رنّ جرس المدرسة بصوت حاد أغلق البطل الكتاب ببطء يراقب الأطفال وهم يركضون خارج الصف ضحكاتهم تتلاشى مع وقع أقدامهم على بلاط الممر الحجري بقي واقفًا لحظة ينظر إلى المقاعد الفارغة إلى السبورة التي ما زالت عليها آثار الطباشير ثم تنهد وأطفأ الفانوس الصغير المعلّق على الحائط.

خرج إلى الشارع كانت السماء ملبدة بالغيوم والريح الباردة تحمل معها رائحة دخان ورطوبة لم يتجه نحو بيته مباشرة هناك شعور يلح عليه يجرّه نحو "نوارتين" المدينة التي لا تنام كل شيء في داخله يرفض لكن فضوله أقوى.

الطريق كان طويلاً وصامتاً عربة مقلوبة على جانب الطريق قطة سوداء تختبئ تحتها وصرير بوابة صدئة مع كل هبة ري. وصل إلى مشارف نوارتين عند المغيب والمدينة بدت وكأنها تراقبه أضواؤها باهتة كأعين متعبة.

دخل الأزقة الضيقة حتى وصل إلى البوابة القديمة المؤدية إلى كهوف القداما وهناك وجد المعالج يقف وسط الطريق عباءته ملطخة بسائل أسود وجهه مشوه بشيء يشبه المرض نفسه.

المعالج بصوت حاد ساخر:

"كورنيل المعلم الصغير الذي يظن نفسه منقذ القرية جئت وحدك؟ شجاع أم غبي."

كورنيل قبض على سلاحه بتوتر:

"أريد الحقيقة كل هذا الدم المرض أنت وراءه."

المعالج تقدم خطوة عيناه تلمعان بغضب:

"أنا لست وراءه أنا من كشفه أنتم من تركتموه ينهشكم في الظلام أردت أن أجد علاجاً لكن العلاج يتطلب تضحية."

كورنيل:

"لقد قتلتهم!"

المعالج لم يرد بالكلمات فجأة اندفع وضربه بظهر يده على صدره القوة كانت وحشية، كافية لإسقاط كورنيل أرضاً يسعل وهو يحاول استجماع أنفاسه.

ضحك المعالج باحتقار:

"انظر إليك بالكاد تقف كيف ستواجه ما في الأعماق؟"

في تلك اللحظة ظهر المبشر وأتباع الكنيسة من الظلال يحيطون بالمكان كجدار حي عصا المبشر ارتفعت في الهواء وصوته كان مثل

الحكم:

"خذه إلى الأسفل إن كان يريد الحقيقة فليتعلمها بالطريقة التي تعلمناها جميعاً." احد اتباع المبشر ضرب كورنيل على راسه من الخلف افقدته وعيه ,المعالج أمسك بكورنيل من ياقة معطفه وسحبه كدمية مكسورة بينما أتباع الكنيسة يتبعونه بصمت.

استفاق كورنيل على برودة قاسية تسري في عظامه كان مستلقياً على أرض حجرية رطبة قطرات ماء تتساقط من السقف في إيقاع ثابت كدقات ساعة قديمة حاول النهوض، لكن جسده كان مثقلاً وكأن الضربة التي تلقاها من المعالج ما زالت تعيش داخله.

عندما فتح عينيه بالكامل أدرك أين هو أعماق كهوف القداما الجدران متشققة مغطاة بطحالب متوهجة بلون أخضر باهت والممرات ضيقة.

ثم سمعهم تراتيل أتباع الكنيسة تتردد في المكان أصواتهم عميقة, زحف ببطء إلى حافة الممر ونظر كان هناك فضاء واسع تحت الأرض مضاء بمشاعل معلقة وفي وسطه مذبح حجري تحيط به أجساد مربوطة بالسلاسل.

المعالج كان هناك، يتحرك بين الأجساد كعالم مجنون يحمل أدوات غريبة تشبه الإبر والأنابيب رأى كورنيل أحد القرويين وهو يصرخ بينما يحقنه المعالج بسائل أسود كثيف دقائق قليلة، ثم تحولت صرخاته إلى هدير غاضب جسده بدأ يتشنج، عظامه تتغير تحت جلده حتى صار شكله شبه بشري شبه وحشي.

المعالج بصوت مهووس:

"انظروا! هذا ليس مرضاً هذا صعود من ينجو من الحقن يصبح أقوى، ومن يفشل يطهر الأرض بموته!"

أتباع الكنيسة يرددون التراتيل بعضهم يضرب الأرض بعصيّهم كأنها طقوس مقدسة كورنيل شعر بالغثيان وهو يرى مشهداً آخر:

جسد آخر، أصغر ربما لطفل يتم حقنه لكن الجسد لم يتحمل وصوت كسر العظام ملأ المكان لم يستطع كورنيل البقاء صامتاً.

"أي جنون هذا؟!"

التفت المعالج :

"آه استيقظت جيد, ستشهد ما لم يشهده أحد قبلك."

ثم أشار إلى أتباعه فجأة أمسك اثنان من الكهنة بكورنيل من ذراعيه وسحبوه إلى المذبح حاول المقاومة لكنه ما زال ضعيفاً.

المعالج اقترب منه ببطء الإبرة في يده تقطر بالسائل الأسود:

"لا تخف لست هنا لتُقتل بل لتصبح شيئاً أعظم." كان قلب كورنيل يخفق بجنون وهو على المذبح الإبرة السوداء فوق رأسه لكن المعالج لم يحقنه فوراً بل جلس على صخرة قريبة وكأنه أراد أن يتحدث.

المعالج بصوت هادئ غريب:

"هل تعرف ما هي كهوف القداما يا كورنيل؟ إنها ليست مجرد تجاويف في الأرض إنها الذاكرة الأولى هنا وُلد المرض الذي تخشونه جميعاً هنا بدأ كل شيء."

كورنيل حاول أن يسيطر على أنفاسه:

"تسميه ولادة لكني رأيت ما فعلته بتلك الجثث هذا ليس ولادة هذا تشويه!"

ضحك المعالج بخفة صوته ارتد صداه في الكهف:

"التشويه كلمة من يخاف التغيير, أخبرني كورنيل كم مرة دفنت طفلاً في قريتك بسبب الحمى؟ كم مرة شاهدت رجلاً يذبل ببطء حتى الموت؟ المرض موجود منذ الأزل وأنا فقط أقدم له شكلاً جديداً شكلاً قد ينجو."

كورنيل بصوت غاضب:

"تسمي هذا نجاة؟! أجساد تتحطم وجوه تتحول إلى وحوش!"

المعالج اقترب منه وجهه صار قريباً حتى كاد يشعر بحرارة أنفاسه:

"الوحشية ليست في أجسادهم بل في عقولكم أنتم من قرر أن كل ما لا يشبهكم يجب أن يُحرق أو يُصلب أنا أعطيهم فرصة ليكونوا شيئاً آخر أقوى أصدق المرض لا يقتل يا كورنيل الخوف هو ما يقتل." لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما تتخللها همسات أتباع الكنيسة.

كورنيل بصوت منخفض:

"أنت لست منقذاً أنت ساحر مجنون يلعب بأرواح الناس."

المعالج توقف لحظة وكأنه شعر بوخز في ضميره ثم ابتسم ابتسامة باردة:

"ربما لكنك لن تفهم حتى ترى بنفسك.".

لم يعد هناك مجال للهروب أمسك الكاهنان ذراعي كورنيل بقوة حتى شعر بعظامه تتألم وغرز المعالج الإبرة في وريده ببطء السائل الأسود دخل دمه مثل لهب بارد وصرخة حادة خرجت من صدره.

فتح عينيه، لكن لم يكن في الكهف بعد الآن كان في مكان غريب يشبه الحلم الذي رآه سابقاً أرض سوداء ممتدة بلا نهاية سماء خالية إلا من قمر أحمر ضخم يطل عليه كعين تراقب, رأى ظلالاً تتحرك من بعيد وجوه بلا ملامح وصوت خافت يهمس باسمه "كورنيـل…"

ثم ظهر مشهد آخر قرية محترقة مرضى يتحولون إلى وحوش وأتباع الكنيسة يذبحون كل من يختلف كان يرى الماضي وربما المستقبل.

استفاق فجأة جسده مبلل بالعرق وذراعه ينبض بالألم لكن دون أي تشوه ظاهر المعالج كان يقف بجانبه يراقبه بعينين لامعتين.

المعالج بابتسامة باردة:

"مثير للاهتمام جسدك تقبّل الحقنة بدون تشوه كنت أتوقع أن تتحطم مثل البقية."

كورنيل بصوت متعب:

"ماذا فعلت بي؟!"

المعالج:

"أطلقت ما كان نائماً داخلك أنت ترى الآن ما لا يستطيع الآخرون رؤيته استخدم ذلك كما تشاء أو دع الخوف يأكلك الأمر سيان بالنسبة لي."

ثم أشار إلى أتباعه أن يحرروه, الكهنة ترددوا لكن أطاعوا الأمر.

"اذهب كورنيل شاهد بعينيك ما نحن بصدده عندما تدرك الحقيقة كاملة عد إليّ."

تركوه في عمق الكهف وحيداً مع نبضات قلبه التي صارت تدق كطبول حرب, خرج من الكهف مترنحاً لكن بعزيمة مختلفة لم يعد مجرد معلم ضعيف أصبح الآن يحمل جزءاً من اللغز داخله.

2025/09/21 · 20 مشاهدة · 1001 كلمة
Mubin Malkawi
نادي الروايات - 2026