استيقظ "لي" من نومه العميق في صباح اليوم التالي، ليجد جده "كورفت" جالساً على طرف الفراش يرقبه بنظرة هادئة.
قال كورفت بابتسامة: "لقد نمت نومة عميقة جداً يا لي."
فرك لي عينيه بتعب وهو يتمطط: "كل هذا بسبب تدريبات شون فراي الجحيمية.. كان يتعامل معي وكأنني مقاتل بالغ وليس فتى في بداية شبابه!"
رد كورفت ضاحكاً: "أنا من طلب منه ألّا يرأف بك. لكنك لم تشرح لي بعد، كيف تشعر بمستوى تطورك؟"
نهض لي من سريره وشد قبضتيه بحماس: "لقد أصبحت عضلاتي أكثر مرونة، وأشعر بصلابة غريبة في جسدي.. حتى لكماتي أصبحت تحمل وزناً واندفاعاً لم أعهدهما من قبل."
أومأ الجد برأسه وقال بنبرة حكيمة: "هذا ممتاز يا بني.. لكن تذكر دائماً: القوة العضلية دون عقل وتخطيط لا تساوي شيئاً. وللأسف، أعتقد أنك لا تمتلك ذلك العقل بعد."
صاح لي بطفولية: "جدي! لماذا تتحدث معي بهذه الطريقة القاسية؟"
توجه كورفت نحو المطبخ الصغير ليعد وجبة الإفطار، وقال متسائلاً: "صحيح.. لم أكن أتوقع أنك ستفوت الذهاب إلى العاصمة. لماذا تراجعت؟"
رد لي وهو يتبع جده: "لماذا تسأل؟"
قال كورفت وهو يقطع الخبز: "لأن علاقتك بمالينيا كانت قوية ومميزة، ولم ترها منذ رحيلها. كانت هذه الفرصة الذهبية لتقابلها يا لي."
أطرق لي بنظره إلى الأرض بحيرة: "لا أعلم.. لكن تملكني شعور قوي بأنني لا أريد رؤية مالينيا وأنا بهذا الضعف والشتات.. أردت أن أكون أقوى أولاً لان مالينيا دائما ما تطلب مني أن احميها ... و انا خائف ربما قد يأتي وقت لا تكون قوية كافيه لحمايتها ."
توقف كورفت والتفت إليه بنظرة ماكرة: "لا تجعل مثل هذه الأفكار السلبية تسيطر عليك ... ألم تفكر في احتمال أنك ربما لن تراها مجدداً بعد الآن؟"
تجمد لي مكانه واتسعت عيناه بصدمة: "ماذا؟! هذا صحيح.. لقد وعدتها بأنني سأستغل أي فرصة لأراها.. كيف غاب هذا عن بالي؟!"
ابتسم كورفت بخبث وقال فجأة: "اخبرني بصراحة يا لي.. هل تريد الزواج من مالينيا في المستقبل؟"
ارتد لي للخلف وتلعثم محمرّ الوجه: "م-ماذا؟! جدي، ما هذا الهراء؟! مستحيل!"
ضحك كورفت بملء فيه: "هيا، لا تكذب على نفسك! الجميع يعلم مدى تفاهمكما وتناغمكما الغريب.. ووالدك زيد كان يكابر مثلك تماماً في البداية."
أصر لي بعناد خجول: "مالينيا ليست كباقي الفتيات، وأنا لا أنظر إليها بتلك الطريقة إطلاقاً!"
غمز كورفت وعاد لإعداد الطعام وهو يصف بخياله: "هذا لأنك ما زلت صغيراً.. غداً عندما تكبر وتعود إليك بشعرها القرمزي الاحمر الناعم، مرتدية فستانها الملكي الفاخر، وتقف أمامك قائلة: (مرحباً يا لي).. ثم تضع خصلة شعرها وراء أذنها ببطء، وتتجنب النظر في عينيك بخدود شديدة الاحمرار من الخجل.. حينها ستموت في مكانك من شدة جمالها ولن تحتمل المنظر أبداً!"
صاح لي غاضباً ومحرجاً: "جدي! أرجوك توقف! لا يوجد شيء من هذا القبيل بيني وبينها!"
قهقه كورفت وقال مطبطباً على كتفه: "لا تقلق يا فتى، إن أردت الزواج بها يوماً، فلديك أقوى حجة تجعل عائلتها الملكية توافق دون تردد؛ أنت وعائلتك حميتم أميرتهم في أصعب أوقاتها وتحملتم مسؤولية حياتها.. الملك نفسه سيأتي ليزفك إليها!"
غطى لي وجهه بكفيه هرباً من كلمات جده النارية، وقد تملكه خجل غير مألوف.
في هذه الأثناء، على الجانب الآخر من المملكة، كانت العربة التي تحمل عائلة زيد وعائلة كيفن تقترب من العاصمة الملكية.
أخرج ليو ورين رأسيهما من نافذة العربة بدهشة مفرطة؛ كانت الجدران الحجرية الضخمة للعاصمة تحيط بها كالجبال، والبيوت بتصاميمها الهندسية المتقنة والمزخرفة تعكس حضارة فرسيفس الراقية.
صاح كيفين (والد رين) من مقعد القيادة: "ليو، رين! أدخلا رأسيكما، نحن على وشك عبور البوابة الرئيسية!"
دخلت العربة إلى شوارع العاصمة المرصوفة بالحصى المصقول، وكانت الزينة الملونة والأعلام البراقة تغطي كل زاوية، وأصوات الموسيقى والاحتفالات بانتهاء الحرب تملأ الأرجاء. وفي المنتصف، كان القصر الملكي يرتفع بشموخ كأنه قلعة من النور.
توقفت العربة أخيراً أمام البوابة الذهبية للقصر. نزل الجميع بملابسهم الأنيقة، واستقبلهم أحد الحراس الملكيين بوقار وانحناءة: "تفضلوا من هنا رجاءً.. جلالة الملك كين غرينفيل بانتظاركم."
مشى الجميع خلف الحارس في أروقة القصر الأسطورية. كانت الجدران مليئة باللوحات الزيتية الضخمة التي تحكي تاريخ المعارك، والسجاد الأحمر الفاخر يمتد لمسافات طويلة، والثريات الكريستالية العملاقة تتدلى من السقوف العالية كأنها نجوم متساقطة.
همس ليو في أذن رين وهو ينظر حوله بذهول: "لي سيء الحظ حقاً.. فضل البقاء في الريف مع جدي وفوّت رؤية كل هذا الجمال. سيندم بالتأكيد!"
ابتسمت رين بهمس: "هو من اختار ذلك بنفسه.. لكن ربما يجدر بنا إحضار تذكار أو هدية مميزة له من القصر."
أومأ ليو: "فكرة ممتازة."
وصل الجميع أمام باب خشبي عملاق مدعم بالذهب. فتحه الحراس ببطء، لتظهر قاعة العرش الشاسعة والمهيبة. كان الملك كين غرينفيل يجلس على عرشه، ممسكاً بكأسه ويضحك مع عدد من النبلاء وعائلات البلاط الذين تجمهروا حول طاولات الطعام الفاخرة.
جلس زيد وعائلته على إحدى الطاولات المخصصة، بينما جلست عائلة كيفين على الطاولة المقابلة لهم. وفي هذه الأثناء، تقدم الحارس وهمس في أذن الملك بوصول زيد وعائلته.
وقف الملك كين بوقار، وتنحنح ليصمت الجميع في القاعة، ثم قال بنبرة جهورية وقوية:
"مرحباً بضيوفنا الكرام.. اليوم هو يوم عظيم في تاريخ مملكة فرسيفس، يوم تكلل بنصر مشرف وسلام دائم. لكن كما تعلمون، كل حرب تطلب ثمناً من الدماء.. وكان ثمن حربنا هذه المرة هو ابني الحبيب (أدرين) وزوجته (ألينا) من عائلة (الرد هوك)."
ساد الصمت القاعة، وظهرت غصة حزن في عيني الملك وهو يتابع: "بسبب تلك المأساة، عاشت حفيدتي مالينيا طفولة قاسية لفقدانها والديها.. ولأنني كنت منشغلاً في جبهات القتال ولم أستطع البقاء بجانبها لمساعدتها على تخطي الصدمة، قررت إرسالها إلى ريف فرسيفس، برفقة أكثر رجل أثق به في هذا العالم.. انهض يا زيد كورفت!"
نهض زيد بثبات وانحنى احتراماً: "أنا في خدمتك جلالتك."
مشى الملك كين نحوه، ووضع يده على كتفه وقال للنبلاء والحضور: "هذا الرجل الذي يقف أمامكم الآن قد فعل شيئاً عجزت أنا عنه.. لقد أعاد روحاً منكسرة إلى الحياة! ليس بتمائم السحر، بل بالحب والدفء العائلي الذي منحه لحفيدتي. عندما وصلت مالينيا إليهم في اليوم الأول، حاولت إنهاء حياتها من شدة اليأس.. لكن ابنه الصغير منعها وأنقذها في اللحظة الأخيرة. هل هو ذلك الفتى صاحب الشعر الأبيض؟" (مشيراً إلى ليو).
أجاب زيد بوقار: "كلا يا جلالة الملك.. ابني الصغير (لي) هو من فعل ذلك، لكنه اعتذر عن القدوم وفضل البقاء في الريف."
أبدى الملك أسفه: "خسارة.. كنت أتمنى بشدة رؤية الفتى الشجاع وشكره بنفسي. على أي حال.. زيد وعائلته لم يمنحوا مالينيا الأمان فحسب، بل حموها بصدورهم من ملاحقة جنود مملكة الرياح وتحملوا مسؤولية تفوق طاقة أي عائلة ريفية.. واليوم، تقديراً لبطولته وأمانته، أعلن تنصيبه فارساً رسمياً للمملكة!"
نزل زيد على ركبته ممرغاً هيبته في الطاعة، واستل الملك كين سيف ملكي براق، وربت به على كتفي زيد معلناً إياه فارساً وسط عاصفة من التصفيق الحار من النبلاء والجمهور.
نهض زيد، واحتضنه الملك كين بحرارة وهمس له: "شكراً لك يا زيد.. كنت وما زلت من أوفى رجالي."
في هذه الأثناء، فُتحت الأبواب الجانبية لتُقبل مالينيا نحو القاعة. لمحتها رين فجأة، فهزت كتف ليو بحماس: "ليو! انظر، إنها مالينيا!"
ركض الاثنان نحوها بفرح. بدت مالينيا في غاية السحر والجمال؛ كانت ترتدي فستاناً ملكياً بلون أزرق فاتح يبرز قوامها، وتضع تاجاً فضياً صغيراً فوق شعرها القرمزي المفرود بنعومة على كتفيها.
قالت مالينيا بابتسامة رقيقة: "ليو! رين! أهلاً بكما في قصرنا!"
هتفت رين بانبهار: "تبدين في غاية الجمال يا مالينيا.. أنتِ أميرة حقيقية بلا شك!"
احمرت وجنتا مالينيا خجلاً وقالت بصوت ناعم: "حقاً؟ شكراً لكِ."
ثم التفت يميناً ويساراً وسألت بلهفة وترقب: "ولكن.. أين لي؟"
أصيب ليو ورين بالارتباك وتلعثما في الكلام، فسألت مالينيا بضيق: "ما بكما؟ تكلموا!"
قال ليو بحرج: "في الحقيقة.. لي لم يأتِ معنا، فضل البقاء مع جدي."
تجمد الابتسامة على وجه مالينيا، واشتعلت عيناها بغضب أميري جارف وصاحت بعصبية: "ماذا؟! ماذا تعني بأنه لم يأتِ؟! لقد جهزت نفسي واستعددت لأيام من أجل مقابلته، وفي النهاية لا يأتي؟! لماذا؟!"
قال ليو مهدئاً: "لقد اختار البقاء للتدريب مع جدي."
ضربت مالينيا قدمها بالأرض بغيظ: "مستحيل! أنا متأكدة أنه يجلس الآن مع ضحى أو فتاة جديدة في القرية!"
قالت رين مسرعة: "اهدئي يا مالينيا! لي ليس كذلك، لكنه ببساطة لم يرد ان يأتي قال بانه يشعر بشعور غريب يمنعه من ذلك."
هدأت مالينيا قليلاً وقالت بأسف: "كان يمكنني قبوله بأي شكل كان.. لكن هذا غباء منه!"
وفجأة، شعرت بنظرة حادة ومرعبة تخترق ظهرها؛ التفتت لتجد جدها الملك كين يرمقها بنظرة تحذيرية بسبب أسلوبها الحاد وصوتها المرتفع في حضرة الضيوف.
ابتلعت مالينيا ريقها، وعدلت وقفتها بسرعة وقالت بنبرة رقيقة ولطيفة لليو ورين: "أعتذر منكما لأنني رفعت صوتي.. أنا غاضبة فقط لأن هذه كانت فرصتنا الأخيرة لنرى بعضنا البعض."
استغرب ليو: "ولماذا الأخيرة؟"
تنهدت مالينيا بحزن عميق: "أنا أميرة البلاط الآن، وأنتم.. لا أريد التقليل من شأنكم، لكنكم تعيشون في الريف البعيد. وفقاً للقواعد الملكية، لن تسمح لي الظروف بمغادرة العاصمة مجدداً، ولن تكون هناك أي فرصة للقاء لي أو لقائكم.. وهذا الأمر يحزنني كثيراً."
في تلك اللحظة، اقترب الملك كين بخطواته الثقيلة، وبحركة مفاجئة ومرحة، حمل ليو ورين بـ يد واحدة لكل منهما ووضعهما على كتفيه الضخمين بكل سهولة كأنهما ريشتان!
ضحك كين بصوته الجهوري: "أنتم أصدقاء مالينيا الأوفياء، أليس كذلك؟"
قال ليو ضاحكاً من المفاجأة: "نعم يا سيدي.. أنا شقيق لي الأكبر."
وقالت رين بلطف: "وأنا صديقتها المقربة!"
ابتسم كين بحنان: "أنا أشكركم من كل قلبي لأنكم اعتنيتم بحفيدتي وأعدتم البسمة لوجهها."
عقب ليو: "مالينيا فتاة رائعة ومرحة، وكانت دائماً تضفي طاقة وحماساً لبيتنا.. غيابها عنا سيترك فراغاً حزيناً."
تنهد كين بوقار: "أعلم ذلك يا بني.. لكن هذا هو الواجب الملكي ولا حيلة لنا في ذلك. والآن.. انزلا واستمتعا بالاحتفال!"
أنزلهما الملك بلطف، وبدأ العازفون بعزف مقطوعة موسيقية هادئة لتبدأ رقصات البلاط.
تقدم الفارس زيد بوقار نحو زوجته فرح، ومد يده بابتسامة دافئة: "هل ترغبين برقصة مع هذا الفارس الوسيم يا سيدتي؟"
احمرّ وجه فرح خجلاً وضربت صدره برفق: "عزيزي، لا تتحدث هكذا أمام النبلاء، أنت تخرجني!" لكنها سرعان ما أمسكت بيده واندفعا ليرقصا وسط الحضور بانسجام تام.
بينما كانت رين تجلس مع مالينيا تتبادلان أطراف الحديث، اقترب ليو بانحناءة مهذبة وقال لرين: "هل ترغبين بالرقص معي؟"
تفاجأت رين واحمر وجهها خجلاً، لكنها وافقت بخفة وتوجهت معه لساحة الرقص.
بقيت مالينيا تجلس وحدها تراقب ثنائيات الرقص بابتسامة شاردة. وقالت في نفسها بحسرة وابتسامة دافئة: "لو كان لي الغبي هنا الليلة.. هل كان سيتشجع ويعرض عليّ الرقص؟" ثم ضحكت بخفوت وتابعت: "على الأغلب كنا سنشتبك في شجار عنيف في منتصف الرقصة ونسقط أرضاً!"
في تلك الأثناء، تقدم أحد أبناء العائلات النبيلة ليعرض عليها الرقص، لكنها اعتذرت منه بلطف ورفضت العرض بوقار.
وفجأة...
تـشـشـشـشـشـشّ.. بُووووووم!
انطلقت قذائف الألعاب النارية لتنفجر في سماء العاصمة السوداء وتملأها بألوان براقة وتشكيلات ساحرة أضاءت القصر والمدينة.
هرع الجميع نحو الشرفات الكبيرة والساحات الخارجية لمشاهدة المنظر البديع. اقترب الملك كين من مالينيا وحملها على كتفه الضخم كما كان يفعل في صغرها، لتنظر إلى السماء بسعادة غامرة والابتسامة تملأ وجهها بجانب جدها.
وعلى الجانب الآخر، وقف زيد وفرح مع ليو ورين مذهولين من روعة المشهد البصري الفاخر، متمنين لو
أن "لي" كان معهم يشاركهم هذه اللحظة السحرية التي ستبقى محفورة في ذاكرتهم للأبد.