الفصل الخامس والثمانون – اللورد سيراف

لم يكن كاسيوس يدري كيف آلت الأمور إلى هذه النقطة. كل ما خطط له هو استخدام معرفته بأحداث اللعبة لإجبار الكاهنة العليا على الانضمام إلى صفه، عبر تقديم عروض لا يمكنها رفضها.

أو هكذا خيّل إليه.

لكنه كان مخطئاً، مخطئاً تماماً. فمثلما باغتته إيزولد تماماً حين حاولت قتله بناءً على خطة وضعتها لسمعته السابقة التي لا تمثل حقيقته الحالية...

ها هو الآن يقع في الشرك ذاته.

فلم يدرك إلا الآن مدى ضآلة ما يعرفه حقاً عن هيلين؛ إذ لم يكن كل ما عرضته اللعبة عنها سوى قشور لا تلامس الواقع.

كان كاسيوس يدرك ذلك إلى حد ما، ويعلم أن البشر في الواقع أكثر تعقيداً وتشابكاً مما تسمح اللعبة بإظهاره، بل إنه جهز نفسه لهذا الاحتمال.

ولكن يبدو أنه حتى مع كل استعداداته...

فكر في نهاية المطاف وهو يتأمل هيلين التي بدا وجهها أكثر إشراقاً لسبب ما وهي تشخص ببصرها نحوه بحِدّية: ’لقد استخففت بمدى تعقيد النفس البشرية.‘

’ها هي امرأة على دراية تامة ومروعة بذاتها، تفهم كل شيء عن نفسها حتى أكثر أفكارها ظلاماً، وتعلم كم هي مقززة وبائسة في هوسها بملذات الجسد. تدرك هذا يقيناً، ومع ذلك تجد نفسها غير راغبة في فعل أي شيء للتغيير.‘

لقد وصلت هيلين إلى مرحلة تقبلت فيها الفساد كجزء من كيانها، جزء من هويتها. لم تكن تبحث عن يد تمتد لإنقاذها، بل جل ما أرادته هو شخص يشهد غرقها في ظلمات نفسها دون أن يحكم عليها بالاشمئزاز.

كان هذا مختلفاً تماماً عن إسميراي، التي كانت على ما هي عليه جراء لعنة أصابتها. وكان مختلفاً أيضاً عن شقيقه، الذي لم يكن يرى في العلاقات سوى وسيلة لنيل ما يريد ، ونادراً ما استمتع بها مع من يحب.

أما هيلين، فقد كانت فئة قائمة بذاتها؛ فئة لم يكن كاسيوس يعلم بوجودها أصلاً، إذ كان من العصي على استيعابه أن يرغب إنسان في تدمير نفسه طواعية ودون أدنى تردد.

اهتز سليل ديزديمونا الأخير، وانفتحت بصيرته على عمق جديد، عمق تمنى لو لم يشهده قط في حياته. لكن الخيار لم يكن بيده، وهكذا، داخل تلك الغرفة الصغيرة المظلمة، بدأ كاسيوس يبصر وجهاً آخر مروعاً من وجوه الطبيعة البشرية.

النوع الذي يجد غايته، ومتعته، ورضاه الخبيث في تدمير ذاته بذاته.

همست هيلين مجدداً: "ملاكي، هل أنت مهتز؟"

اعترف كاسيوس: "أنا كذلك يا هيلين، ولا أدري كيف أتصرف معكِ. يبدو أنكِ ترين فيّ ما ليس فيّ، وتحاولين الاستناد إليّ فقط لتدمري نفسكِ أكثر. وفي واقع الأمر يا هيلين..."

وابتسم بصعوية.

"... أنا لا أريد شخصاً مثلكِ ولا أحتاجه."

ارتجف جسد هيلين.

وتابع ضاغطاً على كلماته: "الآن، اسمعيني جيداً. ليس هذا لأنني أمقتكِ..."

"ملاكي، أعلم أنك لا تمقتني!"

"... بل بكل بساطة لأنني لا أستطيع ائتمان شخص بمثل حالتكِ على شؤوني؛ شؤون غالية عليّ، ويتوقف عليها بقائي وبقاء من أحب بشكل كبيير. لذا عليكِ معذرتي يا هيلين، فلا يمكنني—!"

قالت هيلين بصدق غامر وهي تسحب يديها عن وجهه لتقبض على يده اليمنى بكفيها: "لن تندم على ذلك. لقد أدرتُ شؤوني وصنتُ مظهري بشكل مثالي طوال هذه السنين دون أن يكتشف أحد حقيقتي. أنا أعرف كيف أخفي ذاتي الحقيقية يا ملاكي، وأنت وحدك من يعلمها الآن. أمامك وحدك أشعر أن ذاتي الحقيقية مستعدة للخروج من الظلمات إلى النور... نورك أنت. كاسيوس، صدقني، أنت ملاكي."

"أهذا ما تريدين تصديقه لتخدعي نفسكِ فحسب؟"

أجابت هيلين بعناد: "إذن دعني أخدع نفسي. لكنني أعلم بيقين أنك أُرسلت إليّ لغاية. لقد رأى ربي، فورن، كاهنته المخلصة في هذه الحالة المزرية، فأرسل إليّ من لن يحكم عليّ بازدراء. نعم! هذه هي الحقيقة!"

قالت أنانكي وهي تهز رأسها: [ها قد بدأنا؛ عادة البشر اللعينة في محاولة إيجاد غاية لكل شيء... حتى في تلك اللحظات الخالية من أي معنى. لكنك، أو بالأحرى جنسكم، مجبور على هذا، أليس كذلك؟ تحتاجون دائمًا لإقناع أنفسكم بأن ما تفعلونه، وما تعيشونه، له غاية وهدف؛ غاية قد لا تدركونها الآن، لكنها قائمة. وهذه المعرفة بوجود غاية هي ما يمنحكم القدرة على اجتياز مصاعب الحياة. لأنه في نهاية المطاف...]

’... إذا كان لعذابي أي معنى، فمن المؤكد أنه يستحق العناء، أليس كذلك؟‘

ابتسمت أنانكي: [بالظبط يا كاسيوس. وهذه المرأة تبحث فقط عن معنى، عن شيء تتشبث به بينما تتخلى عن نفسها. وأنت هذا الشيء.]

’أهو أمر جيد أم سيئ يا ملكتي العزيزة؟‘

قالت أنانكي: [هذا يعتمد بالكامل على ما تنوي فعله. هل تريد أن تكون أنت معناها؟ أم تريد أن تكون السبيل الذي تجد من خلاله معناها الخاص؟]

’الخيط الفاصل بين الاثنين رفيع للغاية.‘

[ومع ذلك، فإن الأثر الذي سيتركه كل منهما على هذه المرأة البائسة سيكون مختلفاً تماماً وبعمق.]

’أعترف يا ملكة ، أنا تائه تماماً ولا أعرف كيف أتصرف معها.‘

[لن تضل طريقك أبداً ما دمتُ هنا يا كاسيوس. افعل ما تشاء، واعلم أنني بجانبك.]

استغفر الله

تنهد كاسيوس وهز رأسه ، ليعود بتركيزه إلى هيلين.

وقال: "لقد جئت إلى هنا في البداية لأعقد معكِ صفقة عادلة، لكن يبدو أنكِ لا تريدين شيئاً منها. بل تريدين مني أن أكون ملاك خلاصكِ."

"نعم."

سألها: "وماذا سيترتب عليّ جراء ذلك؟ ما الذي سيتطلبه مني هذا المنصب؟"

أجابت هيلين على الفور: "أن تشهد عليّ فحسب. أن تنظر إليّ دون كراهية أو اشمئزاز مبطن. أن تستمع إلى اعترافاتي في كل مرة أحتاج فيها لذلك. وفي المقابل، سأساعدك في كل خططك، دون قيد أو شرط."

"هيلين، ألا تحتاجين إلى المساعدة؟"

ابتسمت بغرابة: "أنا أحتاجها، لكنني لا أريدها. ومع ذلك، لكي يطمئن قلبك يا ملاكي، سأقسم قسماً لنظام الأم يقضي بموتي فوراً إذا حاولتُ الفعل أو القول أو التصرف بأي طريقة قد تلحق بك أدنى أذى."

صمت كاسيوس لبرهة، وهو ينظر في أعماق عينها، فلم يجد في كل ذلك الظلام المحيط بها سوى عينين صادقتين لا تنطقان إلا بالحق.

فتراجع قائلاً وهو يمرر يده على وجهه بتعب: "حسناً، لقد اخترتِ الشيطان ليكون ملاك خلاصكِ. لا أدري ما الذي يدور في خلدكِ، ولكن لا رجعة بعد الآن."

وضيق عينيه: "أقسمي القسم."

ابتسمت هيلين، وفي تلك اللحظة شهد كاسيوس جزءاً صغيراً من ظلامها وهو يتلاشى: "أمرك يا ملاكي."

"من الأفضل أن تكفي عن مناداتي بهذا الاسم. لا أريد لزوجتي العزيزة أن تهشم عظامي."

ارتبكت هيلين على الفور، واهتزت عيناها قائلة: "ولكن! ولكنك ملاكي!"

"قلت لكِ ناديني بشيء آخر."

أصابها الذعر، وزاغت عيناها في أرجاء الغرفة بجنون بينما تسارعت أنفاسها وضاقت: "ولكن... ولكن...!"

تنهد كاسيوس وصداع خفيف يلوح في رأسه: "غيري الكلمة اللعينة فحسب، فالمعنى المراد في نفسكِ لن يتغير."

أشرق وجهها، وفجأة اندفعت قائلة دون تفكير: "اللورد سيراف!"

"ملاكي المقدر!"

وعند تلك الكلمة، وقبل أن يجد كاسيوس حتى الوقت ليبدي ردة فعل تجاه هذا اللقب الغريب...

رنين!

[إنجاز جديد! لقب جديد!]

وفي هذه الأثناء، وبينما كان كاسيوس يمر بحدث غير متوقع بالمرة، كانت أوشيان وسارة تستمتعان بوقتهما في العاصمة باستخدام بطاقته البنكية دون أي قيود.

لقد ذهبتا إلى أكبر مجمع تجاري في فورن، واستبدلتا ملابس الخادمات بأزياء كاجوال أنيقة، لتبرزا جمالهما الفريد للعالم من حولهما.

كانت سارة خجولة بطبيعتها في البداية، بل إنها كانت تخشى أن يكون كل هذا مجرد وهم ومكيدة حيكت للإيقاع بها. ومع ذلك، قلة من الناس يمكنهم مقاومة إغواء شراء كل ما يرغبون فيه دون خوف من إنفاق الكثير.

وبالنظر إلى طبيعة الحياة القاسية التي عاشتها سارة، فقد كان هذا اليوم فرصة ذهبية لنسيان كل شيء والاستمتاع وحسب.

وقد استمتعت بالفعل.

تسوّقتا في متجر "هالو"، وهو أحد أغلى المتاجر وأكثرها شهرة، واشترتا الملابس والإكسسوارات.

ثم انتقلتا بعد ذلك إلى المتاجر الأخرى، تتأملان وتشتريان كل ما يثير اهتمامهما، دون أن تشغلا بالهما بما إذا كان المال سيكفي أم لا.

فقد كان لديهما إيمان مطلق وثقة عمياء بثروة كاسيوس.

بعد ذلك ذهبتا لتناول الطعام، ولعبتا في صالات الألعاب الإلكترونية حيث وجدت سارة نفسها تطور سريعاً شغفاً كبيراً بتلك الأجهزة التي تعمل بالطاقة الرونية.

ولم تكن تريد المغادرة حتى، لكن أوشيان أقنعتها في النهاية بالذهاب لرؤية أشياء أخرى.

واستمرتا على هذا المنوال حتى نال منهما التعب، وظنتا أن كاسيوس لابد وأنه أنهى مهمته.

وقبل العودة، جلست الخادمتان على مقعد حديدي داخل منتزه واسع، تتأملان الأطفال وهم يلعبون وآباءهم يراقبونهم.

كانت الشمس تغرب ببطء، صابغة السماء بمظهر يشبه بحراً من اللهب يشتعل في هدوء، بينما كانت نسمة باردة عليلة تداعب شعرهما وثيابهما، ليصبح المشهد بأسره لوحة فنية ساحرة... وتصبحان هما أيضاً جزءاً من هذا السحر.

رفعت سارة رأسها نحو السماء، متأملة المشهد بحِدّة لعدة دقائق قبل أن تفتح شفتيها، وينطلق صوتها محملاً بمشاعر مبهمة.

وقالت، مستحثة أوشيان على الالتفات نحوها: "هل يمكنكِ إخباري الآن؟"

فردت عليها أوشيان مكررة الكلمة: "أخبركِ بماذا؟"

أنزلت سارة رأسها لتحدق فيها، وملامح وجهها مشدودة: "بماذا أيضاً؟ ما الذي تريدينه أنتِ، أو بالأحرى السيد ديزديمونا، مني؟"

— نهاية الفصل 85 —

2026/06/10 · 71 مشاهدة · 1340 كلمة
mo7amed sa3d
نادي الروايات - 2026