مرت عدّة أيام على تلك الليلة الدافئة، وعادت عجلة الدراسة للدوران. وفي إحدى الحصص، كان الأستاذ "غلبرت" يقف أمام السبورة يشرح بجدية بالغة مأساة "إمبراطورية الإيمان" التاريخية. في المقابل، كان "لي" يصارع الملل، فحاول مراراً فتح أحاديث جانية مع "مالينيا"، إلا أنها صدته بصرامة وواصلت تركيزها مع المعلم، مما أجبره على الصمت والشرود.
بعد أن أنهى الأستاذ الشرح، التفت نحو الفصل وقال بنبرة جهورية: "والآن حان وقت الأسئلة لتقييم استيعابكم! انهض يا جورج.. ما اسم مدرب الفارس (زين)؟"
نهض جورج بكبرياء وأجاب بثقة: "إنه أعظم سياف في التاريخ يا أستاذ، ويدعى (نواشي)."
هز الأستاذ رأسه برضا: "أحسنت، اجلس. سؤال آخر..." ثم جال ببصره بين الطلاب واختار فتاة تُدعى مرين: "مرين، في أي سنة حدثت هذه الوقائع التاريخية؟"
أجابت الفتاة بهدوء: "في سنة 325 سحرية."
قال الأستاذ: "أحسنتِ."
ثم وقع اختياره على مالينيا: "حان دوركِ يا مالينيا."
نهضت مالينيا بثبات مستعدة، فسألها: "ما اسم الشخص الخبيث الذي كان يخدع زين طوال مسيرته؟"
أجابت دون تردد: "إنه البابا (موردان)."
عقب الأستاذ: "إجابة ممتازة، اجلسي."
فجأة، التفت الأستاذ نحو لي الذي كان يبدو شارد الذهن تماماً وصاح: "انهض يا لي وأجبني! ما اسم ابنة نواشي التي كان زين غارقاً في حبها؟"
نهض لي متلعثماً ومتوتراً، وأخذ يفرك مؤخرة رأسه محاولاً تذكر أي اسم، لكن دون جدوى. وفي تلك اللحظة الحرجة، انحنت مالينيا نحوه قليلاً وهمست بخفوت: "اسمها روزان."
التقط لي الاسم بسرعة وهتف: "اسمها روزان يا أستاذ!"
نظر الأستاذ إليه بنظرات حادة تخترق الغش، وقال ببرود: "الإجابة صحيحة.. لكنكما ستعاقبان على هذا التلقين، أنت ومالينيا!"
توسعت عيون لي ومالينيا بصدمة، وتابع الأستاذ صارخاً: "هيا أمامي! اخرجا إلى ساحة المدرسة وقوما بتنظيفها بالكامل فوراً!"
خرج الاثنان إلى الساحة وهما يحملان المكنسة والدلاء، وعلامات الانزعاج تكسو وجهيهما.
تذمرت مالينيا وهي تكنس التراب بغيظ: "لماذا أعاقب أنا؟! لقد ساعدتك وأجبت بشكل صحيح! حقاً، عليّ ألا أمد لكِ يد العون مجدداً.. أنا غاضبة جداً، وربما سأطلب من جدي الملك إعدام هذا المدرس الفظ!"
انصدم لي وتوقف عن العمل: "ماذا؟! هل يستطيع جدكِ فعل ذلك حقاً لمجرد عقاب مدرسي؟"
ضحكت مالينيا بخفة وقالت: "أنا أمزح معك بالطبع، لكن نعم.. لو أراد، فهو يملك السلطة المطلقة لفعل ذلك."
عقب لي بوجل: "هذا أمر متوقع من ملك في النهاية، يستطيع فعل ما يشاء.. انه الشخص الذي يسحق رؤوس الأعداء بمطرقته كما قال أبي، يجدر بنا أن نخاف منه."
دافعت مالينيا برقة: "أنت لا تعرف جدي، إنه حنون ورائع جداً معي. لقد حاولت البقاء معه في القصر بعد وفاة والدي، لكنه قرر إرسالي إلى هنا لحمايتي. ليتك تقابله يا لي."
ابتسم لي: "هذا رائع، ربما لو تعرف جدي كورفت على جدكِ لصاروا أصدقاء مقربين! لكن أخبريني، كيف يبدو شكله؟"
فكرت مالينيا ورسمت بيديها في الهواء: "إنه ليس طويلاً جداً، ربما بطول والدك أو أقصر قليلاً، لكنه يمتلكً بنية قوية للغاية، ويداه خشنتان من المعارك، وشعره أسود يخالطه الشيب، وله لحية كثيفة وهيبة مهيبة."
أطلق لي صفيراً متعجباً: "لم أتوقع هذا! كنت أظن أن الملوك المحاربين يكونون كوحوش خضراء ذات طول فارع، تخرج الأنياب من أفواههم ويرتدون تيجاناً من الأشواك!"
ضربته مالينيا على كتفه ضاحكة: "خيالك واسع ومضحك جداً يا لي!"
بعد أن أنهيا التنظيف وعادا إلى المبنى، لاحظا تجمعاً كبيراً من الطلاب حول جلبة في الممر. ركضا مسرعين ليتفاجآ بـ "جورج" و"ضحى" يتبادلان الصراخ والشتائم بغضب. تدخل لي في الشجار، فدفع جورج للخلف عازلاً إياه عن ضحى وصاح: "ماذا يحدث هنا؟! ولماذا هذا الشجار البغيض؟"
نفض جورج الغبار عن سترته الفاخرة بنظرة استعلاء، ثم استدار مغادراً الممر وتبعته حاشيته من الطلاب. جلست ضحى على إحدى الطاولات القريبة وعلامات الإحباط والضيق تسيطر عليها، واجتمع حولها بقية زملائها.
سألها لي بقلق: "ضحى، ما الذي حدث بينكما؟"
قالت ضحى بصوت مخنوق من الغيظ: "لقد تم اختياري اليوم للمشاركة في المسرحية الكبرى التي ستنظمها المدرسة بحضور العمدة وأهالي القرى و غيرهم من مختلف القرى.. وحصلت على الدور الرئيسي، دور الأميرة روزان."
رد لي ببراءة: "وما المشكلة في ذلك؟ هل كان جورج يطمع في هذا الدور مثلاً؟"
فجأة، هوت كف مالينيا على رأس لي، وقالت بنفاد صبر: "روزان فتاة يا لي! كيف يلعب دورها؟!"
فرك لي رأسه متأوهاً: "آسف! لم أكن مركزاً مع الأستاذ غلبرت كما تعلمين.. أكملي يا ضحى."
تابعت ضحى وهي تضغط على كفها المتوترة: "المشكلة أنهم اختاروا جورج ليلعب دور الفارس زين.. وأنت تعلم كم يكره أحدنا الآخر! فور معرفته بالخبر، جاء إليّ وقلل من شأني ومن قدراتي في التمثيل أمام الجميع، ولم أتحمل إهانته فاشتبكت معه."
تدخل الفتى "ديمون" قائلاً: "لي، أنت أيضاً لديك دور مشترك مع شقيقك ليو في هذه المسرحية."
تفاجأ لي: "حقاً؟ ما هو؟"
أوضح ديمون: "ستلعبان دور البابا موردان. ليو سيأخذ الدور أولاً بصفته البابا العجوز، وعندما يستخدم سحره السري ليعود شاباً، ستدخل أنت لتكمل الدور."
تعجب لي: "وهل هناك سحر حقيقي في عالمنا يعيد الشباب؟"
رد ديمون هازاً كتفيه: "لا أحد يعلم.. كلها قصص تاريخية تحتمل الحقائق والزيف. لكن السؤال الآن: ماذا ستفعلين يا ضحى؟"
قالت ضحى بيأس: "سأنسحب.. سأتنازل عن الدور لأي فتاة أخرى."
صاحت مرين: "لكن التمثيل هو حلمكِ الأكبر، وهذه فرصتكِ الذهبية ليراكِ العمدة ويتبنى موهبتكِ!"
بكت ضحى: "لن أستطيع التمثيل والوقوف أمام هذا الأحمق، لن أفعل!"
شد لي على قبضته وقال بعزم: "دعي الأمر لي.. سأعرف كيف أتعامل معه."
توجه لي ومالينيا وبعض الطلاب نحو زاوية الساحة حيث كان جورج يجلس مع أصدقائه. وقف لي أمامه مباشرة ونظراته تقدح شرراً، بينما نظر إليه جورج باحتقار بارد وسخر: "ماذا تريد يا هذا؟"
قال لي بغضب: "ستتنازل عن دور زين فوراً يا جورج! لن نسمح لك بتدمير حلم ضحى بسبب عقدك النفسية، هل فهمت؟"
ضحك جورج باستعلاء مقزز، ونهض ليواجهه قريباً: "ومن سيلعب الدور بدلي إذن؟ أنت؟ هل تريد تقمص دور البطل الشجاع لتقع ضحى في حبك؟ ألا يكفيك أنك تمتلك فتاة مرافقة لك الآن (مشيراً لمالينيا)، أم أنك تطمح لتكون زير نساء؟"
تسببت الكلمات في إحراج شديد للي ومالينيا اللذين احمرت وجوههما، لكن الغضب الأعمى غلب على لي، فلم يتمالك نفسه ووجه لكمة قوية ومباشرة إلى وجه جورج! انقض جورج عليه واندلعت مشاجرة عنيفة بينهما وتبادلا الضربات، وسط محاولات الطلاب لفض النزاع، حتى اقتحم الأستاذ غلبرت المكان مباغتاً وفصل بينهما بالقوة: "ما هذا الجنون المستمر؟! ما الذي يحدث هنا؟!"
صاح جورج بخبث وهو يمسح فمه: "لقد تهجم عليّ فجأة وأنا واقف في مكاني يا أستاذ!"
صرخ لي: "إنه يكذب! هو من بدأ بالإهانة ويحاول إفشال ضحى!"
ورغم أن معظم الطلاب شهدوا بالحق مع لي، إلا أن حاشية جورج دافعوا عن زعيمهم بقوة. ونظراً لأن لي هو من بدأ بالضرب المادي أولاً، اعتبره الأستاذ المخطئ الأساسي واقتادهما معاً إلى مكتب المدير.
هناك، أجبرهما المدير الصارم على توقيع تعهد بعدم التعدي، وفرض عليهما التصالح ومصافحة بعضهما البعض. تصافحا والشرر يتطاير من أعينهما بالحقد، لينتهي اليوم الدراسي المشحون
في طريق العودة إلى المنزل، سار لي، ليو، رين، ومالينيا معاً.
قال ليو بابتسامة متسلية: "سمعت أن الأستاذ عاقبك بطردك وتنظيف الساحة يا لي؟"
رد لي بحنق: "هذا صحيح.. وقد طرد مالينيا معي أيضاً."
رمقته مالينيا بنظرة قاتلة: "كل ذلك بسبب غبائك وعدم تركيزك! وحين سألك ولم تعرف، ساعدتك بدافع طيبة قلبي فكان جزائي الطرد معك!"
عقب ليو بجدية: "لي، عليك أن تدرس بجد وتفهم التاريخ، هذا من أجل مستقبلك."
رد لي باستهزاء: "وكيف سيفيدني هذا في المستقبل؟ إذا هاجمنا جندي من مملكة الرياح وحاول طعني، هل سأقول له: (انتظر! هل تعلم أن زين تزوج في النهاية من موردان؟)"
ضحكت رين: "موردان هو العدو يا لي! زوجته هي روزان!"
ضرب لي كفيه ببعضهما: "من يهتم! لو قلت ذلك للجندي، فهناك خياران لا ثالث لهما: إما أن يموت من شدة الضحك على غبائي، أو يطعنني فوراً وينتهي الأمر!"
ابتسم ليو وهز رأسه: "من أين لك كل هذا العناد؟ هل استعرته من مالينيا؟"
صاحت مالينيا: "ليس لي أي علاقة بعناده البري!"
عند وصولهم للمنزل، بدأ لي وليو التدرب على دوريهما في الغرفة، وكانت مالينيا تمسك الأوراق لتراجع لهما النص والخطوات.
سأل لي وهو يحاول تذكر الشخصيات: "صحيح، من سيلعب دور السياف نواشي؟"
أجاب ليو: "ديمون، فهو الأكثر مهارة ورشاقة في استخدام السيف بيننا جميعاً."
تنهد لي بقلق: "لكن المسرحية بأكملها في خطر حقيقي."
استغرب ليو: "لماذا؟"
أوضح لي: "البطل هو جورج، والأميرة هي ضحى، والعلاقة بينهما تحت الصفر. وجورج ينوي إحراجها وإظهارها بمظهر سيئ أمام العمدة والجمهور."
فكر ليو قليلاً ثم قال: "حلم ضحى أن تصبح ممثلة، ولن نسمح لجورج بتدمير ذلك. سنجد حلاً بالتأكيد."
في اليوم التالي بالمدرسة، التقى لي بضحى وسألها عن المستجدات، فقالت بأسى: "لا شيء جديد.. ما زال جورج مصراً على موقفه البارد ويهدد بإفساد العرض."
قال لي مشجعاً: "حسناً، علينا تقبل الأمر الآن والتركيز على أدوارنا. سنعمل بجد ونخرج أفضل نسخة ممكنة، حتى وإن حاول ذلك المغرور إفسادها." وفي تلك الأثناء، دخل جورج الفصل بملامح منزعجة وجلس على كرسيه دون تواصل مع أحد.
أثناء الاستراحة، اقتربت مالينيا من ضحى واقترحت عليها فكرة: "ضحى، ما رأيك أن تتحدثي مع جورج على انفراد بعد انتهاء الدوام؟ اشرحي له بهدوء كم يعني لكِ هذا الدور، ربما يملك ذرة من الإنسانية ويتراجع عن أفكاره الخبيثة."
وافقت ضحى بتوجس: "حسناً.. سأحاول."
مع رنين جرس الانصراف، وبينما كان جورج يهم بمغادرة مبنى المدرسة، اعترضت ضحى طريقه فجأة. تفاجأ جورج، لكنه سرعان ما استعاد نظرة الاستحقار وقال ببرود: "ماذا تريدين؟ ابتعدي عن طريقي."
قالت ضحى بصوت حازم وعينين ثابتتين: "أريد التحدث معك يا جورج. هذه المسرحية تعني لي الكثير، إنها بدايتي وحلمي في مجال التمثيل. كل ما أطلبه منك هو ألا تتعمد إفساد العرض لتبدو المسرحية سيئة.. هذا كل شيء."
ابتسم جورج ابتسامة خبيثة ومستفزة: "بل سأجعل الأداء كارثياً، وأعدكِ أن الجمهور سيرميكِ بالطماطم الفاسدة عند نهاية العرض!" ثم التف ليغادر.
صاحت ضحى بغصة: "توقف!"
وتوقف جورج بالفعل مدفوعاً بنبرتها. التفت إليها ليجد عينيها قد اغرورقتا بالدموع، وقالت بنحيب: "لماذا تفعل هذا بي؟ لماذا أنت سيئ وقاسٍ إلى هذه الدرجة؟! كل ما رغبته هو أن تكون شخصاً طبيعياً وجيداً.. لماذا تكرهني هكذا؟"
رد جورج بجمود: "أنا أستمتع بفعل هذه الأشياء، فضلاً عن أنكِ مثيرة للاشمئزاز بنظري."
نزلت دموع ضحى وقالت بقهر: "أنت لا تعلم ما أشعر به نحوك.. في البداية، كنت أراك دائماً الفتى الناجح، الذكي، والطموح في المدرسة، ولطالما تمنيت من كل قلبي أن أكون مثلك وأصل لمستواك العالي."
صعق جورج قليلاً وحاول التماسك: "ولكنكِ تمتلكين لي كصديق مقرب!"
ردت ضحى وهي تمسح دموعها: "لي مجرد صديق وفي.. لكن أنت مختلف تماماً بنظري يا جورج. أرجوك.. فقط هذه المرة، دعنا ننجح."
وقف جورج صامتاً لثوانٍ، وبدت الحيرة على وجهه لأول مرة، ثم استدار ورحل دون أن ينطق بكلمة واحدة.
أطل يوم المسرحية المنشود و كان الليل قد حل من أجل هذه المسرحية، وامتلأت ساحة المدرسة الكبرى بالحشود؛ حضر أغلب أهالي القرية، وجاء زوار من المدينة والقرى المجاورة، وتزين المسرح بخلفيات متقنة للمباني والديكورات العتيقة، وارتدى الممثلون أزياءهم الرسمية.
خلف الكواليس، كان جورج يرتدي درع الفارس زين، ونظر نحو ضحى التي كانت تبدو كأميرة حقيقية بفستانها الراقي، وظهر التوتر جلياً عليها. وفجأة، اقترب ليو من جورج وهمس في أذنه بنبرة هادئة وتهديد مبطن: "جورج.. إذا كنت لا تريد أن تتحول اليوم إلى لحم مدخن بسحري، أنصحك بشدة أن تمثل بأفضل ما لديك.. حسناً؟" ثم تركه متوجهاً لارتداء عباءة البابا موردان العجوز.
في صفوف الجمهور، جلس زيد وفرح، وبجانبهما مالينيا، وعائلة رين (والدها كيفين وأمها الينور)، ورين نفسها،
قال زيد بابتسامة: "أنا متشوق جداً لرؤية العرض! لكن أخبريني يا رين، لماذا يلعب لي وليو نفس الشخصية؟"
أوضحت رين بهمس: "لأن البابا موردان في القصة يمتلك (سحر العمر) الذي يتيح له العودة لسن الشباب. ليو سيبدأ الدور كعجوز لأن لون شعره الأبيض الطبيعي يناسب الشخصية تماماً، وعندما يتحول لشاب، سيدخل لي مستغلاً الشبه الأخوي بينهما ولون شعره البني، ورغم أن البابا التاريخي كان شعره أسود وطويل، إلا أن تقارب ملامحهما سيقنع الجمهور بأنهما نفس الشخص تماماً بعد التحول السحري."
ارتفعت الستارة الكبرى لتعلن بدء العرض.
ظهر البابا موردان العجوز (يجسده ليو بكاريزما طاغية)، وأمامه يركع الفارس زين (يجسده جورج).
قال موردان بنبرة مسرحية عميقة وعيون ثاقبة: "لقد خذلك مدربك نواشي يا زين.. يجب عليك الانتقام منه وتثبت للعالم بأكمله أنك الأفضل، وأقوى منه بكثير!"
تعالت همسات الإعجاب من الجمهور بأداء ليو المتقن.
رد زين بأسى وتردد: "ولكن يا سيدي.. نواشي هو من علمني أصول القتال وجعلني فارساً قادراً."
قاطعه موردان بحدة: "ثم تخلى عنك في نهاية المطاف! هذا ليس عذراً مقبولاً يا زين.. اذهب الآن واخدم ملك الإمبراطورية، وسترى كيف ستزيد ثقة شعبك بك!"
نهض زين وانطلق بقوة، ليسدل الستار وسط تصفيق حار.
تغيرت الخلفية لتصبح على شكل غابة كثيفة الأشجار، ورفعت الستارة مجدداً ليظهر زين، وخصمه المدرب نواشي (يجسده ديمون)، برفقة الأميرة روزان (ضحى).
صاح زين محتداً: "لقد أتيت لأفرض نفسي بقوة السيف! أنا أفضل منك يا نواشي!"
رد نواشي بهدوء وثبات مستلاً سيفه : "بسبب هذا الغرور الأعمى لم أخترك خليفة لي يا زين.. كبرياؤك واتباعك الأعمى للبابا موردان قد دمرا نقاء قلبك."
هنا جاء دور ضحى للكلام، لكن من شدة التوتر والرهبة أمام الحشود الكثيفة، تجمدت تماماً ونسيت نصها، وحل صمت محرج في أرجاء المسرح. انتبه ديمون (نواشي) للأمر، فتقدم خطوة وبحركة خفيفة وذكية، ضرب كتفها بجفن سيفه الخشبي لينبهها دون أن يلاحظ الجمهور.
استعادت ضحى وعيها، وأخذت نفساً عميقاً، ثم نظرت في عيني جورج وقالت بنبرة مؤثرة وواثقة: "لماذا تفعل هذا يا زين؟! لقد سمحت للظلام البغيض أن يحكم قلبك الطيب.. أنت فارس شجاع، أنت فارس درع القمر الحقيقي! توقف عن هذا الجنون!"
رد زين بلهفة: "نستطيع العيش معاً يا روزان.. فقط اتركي والدكِ وتعالي معي!"
أجابت روزان بحزن وعينين دامعتين: "أنا آسفة يا زين.. أنت تأخذني إلى طريق مظلم لا يمكنني السير فيه أبداً.. أنا آسفة!"
احتد القتال؛ صرخ جورج بقوة وسحب سيفه واندفع نحو نواشي. هنا بدأ استعراض مبهر لمهارات السيف بين ديمون وجورج، وكان التشابك وحركة السيوف تبدو حقيقية وخطيرة لدرجة أن الجمهور بأكمله وقف على قدميه متفاعلاً مع النزال الفني.
وفي ذروة المعركة، حاول زين توجيه طعنة قاتلة لنواشي، لكن روزان اندفعت مضحية بنفسها لتتلقى الطعنة بدلاً عن والدها بالخطأ! سقطت روزان على الأرض، وجاء المشهد الأكثر صعوبة وتعقيداً لجورج وضحى.
ارتمى جورج أرضاً ممسكاً بضحى، وظهر الانزعاج والارتباك بوضوح على ملامحهما نتيجة القرب الشديد، لكنهما تحملا الضغط لإكمال المشهد.
قال زين بنبرة باكية: "أنا آسف يا روزان.. لم أكن أقصد إيذاءكِ قط!"
همست روزان بتعب تمثيلي: "أنا أعلم يا زين.. لكن البابا موردان هو من حرك هذه الفتنة، عدني.. عدني بأنك ستتركه."
أجاب جورج بعاطفة حقيقية فاجأت الجميع: "أعدكِ.. أعدكِ بذلك!"
وفقاً للنص الأصلي، كان من المفترض في هذه اللحظة العاطفية أن يقبل زين جبين روزان كعلامة على العهد، وحاول الاثنان التقارب لإتمام اللقطة، إلا أن الارتباك الشديد والخجل جعلهما يفشلان؛ وابتعد جورج فجأة عن ضحى بملامح حمراء، مما أحدث قطعاً مفاجئاً وصدمة خفيفة للجمهور، ونزل الستار مسرعاً لتغيير الخلفية إلى مقر عسكري.
خلف الكواليس، ركض الأستاذ غلبرت نحوهما وهو يستشيط غضباً وصاح بصوت منخفض: "ما الذي فعلتماه؟! كان من المفترض إتمام المشهد العاطفي وتقبيل الجبين لإشعال حماس الحضور!"
رد جورج بغيظ: "مستحيل أن أفعل ذلك! لقد أجبرت نفسي على التمثيل معها، لكنني لن أجبر نفسي على هذا!"
قال الأستاذ بصرامة: "هذا لن يمر مرور الكرام!" وبحركة سريعة، دفعهما داخل غرفة تبديل الملابس الصغيرة وأقفل الباب عليهما بالمفتاح قائلاً: "لن تخرجا حتى تحلا هذا الارتباك!"
انصدم جورج وضحى وجلسا متقابلين في الغرفة الضيقة، وعم الصمت المحرج والوجوه محمرة.
تنحنح جورج وقال بتلعثم: "ربما.. ربما يجدر بنا إلغاء هذا المشهد وتجاوزه في الفصل الأخير."
نظرت ضحى إليه وقالت بشجاعة ممزوجة بالخجل: "لكنني.. أنا أريد إتمام المشهد."
اتسعت عينا جورج: "ماذا؟! ولماذا تصرين على ذلك؟"
أخذت ضحى نفساً وقالت بنبرة خافتة: "جورج.. قد يبدو هذا غريباً أو غير متوقع بالنظر لمشاكلنا.. لكنني معجبة بك وبشخصيتك الطموحة منذ وقت طويل جداً."
تجمد جورج من الصدمة: "حتى مع كل المعاملة السيئة والتعالي الذي أظهره تجاهكِ؟"
أومأت ضحى: "أنا أعلم أنك تمتلك قلباً جيداً في الداخل وتحاول إخفاءه خلف قناع الغرور.. كنت أحاول إخفاء مشاعري دائماً، لكن الآن لن أستطيع الاستمرار في الكذب." ثم مدت يدها وقبضت على كف جورج برفق: "أرجوك يا جورج.. دعنا ننجح في هذا العرض معاً."
نظر جورج ليدها، ثم لعينينها، وظهرت ابتسامة هادئة وحقيقية على وجهه لأول مرة: "حسناً.. كما تريدين."
في هذه الأثناء، فتح الأستاذ الباب بالمفتاح وقال بعجلة: "هيا، حان وقت الفصل الأخير!"
ارتفعت الستارة على المقر العسكري؛ وقف البابا موردان العجوز (ليو)، ودخل عليه زين (جورج) شاهراً سيفه.
صرخ زين: "لقد خدعتني طوال حياتي يا موردان! وانتهى عهد كذبك!"
صاح موردان: "لم أعد أهتم بأمرك.. أهجوم!"
اندفع بعض الطلاب بملابس الجنود لمهاجمة زين، لكنه أطاح بهم ببراعة تمثيلية رائعة. التفت زين نحو البابا، فقال ليو (موردان العجوز) بنبرة مرعبة: "الوقت لم ينتهِ بعد.. سأستعيد مجدي الآن!"
وفجأه، قام الأستاذ غلبرت من خلف الكواليس بإطلاق سحر الدخان الخاص به، ليمتلئ المسرح بالدخان الأبيض الكثيف الذي حجب الرؤية تماماً لثوانٍ. وخلال هذه الفرصة، انسحب ليو بسرعة خاطفة ودخل "لي" مكانه مرتادياً نفس العباءة .
قشع السحر واختفى الدخان، ليظهر لي في منتصف المسرح مجسداً شخصية البابا موردان الشاب القوي! انبهر الجمهور بالخدعة البصرية والتغيير المفاجئ للممثلين وصفقوا بحرارة.
هتف لي بنبرة قوية: "هذه هي نهايتك المحتومة يا زين!"
في تلك اللحظة، اقتحم نواشي (ديمون) المسرح مسنداً روزان المصابة (ضحى)، واندلعت المعركة الكبرى والأخيرة؛ قتال ثلاثي حماسي ورهيب بين لي من جهة، وجورج وديمون من جهة أخرى. وبفضل التنسيق، نجح زين في توجيه الضربة القاضية والسقوط بموردان الشاب أرضاً معلناً هزيمة الظلام.
التفت زين مسرعاً ونزل على ركبتيه أمام روزان المصابة، وتلاقت أعينهما بنظرات دافئة خالية من أي زيف هذه المرة.
قال زين بصوت جهوري وعاطفي أثر في كل الحاضرين: "روزان.. أنا آسف على كل ما اقترفته يداي في الماضي.. هل تقبلين الزواج بي ونبدأ عهداً جديداً؟"
ابتسمت ضحى من قلبها وأجابت: "بالطبع أقبل يا زين!"
انحنى جورج وحضن ضحى برقة شديدة أمام الجميع، وبكل سهولة وثقة هذه المرة، طبع قبلة رقيقة على جبينها إتماماً للعهد والمشهد.
انزلقت الستارة المخملية معلنة نهاية الملحمة التاريخية. وفي نفس اللحظة، انتفض الجمهور بالكامل واقفين على أقدامهم، وانفجرت الساحة بالتصفيق الحار والهتافات العالية التي هزت المكان. ونظر الجميع نحو العمدة الذي كان يجلس في الصف الأمامي، ليجدوه متأثراً بالقصة لدرجة أن الدموع كانت تنهمر على خديه ومسحها بمنديله.
صعد طاقم العمل بالكامل (لي، ليو، ديمون، جورج، وضحى) وانحنوا لتحية الجمهور الفخور بموهبتهم.
بعد انتهاء الحفل، توجه العمدة إليهم شخصياً خلف الكواليس، وأثنى بحرارة على أدائهم المذهل وقدم لهم بعض الهدايا القيمة والمكافآت التشجيعية. لكن المكافأة الأكبر والأعظم في ذلك اليوم كانت من نصيب جورج وضحى؛ حيث ذاب جبل الجليد والكره بينهما بالكامل، وحلت محله علاقة تفاهم ومودة جديدة واعدة، خالية من التعالي والغرور.
عاد الأصدقاء
إلى منازلهم تحت جنح الليل، والابتسامات تعلو وجوههم، فخورين بما حققوه، مستعدين للأيام القادمة التي تخبئ لهم المزيد من المفاجآت والروابط الممتدة.