اندفعت ليارا خلف كورنيل عبر ممرٍ ضيقٍ مظلم محفور تحت الأرض كان المطر يتساقط خلفهما بصوت مكتوم بينما يغلق كورنيل بابًا خشبيًا سميكًا خلفهما،كأنهما انفصلا عن العالم بأسره تقدمت بخطوات مترددة وعيناها تحاولان التكيف مع نور المشاعل الصغيرة المعلقة على الجدران الحجرية كان المكان أشبه بسراديب قديمة، جدرانها مرسومة برموز غامضة وأختام غريبة تشبه تلك التي قرأ عنها كورنيل في المخطوطات.
اقترب منها وهو يلهث:
"ليارا لا وقت للخوف الآن ما يجري ليس مجرد مطاردة إن المرض الذي يفتك بالقرية ليس طبيعيًا هناك من صنعه."
ارتجفت الكلمات في أذنها فابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ماذا تعني؟! أهذا هو السبب الذي جعلك تبحث في المكتبة القديمة؟"
ابتسم كورنيل بمرارة وهو يفتح صندوقًا حديديًا صغيرًا كان مخفيًا تحت ألواح الأرض أخرج منه مجموعة أوراق بالية مرسوم عليها طلاسم وصور لمخلوقات لا تشبه البشر
"هذه المخطوطات كُتبت منذ مئات السنين إنها تتحدث عن مرض قديم اجتاح الأرض شعرت ليارا بقشعريرة تسري في جسدها فاقتربت أكثر من الأوراق وعيناها تلمعان بالفضول والخوف في آن واحد.
عندها أدركت أن الليلة لن تحدد فقط مصيرها، بل مصير القرية كلها.
جلست ليارا قرب الصندوق تمسح بيد مرتجفة على صفحات المخطوطات البالية كانت الكلمات مكتوبة بحبر أسود باهت، يحيطها رسومات غريبة لمخلوقات مشوهة الملامح، بعيون صفراء وأنياب حادة.
بينما كانت تتأملها، شعرت فجأة بوخزة في صدرها ثم بحرارة تسري في عروقها كالنار سقطت المخطوطة من يدها ووضعت كفها على عنقها وهي تختنق أنفاسها تتسارع وملامحها بدأت تتغير وكأن عروقًا داكنة تزحف تحت جلدها.
صرخ كورنيل وهو يمد يده إليها:
"ليارا! لا تستسلمي… لا تدعي المرض يأخذك!"
لكن عينيها انعكست فيهما لمعة وحشية، حدقت به بذهول كأنها لم تعد تعرفه في لحظة انقضت عليه كادت أظافرها أن تمزق كتفه لولا أنه أخرج من جيبه قارورة صغيرة تحتوي على سائل فضي اللون
فتحها بسرعة وسكب قطرات قليلة على يده ثم رسم بها رمزًا دائريًا على جبينها وهو يردد كلمات بلغة قديمة حفظها من المخطوطات
ارتج جسدها بعنف وصرخة حادة خرجت منها حتى ترددت أصداؤها في الممر الحجري سقطت أرضًا وهي تلهث والعروق الداكنة بدأت تختفي تدريجيًا حتى عادت ملامحها طبيعية.
جلس كورنيل بجانبها يضع يده على كتفها المرتجف:
"أنتِ بخير تذكري هذا: أنتِ أقوى من اللعنة لقد اختارك المرض لكنه لم يملكك بعد."
فتحت عينيها ببطء، ودمعة ساخنة انحدرت على خدها:
"كنت… كنت سأتحول مثلهم؟"
هز رأسه بحزم:
"نعم، لكن ما جرى الليلة أثبت أنك مختلفة. قد تكوني المفتاح المفتاح الوحيد لإنهاء هذا الكابوس."
مد يده والتقط المخطوطة التي سقطت منها وأشار إلى مقطع فيها رسم لامرأة بعينين تشبهان عينيها تمامًا مكتوب أسفلها "الحاملة من دمها يولد الخلاص أو الخراب."
بينما كانت أنفاس ليارا تعود إلى هدوئها سمعا طرقات مكتومة على الأرضية فوقهما كأن جنود الكنيسة بدأوا يفتشون أطراف القرية شد كورنيل على يدها وهمس
"لقد عثروا على آثارنا لا يمكننا البقاء هنا."
أعاد المخطوطات بسرعة إلى الصندوق ثم انتزع خريطة صغيرة من بين الأوراق ولفّها في ثوبه مد يده لليارا كي تنهض لكنها بالكاد استطاعت الوقوف فما زال جسدها يرتعش من أثر التحول الذي كاد يبتلعها.
خرج الاثنان عبر ممرٍ آخر يؤدي إلى فتحة صغيرة خلف التلال كان المطر قد خفّ لكن ضوء القمر كشف عن مشهد مرعب في الساحة البعيدة، الجنود أشعلوا المشاعل وبدأوا بجمع من يشتبهون بإصابتهم. بعض القرويين كانوا يتوسلون الرحمة، وآخرون يُسحبون بالقوة.
أمسكت ليارا بذراع كورنيل بقوة، ودموعها تختلط بمياه المطر:
"إنهم يقتلون الأبرياء… حتى من لم يُصبوا بعد!"
خفض كورنيل رأسه بأسى:
"هكذا تبدأ الكارثة دائمًا الخوف يجعل البشر وحوشًا قبل أن يمسّهم المرض."
في تلك اللحظة لمح وجهًا مألوفًا بين الجنود كان داريوس أحد أبناء القرية، يقف بجانب الكاهن الأكبر وهو يوشي بيده نحو المنازل التي يختبئ فيها الناس. لم تصدق ليارا عينيها، فقد كان داريوس صديقًا مقربًا لها ولأسرتها.
شعرت بدمائها تغلي تذكرت كلمات المخطوطة: "الخيانة من الداخل"
قالت بصوت مبحوح:
"كورنيل… إنه هو. داريوس لقد خاننا!"
شد كورنيل قبضته، وعيناه تلمعان بالتصميم:
"إذن تأكدتِ بنفسك هذا هو الدليل الذي كنا نبحث عنه لكن علينا أن نكون أذكى منهم إذا كشفنا أمره الآن سنُقتل قبل أن يسمعنا أحد."
نظرت ليارا نحو القرية المشتعلة قلبها يتمزق بين الغضب والخوف ثم قالت:
"لن أتركه ينجو. إذا كان دمي هو المفتاح فلن أسمح أن يُستخدم للخراب."
تحركا معًا عبر التلال والحقول المبتلة، يتجنبان دوريات الجنود حتى ظهرت أمامهما جدران الكنيسة العتيقة، أبوابها الحديدية شامخة كأنها تحرس أسرارًا منذ قرون لكن قبل أن يقتربا أكثر حدث ما لم يكن في حسبانهما
أضاءت السماء فجأة بضوء ساطع اندفع من برج الكنيسة، تبعه صوت ثقيل اخترق الأجواء كأنه نبض الأرض نفسها. ارتجفت ليارا وسقطت على ركبتيها وهي تضغط على أذنيها:
"إنه إنه يخترق رأسي!"
أما رجال الكنيسة فوقفوا بصفوف منتظمة وقد ارتدوا نظارات سوداء غريبة تحجب أعينهم وكأنهم استعدوا مسبقًا لهذا الحدث
شعر كورنيل بدوار شديد، فدفع ليارا نحو ممر صخري يعرفه بجوار السور الخارجي، وأدخلها إلى مخبأ حجري مهجور قبل أن تغلبهما الظلمة معًا.
حين استيقظا، لم يكن في الأجواء ما يوحي بأن شيئًا طبيعيًا قد جرى لم يعرفا إن كان قد مر يوم أو يومان أو أكثر كل ما أدركاه أن القرية لم تعد كما تركاها.
خرج كورنيل أولًا، تسبقه أنفاسه المضطربة وتبعته ليارا بخطوات مترددة.
ما رأياه جعل الدم يجمد في عروقهما البيوت خاوية الأبواب محطمة، والهواء يثقل بصرير غريب يقطع السكون في الساحة وقف القرويون لكن وجوههم لم تعد وجوهًا بشرية.
أجساد هزيلة وجلود رمادية متشققة، عيون صفراء تشع في العتمة وأفواه انشطرت حتى منتصف الخد كاشفة عن صفوف أسنان طويلة غير متناسقة كانت حركاتهم متشنجة كأن أوتار أجسادهم تُسحب بخيوط غير مرئية وأصوات أنينهم تشبه صرخات لا يريدها أصحابها أن تنطلق
شهقت ليارا وهي تتراجع للوراء:
"إنهم… أهلنا!"
أطرق كورنيل بعينيه قبضته ترتجف وهو يهمس:
"لقد استُخدم الضوء كان طقسًا لا وباء. لم يكونوا ضحايا عشوائيين بل مختارين لتتحول القرية كلها إلى وحوش.".