جلس كورنيل بجوارها يراقب صدرها وهو يعلو ويهبط ببطء وكأن كل نفس قد يكون الأخير الحرارة تشتعل في جسدها عرق بارد يتصبب من جبينها وعيناها تنفتحان أحيانًا لتغلقا من جديد وكأنها ترى شيئًا لا يراه همس باسمها عدة مرات فلم تجبه سوى بكلمات متقطعة غير مفهومة أصوات عن الكنيسة، طقوس، أجراس تدق.

شد قبضته على عصاه ثم رفع نظره إلى النار التي أوشكت أن تنطفئ فألقى بعض الحطب اليابس علّه يسرق قليلًا من الضوء لكن الضوء لم يكن كافيًا ليدفع ذلك الظلام المترامي خلف جدران الكوخ وفجأة دوى صوت خافت من الخارج أشبه بخطوات ثقيلة تغرس في التراب الرطب

لم يكن ذلك حيوانًا كان منتظمًا بطيئًا وكأن المخلوق يقصد كل خطوة ليُسمعها اقترب كورنيل من الباب بخطوات محسوبة، وضع أذنه على الخشب العتيق فسمع أنفاسًا غريبة أنفاس أقرب إلى الصفير المتقطع يعقبها خرير كأن في الصدر ماءً التفت إلى ليارا فوجد عينيها مفتوحتين نصف فتحة، تنظران إلى السقف بجمود ثم همست بصوت مبحوح: "كور… نيل… لا تخرج… إنه… مختلف" تجمد الدم في عروقه. لم تكن تهذي فقط لقد شعرت به قبله.

اندفع الباب الخشبي فجأة، كأن قوة عاتية حطمته من جذوره تطايرت الشظايا وظهر في العتمة جسد مشوه يتلوى أطرافه متعرجة ووجهه نصفه لحم ذائب، والنصف الآخر قناع حجري كأنه جزء من الكنيسة نفسها زمجر بصوت أجوف واندفع نحو كورنيل

رفع عصاه بصعوبة تصدى للهجمة الأولى لكن قوة الممسوخ كانت تفوق الوصف دفعه بجسده الضخم حتى ارتطم بالجدار شعر بالعظام تكاد تتحطم حاول أن ينهض أن يضرب من جديد لكن مخالب الوحش انغرست في بطنه سال الدم حارًا فسقط على الأرض أنفاسه تختفي شيئًا فشيئًا.

مد يده نحو ليارا، لكن الممسوخ التفت إليها فجأة.

صرخت باسمه، ثم انقطع الصوت في لحظة واحدة الدماء غمرت الأرضية وصوت أنفاسها الأخيرة اختفى عيناه امتلأتا بالدموع والظلام يبتلعه آخر ما رآه كان صورة الوحش ينهشها بلا رحمة ثم غرق في الصمت شهق كورنيل فجأة وانتفض من مكانه.

وجد نفسه جالسًا على مكتبه الخشبي المخطوطة القديمة مفتوحة أمامه، الشمعة ما تزال مشتعلة.

قلبه يضرب بعنف والعرق يغمر جبينه.

رفع رأسه وهو يلتقط أنفاسه لم يكن هناك وحش ولا دماء ولا كوخ دوى طرق على باب بيته "كورنيل! هل ما زلت نائمًا؟ لقد تأخرت عن إعطاء الأطفال الدرس اليوم!"

كان صوت جاره مألوفًا، ودافئًا حد السخرية كأنه يوقظه من كابوس نهض متثاقلًا، غسل وجهه بالماء البارد وحاول أن يطرد الصور العالقة في ذهنه ثم ارتدى معطفه بسرعة واندفع إلى الخارج.

الشمس مشرقة القرية في كامل حيويتها الأطفال يضحكون، النساء ينشرن الغسيل ورجال الحقول يتبادلون التحية كأن شيئًا لم يحدث أبدًا.

وفي الطريق توقف فجأة.

كانت ليارا هناك تحمل دلوًا من البئر تمشي بخطوات هادئة تجمّد في مكانه، ينظر إليها مطولًا بدهشة،قلبه يصرخ: لقد ماتت أمام عيني منذ لحظات لكنها رفعت رأسها نحوه بنظرة باردة عابرة، كأنها لا تعرفه أبدًا.

2025/09/16 · 15 مشاهدة · 443 كلمة
Mubin Malkawi
نادي الروايات - 2026