مر عام كامل على مسرحية المدرسة الشهيرة. عامٌ حمل في طياته نهاية حرب الطريق الذهبي بين مملكة الرياح ومملكة فرسيفس، ليعم السلام أخيراً وتُطوى صفحة النزاع. ومع استقرار الأوضاع، أرسل الملك "كين غرينفيل" طلباً ملكياً عاجلاً لاستدعاء حفيدته "مالينيا" للعودة إلى عاصمتها ومكانها الطبيعي في القصر الملكي.
وفي صباح يوم الرحيل البارد، وقفت عربة ملكية فاخرة أمام المنزل الصغير. كان مشهد الوداع عاطفياً يعتصر القلوب؛ اقتربت مالينيا من "رين" وعانقتها بحرارة والدموع تترقرق في عينيها: "لقد كنتِ لي كالأخت الحقيقية يا رين.. سأشتاق إليكِ، وأشكركِ على كل لحظة."
ثم التفتت إلى "ليو"، وصافحته بوقار وابتسامة دافئة: "دائماً ما كنت بمثابة أخي الأكبر يا ليو.. أشكرك حقاً على حمايتك ونصائحك."
أخيراً، خطت خطوات بطيئة نحو "لي" الذي كان يقف مطأطأ الرأس، وعلامات الحزن والكآبة تكسو ملامحه. قالت مالينيا بصوت خفيض: "سأشتاق إليك كثيراً يا لي."
رد لي بنبرة حزينة: "وأنا أيضاً..." ومد يده ليصافحها ، لكن مالينيا فاجأته تماماً؛ إذ اندفعت نحوه وطوقت عنقه بعناق دافئ وقوي. تيبّس جسد لي في مكانه وتوترت أنفاسه من الصدمة والخجل، قبل أن تبتعد عنه بحمرة خفيفة تزين وجنتيها.
توجهت مالينيا نحو زيد وفرح قائلة: "لقد كنتم لي عائلة حقيقية احتضنتني في أسوأ ظروفي.. شكراً لكم." ثم ركبت العربة بقلب مثقل. ومع تحرك الخيول، أخرجت رأسها من النافذة تلوح بوشاحها لهم، بينما وقف لي، ليو، ورين يلوحون لها وعيونهم تتبع العربة حتى اختفت خلف التلال البعيدة.
شعر الأصدقاء الثلاثة بفراغ قاتل، فتوجهوا تلقائياً نحو شجرتهم القديمة المفضلة وجلسوا تحت ظلالها صامتين.
كسر لي الصمت بضيق: "لقد أصبح المكان كئيباً ومملاً جداً بعد رحيل مالينيا."
أومأ ليو برأسه موافقاً: "معك حق.. غيابها يترك فراغاً كبيراً."
بعد مرور عدة أيام، دخل زيد وفرح المنزل بابتسامة عريضة، وقالا: "جهزوا أمتعتكم يا أولاد، سنذهب جميعاً إلى العاصمة الملكية! هناك احتفالات ضخمة ستقام بمناسبة توقيع معاهدة السلام، والملك يريد تكريمنا شخصياً على دورنا في الحرب وحماية الأميرة."
هتف ليو بحماس: "رائع! دعنا نذهب!"
لكن لي فاجأ الجميع برفضه القاطع وهو ينظر إلى الأرض: "لن أذهب معكم.. سأذهب إلى بيت جدي كورفت."
تعجب زيد: "ولكن لماذا يا بني؟ ستفوتك الكثير من المتعة والاحتفالات، ألا تريد رؤية مالينيا مجدداً؟"
احمرّ وجه لي خجلاً وتمتم بصوت خافت: "بلى.. أريد ذلك، لكنني أشعر أن الوقت غير مناسب أبداً. لا أعلم كيف أصف مشاعري، لكنني لست مستعداً للذهاب إلى العاصمة الآن."
نظر زيد إلى ابنه ب تفهم حانٍ، وربت على كتفه: "حسناً يا لي.. إذا كنت ترى أن الذهاب إلى جدك هو الخيار الأفضل لك حالياً، فلن أجبرك."
أرسل زيد ابنه لي إلى منزل جده في الغابة . وفور وصول لي وطرق الباب، فتح الجد الباب، لتتسع عيناه فرحاً ويحتضن حفيده بقوة هائلة كادت تعصر ضلوعه. و قال" لي عزيزي انا مشتاق اليك "
صاح لي متألماً وضاحكاً: "وأنا مشتاق إليك أيضاً يا جدي! لكنك ستكسر عظامي بهذا الحضن!"
ضحك الجد كورفت وأفسح له المجال: "آه، معذرة يا بني! هيا ادخل."
جلس الاثنان في ردهة المنزل، فسأله جده بنبرة جادة: "لماذا لم تذهب مع عائلتك إلى العاصمة يا لي؟"
نكس لي رأسه: "لا أعلم يا جدي.. هناك شيء بداخلي يمنعني. أشعر بقلة حيلتي. جدي.. هل يمكنك تدريبي؟ أنا ضعيف جداً في استخدام السحر، وقدراتي الجسدية لا تبدو كافية لأصبح قوياً بحق."
نظر إليه كورفت بجدية: "أنا أتفهم رغبتك.. لكنك تخطئ في تقدير نفسك؛ بنيتك الجسدية تمتلك مرونة خارقة، فأنت تشفى من الجروح بسرعة مذهلة ولديك صلابة لا يملكها فتى في سنك."
في تلك اللحظة، تعالت طرقات قوية وعنيفة على الباب الخارجي. نهض الجد كورفت ليفتح، ليدخل رجل ذو بنية عضلية ضخمة جداً، تفوق الخيال، ويمتلك شارباً أسود كثيفاً وعريضاً.
صاح الرجل بصوت جهوري هز أرجاء المنزل: "مرحباً يا كورفت!"
برقت عينا لي بإعجاب ورهبة من مظهر هذا العملاق. التفت كورفت إلى حفيده وقال بابتسامة : "لي.. هذا الرجل هو من سيجعلك وحشاً حقيقياً في القتال."
جلس الرجل الضخم مع لي وكورفت، وسأل بنبرة قوية ترعد في الآذان: "ما اسمك يا فتى؟"
أجاب لي بتوتر: "اسمي.. لي."
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة: "اسم جميل! وأنا أدعى (شون فراي).. سعيد بمقابلتك."
رد لي: "وأنا أيضاً يا سيد شون." ثم التفت إلى جده متسائلاً، ليعقب شون ضاحكاً: "هل تعلم يا فتى أن جدك العجوز هذا قد أنقذ حياتي ذات يوم بعد قتال دامي خضته بمفردي ضد تسعة أشخاص؟ كنت عالقاً بين الحياة الموت، لولا أنه انتشلني."
اتسعت عينا لي بصدمة: "تسعة أشخاص؟! أي نوع من السحر الفتاك تستخدمه لتواجه هذا العدد بمفردك؟"
أطلق شون فراي ضحكة مجلجلة، ثم رفع قبضتيه الضخمتين وقبلهما واحدة تلو الأخرى وقال بفخر: "لم أستخدم أي سحر يا فتى.. استخدمت هاتين اللكمتين فقط!"
انذهل لي وصاح بحماس جارف: "حقاً؟! أنا أيضاً أعتمد على أسلوب القتال الجسدي واللكمات في قتالي! هل يمكنك تعليمي وتدريبي على هذا الأسلوب؟"
غمز شون فراي بطرف عينه: "بالتأكيد.. لكن بعد أن نملأ بطوننا أولاً بالوجبة التي سيعدها لنا هذا العجوز."
بعد تناول وجبة مشبعة، خرج لي وشون إلى الساحة المفتوحة خلف المنزل.
وقف شون واضعاً يديه في خصره وقال للي: "انظر يا فتى.. القتال ليس مجرد ضرب العدو بعنف وقوة عمياء، فهذا تفكير المبتدئين. القتال الحقيقي يعتمد على مهارة المراوغة، وقراءة حركات خصمك والتنبؤ بها قبل أن يبدأ بتنفيذها. صحيح.. سمعت من جدك أنك مريع في استخدام السحر؟"
أطرق لي برأسه خجلاً: "نعم.. لست موهوباً كأخي ليو الذي يتقن النار ببراعة."
وضع شون يده الثقيلة على كتف لي وضحك بقوة: "لا تقلق أبداً! أنا نفسي لا أملك أي موهبة سحرية تذكر، ومع ذلك.. فإن أقوى سحرة هذا العالم لن يتحملوا لكمة واحدة من قبضتي! والآن.. دعنا نتقاتل ودياً لكي أرى نقاط ضعفك."
تراجع لي بقلق: "ماذا؟! أقاتلك أنت؟"
رد شون بجدية: "نعم، أريدك أن تهجم عليّ بكل ما أوتيت من قوة وبجدية مطلقة."
صاح لي: "حسناً، استعد!" واندفع كالسهم نحو شون موجهاً لكمة سريعة. لكن بلمح البصر وبحركة خفيفة، تفادى شون اللكمة، ووجه للي ضربة خاطفة ومحكمة في بطنه.
طار لي في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بجذع شجرة ضخمة ويسقط أرضاً وهو يتأوه متألماً ممسكاً ببطنه.
ضحك شون فراي بصوت مرتفع: "لقد كنت مندفعاً جداً وفتحت ثغرات دفاعك بالكامل يا فتى! انهض.. سأعلمك كيف تقاتل بذكاء."
نهض لي بصعوبة وهو يلهث بجهد: "أنا جاهز."
وقف شون أمام شجرة ضخمة وقال للي: "أريدك أن تحطم جذع هذه الشجرة بقبضتك فقط."
تساءل لي مستغرباً: "وكيف أفعل ذلك؟"
قال شون: "هكذا..." وبحركة انسيابية صاعقة، دفع بقبضته نحو الشجرة.
بُووووووم!
لم ينصف الجذع فحسب، بل امتدت الموجة الارتدادية لتشطر صفاً كاملاً من الأشجار خلفها إلى نصفين!
وقف لي وفمه مفتوح على مصراعيه من شدة الصدمة والذهول، ليعقب شون بحرج وهو يحك رأسه: "آه.. ليس هكذا تماماً، كنت أقصد أن تحطم شجرة واحدة فقط دون البقية!"
ضحك لي واستجمع قوته وبدأ بلكم الجذع الذي أمامه ضربة تلو الأخرى بعناد وإصرار، مستخدماً صلابة جسده حتى نجح أخيراً في تحطيم الشجرة وسقوطها.
أثنى شون عليه: "أحسنت! تمتلك قوة خام ممتازة، لذا سنتجاوز تمارين رفع القوة البدنية التقليدية وننتقل للأقسى. تعال معي."
أثناء سيرهما، سأل شون: "هل تدرس أي نوع من السحر حالياً؟"
أجاب لي: "نعم، أحاول تعلم سحر النار وسحر الرياح."
برقت عينا شون باهتمام: "هذا مذهل! هل تعلم لو استطعت دمج طاقة الرياح الخفيفة والسريعة مع طاقة النار المتفجرة داخل قبضتك ماذا سيحدث؟ ستحصل على (لكمات متفجرة ضاغطة) تسحق بها أقوى الدروع!"
أحس لي بالحماس يشري في عروقه: "لكمات متفجرة؟! هذا رائع حقاً!"
وصل الاثنان إلى صخرة ضخمة جداً، فأشار شون إليها: "الآن.. اقسم هذه الصخرة إلى نصفين بقبضتك."
ركز لي طاقته واندفع ضارباً الصخرة في نقطة ضعفها لتنشطر إلى نصفين بضربة مدوية.
ابتسم شون: "حسناً.. يبدو أنني استهنت بقوتك قليلاً."
ومنذ تلك اللحظة، بدأت تدريبات شون فراي الجحيمية والقاسية؛ كان يرمي لي من المرتفعات ليتعلم كيفية الهبوط السليم وامتصاص الصدمات، ويجبره على حمل صخور عملاقة وتسلق الجبال الشاهقة بها، أو يرميه في التيارات المائية الجارفة للأنهار ليقاومها بجسده.
مع غياب الشمس واحمرار الأفق، جلس شون ولي على الأرض العشبية يلهثان من التعب.
قال شون وهو يمسح العرق: "هيا.. حان وقت العودة لمنزل جدك."
أثناء طريق العودة، سأل لي بفضول: "سيد شون.. أود سؤالك، من هم هؤلاء التسعة الذين تقاتلت معهم وأنقذك جدي منهم؟"
تلاشت الابتسامة عن وجه شون وحلت مكانها نبرة جادة للغاية: "هؤلاء.. يُلقبون بـ (الوحوش التسعة)."
انصدم لي: "وحوش حقيقية؟!"
أوضح شون: "كلا، بل هم بشر.. لكن نظراً لقوتهم المرعبة والدموية أطلق عليهم هذا اللقب. كانوا يشكلون القوة الضاربة لمملكة البرق، وفي كل معركة يتدخلون فيها، كانوا يبيدون جيوشاً بأكملها بمفردهم. وفي إحدى المعارك، تمت محاصرتي أنا وجيشي من قبلهم بالكامل. ولأنني علمت أن رجالي سيموتون حتماً، أمرتهم بالانسحاب والتراجع، وقررت الوقوف وحيداً للتصدي لهم."
ونزع شون سترته العلوية، لتظهر على جسده الضخم ندوب عميقة ومرعبة لضربات وسيوف قديمة. وتابع بنبرة ملحمية: "قاتلتهم بمفردي طوال أربعة أيام كاملة دون نوم أو راحة.. وفي النهاية، نجحت في هزيمتهم وتشتيتهم، لكنني سقطت غارقاً في دمائي بين الحياة والموت بجروح مميتة. ولحسن حظي، مر جدك كورفت من تلك المنطقة، وأنقذني وقدم لي الإسعافات السحرية والطبية.. ومنذ ذلك اليوم أصبحنا أعز الأصدقاء، رغم أنه بكبر عمر والدي."
نظر لي إلى شون بذهول وإعجاب لا يوصف، وشعر بالفخر لأن جده العادي يمتلك مثل هؤلاء الأصدقاء الأساطير.
استمر هذا التدريب الشاق والقاسي لمدة أسبوع كامل دون انقطاع، صُقلت فيه مهارات لي الجسدية بشكل ملحوظ وتعلم مبادئ دمج الرياح بالنار لتسريع لكماته. ومع نهاية الأسبوع، حزم شون فراي أمتعته استعداداً للعودة إلى مملكته، ووقف يودع لي وكورفت عند الباب.
بعد رحيله، تمدد لي على الأرض الخشبية بتعب شديد ولهث بصعوبة: "جدي.. هل السيد شون فراي هو ملك مملكة ما؟"
ضحك كورفت : "كلا يا بني.. ولكنه قائد الجيوش الأعلى هناك وهيبته تعادل الملوك. المهم الآن.. هل أصبحت تشعر بالقوة والصلابة في جسدك؟"
تنهد لي وهو يغمض عينيه تدريجياً من فرط الإنهاك: "ربما.. ولكن ربما كان يجدر بي الذهاب إلى العاصمة مع عائلتي والتمتع بالاحتفالات بدلاً من هذا العذاب اليومي..."
ضحك الجد كورفت بملء فيه، واقترب وحمل حفيده المنهك برفق بين يديه: "لا تقلق يا صغيري، عائلتك ستعود غداً من العاصمة."
وضع كورفت لي على فراشه الوثير، وفور أن لامس جسده الفراش الدافئ
، غط في نوم عميق وثقيل، لتنتهي صفحة تدريبه الشاق وتبدأ صفحة جديدة في حياته