سارا بصمت بين الأزقّة الخاوية خطواتهما مترددة لا يعرفان إن كان عليهما العودة أم الهرب بعيدًا الهواء خانق والليل أثقل من صدريهما
فجأةً، دوّى خلفهما صوت حشرجة حادة تلاه وقع أقدام متقطعة تقترب بسرعة التفتت ليارا وإذا بوحش يخرج من بين الظلال جسده مشوه وذراعه اليسرى تتدلّى وكأنها مكسورة منذ زمن لكنه ما زال يتحرك بقوةٍ و جموح.
اندفع الكائن نحوها قبل أن تتمكن من الصراخ، وارتطمت مخالبه بساقها صرخت ليارا صرخة مزّقت سكون الليل وجسدها ارتجّ وهي تسقط أرضًا العظام انكسرت بوضوح والدم انساب على التراب حتى صارت قدمها عرجاء لا تقوى على حملها.
ليارا""
صرخة كورنيل خرجت من صدره وعيناه توسعت من الخوف والتوتر أمسك بالعصا الخشبية التي رافقته منذ بداية رحلتهما وانقض بها على رأس الوحش الضربة الأولى بدت قويه والوحش ترنّح لكنه لم يسقط.
كورِنيل لم يتوقف رفع العصا مجددًا وضرب بكل قهره بكل خوفه بكل ما خسره الضربة الثانيه شقت الجمجمة، الثالثة حطّمت الوجه والرابعة والخامسة لم تبق سوى عجينة من اللحم والعظام تحت يديه.
أنفاسه كانت متقطعة يده ترتجف ودماء الكائن تناثرت على وجهه سقط على ركبتيه بجانب ليارا "لن أتركك… اسمعيني لن أتركك."
مزق قطعة من ثوبه، ولف ساقها لوقف النزيف قدر ما استطاع انين ليارا كان ضعيفًا لكنها تماسكت، ووضعت يدها المرتجفة على كتفه
نهض كورنيل بصعوبة، حملها بين ذراعيه وبدأ يشق طريقه خارج القرية مبتعدًا عن الجدران المهدمة والأزقة المظلمة
لم يعد يفكر إلى أين سيذهب، فقط كان يعلم أن عليه أن يخرج بها إلى مكان آخر أن ينتظر حتى تطلع الشمس لعل الضوء يحمل لهما فرصة للبقاء.
هرب كورنيل بليارا بعيدًا عن الساحة ساقها تنزف وألمها يزداد مع كل خطوة وبعد مسافة من الركض عبر الحقول الموحلة عثر على كوخ مهجور عند أطراف الغابة بابه نصف مخلوع وسقفه مثقوب لكنه كان الملاذ الوحيد من ظلام القرية.
أدخلها برفق وأسندها على فراش بالٍ مغطى بالقش، ثم أشعل نارًا صغيرة مما وجد من خشب رطب جلس قربها يربط ساقها الممزقة بقطعة قماش أكثر إحكامًا كانت عيناها نصف مغلقتين وجهها شاحب وحرارتها ترتفع شيئًا فشيئًا.
ليارا بصوت ضعيف:
"أشعر… كأن شيئًا يتسلل داخلي… ليس مجرد ألم."
لم يرد كورنيل، فقط شد على قبضته ثم نهض ليجهز شيئًا من الطعام القليل الذي عثر عليه في الكوخ مرقًا خفيفًا غلّاه في قدر قديم وضعه بجانبها وحاول أن يجبرها على شرب القليل ثم جلس قربها يتحدث معها بهدوء كأنه يريد أن يسرق لحظة إنسانية من قلب الكابوس
تحدثا عن طفولتهما، عن القرية كما كانت قبل أن تفسدها الكنيسة عن أصوات الصباح والأجراس القديمة لكن التعب سرق كلماتهما وبدأت أجفانهما تثقل حتى ناما على ضوء النار الخافت استيقظ كورنيل فجأة، وقد ظن أن الفجر أتى. لكنه حين فتح عينيه، وجد أن الليل ما زال كثيفًا كما هو مد يده نحو باب الكوخ خرج بخطوات مترددة وحدق في الأفق لا شيء السماء ساكنة سوداء كما تركها وكأن الوقت لم يتحرك
عقد حاجبيه قلبه يزداد اضطرابًا همس وهو يحدق في العتمة "كم… كم مر من الوقت؟ لماذا لم يطلع الصبح بعد؟"
عاد إلى الداخل النار خفت وصار رمادها يتوهج بخفوت التفت إلى ليارا فوجد عرقًا باردًا يغطي جبينها وأنفاسها متقطعة نفسه جلس بجوارها في صمت لا يعرف إن كان يجب أن يخاف من الظلام في الخارج أم من المرض الذي بدأ ينهشها ببطء في الداخل.