استيقظ كورنيل من نومه على صوت معدني ثقيل يرتطم بالارض او ببعضه قادم من الشمال صوت لا يُشبه أجراس الكنيسة المعتادة فتح عينيه ببطء وبقي مستلقيًا للحظة يحدق في السقف الخشبي الذي اعتاد التحديق فيه كل صباح كانت غرفته صغيرة مرتبة مليئة بالكتب التي تراكم الغبار على أغلفتها كرسي خشبي واحد وطاولة تحمل أدوات كتابة ومخطوطة مفتوحة منذ أسبوع على الصفحة نفسها في الزاوية مدفأة لا تعمل منذ بداية الخريف جلس وضع قدميه على الأرض واستمع الصوت لا يزال يتردد

الكنيسة تقرع الأجراس في هذا الوقت؟ في هذا البرد؟ شيء ما حدث

أو سيحدث ارتدى معطفه الثقيل وربط شعره للخلف ثم أمسك عصاه الطويلة لا ليستخدمها بل لأنه اعتاد حملها حين يخرج في مثل هذه الأوقات فتح الباب كان الهواء مليئا بالضباب والرؤية لا تتعدى ثلاثة أمتار

الشارع الطيني أمام منزله خال تمامًا لكن يمكنه أن يرى ضوء المشاعل النارية على الجدران الحجرية من بعيد.

همسات……!أصوات بعيدة خافتة

نساء يتكلمن بدأت اقدامه تجر نفسها على الطين اقترب أكثر من الساحة الرئيسية حيث تجتمع القرية أمام الكنيسة كان المشهد غريبًا ليس لأن الناس تجمعوا بل لأنهم جميعًا كانوا صامتين لا صراخ لا اسئلة لا بكاء وهنالك مجموعة من الرجال يرتدون عباءات رمادية وقبعات عريضة الوجه يقفون عند مدخل الكنيسة لا يُشبهون القرويين أحدهم يمسك كيسًا جلديًا يقطر منه دم كورنيل اقترب اكثر

وقف خلف عربة مكسورة يراقب رأى السيدة إيرين، زوجة الحداد تبكي وهي تمسك بذراع ابنها الصغير

رأى العجوز وليم يحاول الانسحاب من المكان والهروب بهدوء لكن أحد الغريبين ذو اللبس الرمادي أشار إليه فعاد فورا رأى القس المحلي الأب توماس يقف خلف التجمع لا يتكلم

وفي منتصف الساحة صندوق خشبي مفتوح وأمامه بقعة دم "مات طفل آخر...!!!

قالها رجل بصوت منخفض خلفه استدار كان جاكوب صديق قديم يحمل كيسًا من القمح ووجهه شاحبا

من؟ ابن إيرين قالوا إنه لم يتحرك منذ يومين جلبوه الليلة ولم يستفق سكت لحظة ثم قال بصوت اخفت قالوا إن المرض عاد لكن الأب توماس ينكر

كورنيل بقي ينظر إلى البقعة.

لم يكن يشعر بالخوف بل بشيء آخر

بعد أن أخذوا الطفل إلى الكنيسة عمّ الصمت في الساحة الضباب كان كثيفًا لا يترك سوى مسافة قصيرة للرؤية كورنيل بقي واقفًا يراقب لا يعرف ماذا ينتظر، من بعيد جاء صوت عجلات خشبية عربة سوداء كبيرة ظهرت من الشمال، تجرها حصانان هزيلان. لم يكن أحد يقودها، ومع ذلك كانت تتجه مباشرة نحو باب الكنيسة.

وقف الرجال أصحاب العباءات الرمادية عند الباب انحنوا للعربة وكأنهم يرحّبون بها.

لم يتكلموا ولم يلمسوها توقفت العربة وببطء انزاح الغطاء الأسود عنها. في داخلها أكياس طويلة تشبه أكياس الجثث كان الدم يتسرب من أحدها، يقطر على الطين.

امرأة شهقت من الخلف لكن رجلًا وضع يده على فمها وأسكتها.

كورنيل ضيّق عينيه الدم لم يكن أحمر كان رماديًا.

نظر إلى القس توماس. الأب كان واقفًا بعيدًا، يراقب المشهد وهو يرتجف. لم يتكلم، لم يصلي، فقط ارتجف بصمت وفي وسط الساحة بقي الصندوق الخشبي مفتوحا، أحد الرجال الرماديين تكلم بصوت غليظ:

"ليلة أخرى… طفل آخر… والدم لا يكفي."

بدأوا يسحبون الأكياس واحدًا تلو الآخر وعندما تحركت يد أحد الموتى

لمح كورنيل تلك العلامة الغريبة على معصم الجثة، تجمّد في مكانه، كأن الدم الذي في عروقه توقف عن الجريان.

لم يفهم سرّها، لكنها أيقظت في داخله شعورًا غامضًا بالخطر

الرجال الرماديون تابعوا سحب الأكياس حتى ابتلعهم الظلام، ولم يبقَ إلا صدى خطواتهم يتلاشى في الأزقة. الهواء صار أثقل، والليل أطبق على القرية بصمت لم يعهده أحد من قبل.

حتى النجوم بدت وكأنها انطفأت.

ظل كورنيل يراقب الساحة الخالية، والبرد ينهش قلبه أكثر من جلده. أحسّ أن القرية لن تستيقظ غدًا كما كانت.

في صباح اليوم التالي، لم يغادر الناس بيوتهم القرية صامتة حتى الكلاب لم تنبح.

كورنيل مشى نحو السوق الفارغ، أكوام القمح تُركت على الأرض. أبواب البيوت مغلقة بالخشب من الداخل، عند بئر القرية رأى فتاة تجلس وحيدة كانت تملأ دلو ماء ببطء كأنها متعبة اقترب منها رفعت رأسها وجه شاحب عينان واسعتان فيهما صفرة غريبة قالت بصوت منخفض: "أنت كورنيل… أليس كذلك؟" تفاجأ. هزّ رأسه "ومن أنتِ؟"

ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قالت: "اسمي ليارا. أعرفك من المكتبة القديمة رأيتك هناك قبل سنوات"

توقف قليلا يخاطب نفسه تلك المكتبة لم يقترب منها أحد منذ زمن طويل. تردّد قليلًا، ثم سأل: "ماذا كنتِ تفعلين هناك؟"

ردّت وهي تنظر إلى الدلو: "أبحث عن كتاب… كتاب يتكلم عن الماء الذي يشفي حلمت به مرارًا ماء يخرج من الجدران." سكت كورنيل. تذكر الكهوف، والقصص عن الماء الشفاف الذي لا يتبخر نظر إلى عينيها مرة أخرى الصفرة ازدادت وضوحًا. عرف أنها مصابة بالمرض.

قالت فجأة: "لا تخف أنا لست ميتة بعد." ثم حملت الدلو ومشت ببطء، تاركة أثر خطواتها في الطين بقي كورنيل واقفًا يراقبها لأول مرة منذ سنوات شعر بشيء مختلف لم يكن خوفًا كان شيئًا أقرب إلى الأمل… أو الحنين.

كورنيل بقي واقفًا في مكانه يراقب أثر خطواتها في الطين حتى اختفت خلف البيوت لم يتحرك كلمتها الأخيرة علقت في رأسه "أنا لست ميتة بعد."

عاد إلى بيته ببطء جلس عند الطاولة بدأ يقلب المخطوطة التي أمامه لكنه لم يقرأ حرفًا كل ما يراه هو عيناها، في تلك الليلة لم ينم.

وعندما بزغ الفجر خرج من البيت القرية ما زالت صامتة، الضباب يغطي كل شيء لكنه لمحها عند البئر مرة أخرى كانت تملأ دلو الماء، لكن هذه المرة يداها ترتجفان اقترب منها بسرعة "ليارا، هل أنت بخير؟"

رفعت رأسها، وابتسمت كأنها تحاول إخفاء ضعفها "مجرد برد… سيزول"

لكنه رأى الصفرة تزداد وضوحًا في عينيها، اقترب أكثر وقال بصوت خافت: "إذا ساء وضعك… لا تدعي أحدًا يأخذك إلى الكنيسة أرجوك"

توقف لحظة ثم أضاف: "أنا أعدك… لن أتركك" رفعت يدها ولمسته على كتفه إذن نتعاهد. إن جاء دوري، لن أكون وحيدة كان الوعد بسيط لكنه في قلب كورنيل صار أثقل من أي دين وفي تلك اللحظة قرع جرس معدني ثقيل من بعيد لم يكن جرس الكنيسة المعتاد. كان أعنف، أقسى، كأنه يُنذر بقدوم شيء التفت الناس من نوافذهم أما ليارا… فحدّقت في الضباب كأنها تسمع نداءً لا يسمعه سواها.

2025/09/01 · 257 مشاهدة · 941 كلمة
Mubin Malkawi
نادي الروايات - 2026