أما ليارا فحدّقت في الضباب كأنها تسمع نداءً لا يسمعه سواها شهقت بعمق، ثم تمتمت "هذا… ليس مرضًا… إنه مفتاح."

قبل أن يستوعب كورنيل كلماتها، أفلتت يدها من قبضته وانطلقت تركض وسط الجموع

ناداها بصوتٍ مبحوح

"ليارا! انتظري!" لكنها لم تلتفت الناس تراجعوا عن طريقها كأنهم يخشون لمسها، والضباب بدا وكأنه يبتلعها مع كل خطوة تخطوها

كورنيـل اندفع خلفها، يدفع الكتوف ويتعثر بين الأجساد، لكن عينيه لم تعودا تلمحان سوى خيالها الباهت يبتعد أكثر فأكثر، حتى اختفى في العتمة.

وقف يلهث، قلبه يضرب بقوة، فيما عادت صورة الجرس المعدني إلى ذهنه، تلك الضربة الواحدة التي لم تعنِ سوى شيء واحد

لقد بدأوا بأخذ المصابين.

حين وصلت اقدام رجال الكنيسة الساحة، لم ينتظر سكان القرية كثيرًا.

الهمسات تحولت إلى ارتباك، ثم إلى فوضى.

الأمهات خطفن أطفالهن وهرعن إلى البيوت، الرجال جرّوا أبوابهم الثقيلة وأغلقوها بأقصى ما يستطيعون من عزم.

لم يكن الهرب فقط خوفًا على الصغار، بل أيضًا من أنفسهم في لحظة قصيرة، بدت الساحة التي كانت تعجّ بالحياة خاوية إلا من رجال الكنيسة بملابسهم السوداء، وأصوات خطاف الحديد وهي ترتطم بالحجارة.

كورنيـل وقف متسمّرًا للحظة، الغضب يشتعل داخله، لكن خوفًا آخر كان ينهشه:

ماذا لو كانوا على حق؟ ماذا لو كان المرض لعنة يجب اقتلاعها؟

ومع ذلك… صورة ليارا، وصرختها بأن المرض مفتاح، ظلت تتردد في عقله.

لم يجد نفسه إلا وهو يترك الساحة بسرعة، متسللًا بين الأزقة الضيقة حتى وصل إلى المبنى الذي يعرفه جيدًا: المكتبة القديمة.

كان بابها نصف مخلوع، والأتربة تغطي الممرات. لم يكن أحد يأتي هنا منذ سنوات، سوى هو.

اندفع نحو الرف الذي تذكره، حيث قرأ من قبل عن "حمّى الرؤية"، ذلك الاسم القديم الذي وصفوا به هذا المرض.

سحب كتابًا سميكًا مغطى بغبار، قلب صفحاته حتى توقّف عند فقرة كان يحفظها تقريبًا، لكن هذه المرة قرأها بصوت خافت:

"من يسمع النداء أول مرة، لا يعود إلى صمته. ومن يرى ما وراء الحجب، لا يعود إلى عماه.

الحمّى ليست لعنة، بل بداية الباب."

ارتجف كورنيل… لأن الكلمات لم تكن غريبة عليه.

لقد رآها من قبل، منقوشة بخط اليد في المخطوطة المجهولة التي وُجدت على طاولته في غرفته الصغيره

نفس الكلمات، نفس المعنى، كأن الكتاب والمخطوطة قد خرجا من مصدر واحد مصدر لم يُفترض أن يعرفه أحد في هذه القرية.

2025/09/04 · 24 مشاهدة · 354 كلمة
Mubin Malkawi
نادي الروايات - 2026