شيئ. لكن دينا جديدا قد ظهر في الشرق و أخذ يدق المسامير في نعش الوثنية بسبب أنه لم يكن يطلب شيئا غير الإلتزام بالمعاملة الجيدة و التضرع لخالق كل شيئ. كان سكان الشمال قد بدءوا ممارسة التجارة، لهذا خلال تنقلاتهم  إلى الشرق في سبيل ذلك احتكوا بتعاليم الدين الجديد و أُعجبوا به، حتى اعتنقه الكثيرون ولم يعد بالإمكان إخفاء هذا أكثر.

 كان ذلك عصر الإنحطاط لديانة الوثنيبن فهم ما عادوا قادرين على الكسب من العائلات الغنية في الجنوب و الآن صار معظم من في الشمال لا يدينون بدينهم و لا ينصاعون لأوامرهم و لا يخشون سخط آلهتهم .

 فكر الكاهن الأعظم المسمى "نيفيريس" رئيس كهنة معبد الوثنيين المدعو ب "الكاتالا" في حل و لم يجد سوى طلب العون من سكان الجنوب الذين قابلوهم بالرفض المطلق .

 كان سكان الجنوب أناسا متحضرين تحكمهم عائلات نبيلة و لكل عائلة منها قلعة خاصة بها و رعية يعيشون فيها يخدمون أفراد العائلة مقسمين بالولاء لهم و أشهر هذه العائلات هم آل "دي روز"  و آل "ميتز" اللذان يتملكان أوسع الأراضي و أضخم القلاع و أقوى الجيوش من بين كل العائلات و كانت هاتان العائلتان في تنافس و صراع دائمين و تجلى ذلك في جمع أكبر عدد من الحلفاء لضمان البقاء في القمة. 

كان اللورد "إليوت دي روز" رجلا شديد الفخر و الكبرياء، و كان دائما يريد أن يرى نفسه و عائلته أشد نبلا و ريادة من العائلات الأخرى، لكنه لم يجد الفرصة لتحقيق ذلك و إعادة مجد عائلته و مع أن الوثنية كانت ديانة أهل الجنوب إلا أنه لا أحد منهم إهتم بها، كل ما أراده أهل الجنوب كان الحصول على القوة و السيطرة و إجراء التحالفات و الخيانات و ما إلى ذلك، لا وقت لديهم لمشاكل عباد الحجارة. 

فكر نفيريس كبير الكهنة جيدا، و لم يجد حلا أفضل من آل دي روز أو آل ميتز، كلمتهما مسموعة و إذا وافقت إحداهما فالنصر مسألة وقت فقط. لكن المفاجئة كانت عكس المراد ، لم تقبل أي منهما الدخول في صراع عقيم مع أهل الشمال ذوي المراس الصعب، كما أنه لا أحد قد يرسل جيشه إلى الشمال و يترك قلعته بدون حماية معرضة للغزو .

 إشتد انتشار الدين الجديد و أدان آل "كولر" و آل "دي صوف" و هما من العوائل النبيلة و العريقة كذلك و هنا تعاظم الخطر و أحس الكاهن الأعظم بضرورة التحرك لإقناع أحد النبلاء الملاعين بالمساعدة، لكن ليقبل أحدهم لابد أن يكون هنالك أخذ و عطاء، فكر نفيريس أن إليوت دي روز قد يقبل عرضه إذا احتوى على شيئ لا يمكن رفضه، ماذا لو أثمرت مساعدته للوثنيين أن يصبح ملكا؟

 إنطلق نفيريس بنفسه لمقابلة اللورد إليوت، و شرع في عرض فكرته القائمة على الإدعاء أن الدين الجديد ينتشر بالقوة و الغصب و أن آل كولر و آل دي صوف قد وحدا جيشيهما استعدادا للقدوم إلى الجنوب للغزو و التوسع تنفيذا لأفكار دينهم الجديد، هذا سيعطي الجنوبيين دافعا للتحرك و هنا يأتي دور كهنة و خدام معبد الكاتالا في التوغل في القلاع التابعة للعائلات النبيلة الأخرى و الإختلاط بين الرعية و الترويج لهذه الفكرة بل و سَيدَّعون أنه إذا استطاع الدين الجديد الوصول إلى أراضيهم فسيجعلهم معتنقوه عبيدا لديهم أو يقتلونهم شر قتل، هنا ستتأجج الحمية الدينية في قلوب الناس و يطالبون حكامهم بضرورة التحرك، لهذا دور إليوت دي روز سيكون حشد حلفائه و قادة العائلات و توحيد الجيوش من أجل دفع الخطر المقبل إليهم، العقبة الوحيدة هي عائلة ميتز  فهي لن تقبل ببساطة الدخول في حرب يقودهم فيها آل دي روز، هنا وَضَّح نفيريس وجهة نظره في الأمر، كل ما يحتاجه إليوت دي روز هو النجاح في إقناع أكبر عدد من سادة العائلات، الآخرون سيأتون تباعا عندما يرون النصر المحقق، في النهاية ما ستجنيه عائلة دي روز من هذا كله هو توحيد العائلات تحت قيادتها، غزو الشمال و السيطرة عليه و بذلك التفوق على الغريم الذين هم آل ميتز و تأسيس مملكة من الشمال إلى الجنوب، في النصف الغربي من القارة حيث العائلة الحاكمة فيها تكون عائلة دي روز.

  هذا ما حدث بالفعل، نجح إليوت في توحيد الصفوف و حشد الحلفاء رغم رفض آل ميتز المشاركة و شنت الجيوش المتحالفة هجومها على أل كولر و آل دي صوف فسقطت الأراضي المنخفضة التي يحكمها آل كولر و سقطت برابيل كذلك و التي يحكمها آل دي صوف و تم إبادة كليهما و السيطرة على قلاعهما و القضاء على كل من اعترض الطريق و من ثم انطلقت الجيوش إلى الشمال لتغزوه. كانت خطة نفيريس تتحقق كما يجب لكن الشمال واسع و القبائل فيه متعصبة صعبة المنال، و طال الأمر بالجيوش الجنوبية فرغم انتصاراتها إلا أن الوضع يستنزف منهم الكثير حتى أن البعض أراد التراجع، علم إليوت أن الوضع قد يتأزم في أي لحظة، لكن لا مجال للتراجع قبل تحقيق غايته لهذا أصر على التوغل أكثر في الشمال و حشر الجنود و نادى فيهم قائلا : 

" أتينا إلى هنا استجابة لتعاليم ديننا لنصر آلهتنا ، فأعداء آلهتنا هم أعداؤنا ، و لقد تم اختياري لقيادتكم إلى النصر المبارك لهذا لن نعود إلى بيوتنا قبل أن نطهر الشمال من أعدائنا و ها أنا أعلن قيام أول حملة تطهير مباركة للتخلص من أعدائنا و أعداء آلهتنا "

  كان هذا الخطاب وسيلة للمماطلة وكسب وقت أكثر لكن و في نفس الوقت إحتشد أكبر عدد من الشماليين للدفاع عن أنفسهم ضد هذا العدوان الغير مبرر، و التقى الجمعان في معركة طاحنة، أهل الشمال مسلحين بإيمانهم بأنهم جانب الحق و الجنوبيون متبعين القائد إليوت دي روز الطامح للملك، لكن لم تكن هناك فئة غالبة حتى حدث شيئ غير نتيجة المعركة، جيش عائلة ميتز قدم لمساعدة جيش الحلفاء قاطعا كل تلك المسافة، هنا كتبت آخر فصول الصراع و تغلب القوي على الضعيف.. بعد هذا عذب و أحرق الشماليون أحياءا، كانوا يكومون فوق بعضهم البعض و تضرم النار في أجسادهم و يموتون بصراخهم.

 و في مشهد نهائي ركع جميع قادة الجيوش و العائلات النبيلة بلا استثناء أمام إليوت دي روز معلنين إياه ملكا عليهم، ليبدأ عصر جديد في التاريخ و أصبحت الحملات المقدسة على الشمال و كل المناطق التي دخلها الدين الجديد تسمى حملات التطهير و صارت حدثا مباركا من قبل ِنفِيريس و الآلهة...

 

___________________________________

الماذرلاند (The MotherLand) : الحيز المكاني الذي تدور فيه أحداث القصة و تعرف أيضا بالقارة الأم.

الكاتالا (Katala) : ظهرت هذه الشريعة بعد الحرب التي سميت ب „حرب المناجم“ على يد رجل يدعى "إلون غولد" و تدعو إلى عبادة الأسياد (الآلهة) كان الهدف منها الإلهاء و التحكم في الرأي العام.    

حملات التطهير : حملات تقام ضد معتنقي الدين الجديد تهدف إلى تصفيتهم.

 


يدعي نفيريس أن دين الشمال يدعو لعبادة ألسايدن الذي هدد بفناء البشرية و أن عبيده سيبيدون البشر جميعا، بينما الكاتالا تتعبد الآلهة التي وقفت في وجه الشيطان ألسايدن.

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus