بعد انقضاء أسبوع التدريب الجحيمي، عادت عائلة "لي" من العاصمة الملكية محملة بالهدايا، ومروا على منزل الجد "كورفت" ليأخذوا لي معهم ويعودوا جميعاً إلى قريتهم الهادئة.

وفي المساء، جلست العائلة حول طاولة العشاء الدافئة. سارع ليو بابتسامة واسعة قائلاً: "لقد فاتتك احتفالات لا تُصدق في العاصمة يا لي! القصر كان مذهلاً، ولو رأيت والدنا وهو يتقلد وسام الشجاعة والفروسية من الملك مباشرة لشعرت بالفخر."

رد لي بهدوء وهو يمضغ طعامه: "حسناً.. هذا أمر رائع."

غمز ليو بمكر وتابع: "ولكن الأهم من ذلك.. أنك لم ترَ مالينيا!"

توقف لي عن الأكل واشتعلت وجنتاه خجلاً، وحمحم بحرج: "ماذا تريد يا ليو؟ وما دخلي أنا؟"

ابتسم ليو مستمتعاً بردة فعله: "لا شيء.. لكنها كانت محبطة وحزينة جداً لأنك لم تأتِ. لقد ارتدت أفخم فساتينها الملكية وتزينت من أجلك."

حاول لي التملص بغيظ: "هذا ليس مهماً الآن.. المهم أنها عادت إلى قصرها، وأخيراً سيرتاح جسدي من ضربها وشتائمها المستمرة!"

التفت والده زيد إليه بنبرة لائمة ومبتسمة: "لا تتحدث عنها هكذا يا بني، مالينيا فتاة رقيقة ولطيفة، وكان قلبها يعتصر حزناً لغيابك. كسر قلوب النساء ليس من شيم الفرسان يا لي."

صاح لي بغضب طفولي وهو يحمرّ خجلاً: "هذا يكفي! أرجوكم، لا أريد من أحد أن يربط اسمي باسم مالينيا مجدداً!"

ضحك زيد وقال مهدئاً: "حسناً، حسناً.. كما تريد."

حاول لي تغيير مجرى الحديث فقال: "على أي حال، لقد استمتعت بوقتي كثيراً مع جدي وصديقه القديم."

انتبه زيد وسأل بفضول: "صديقه؟ من تقصد؟"

أجاب لي بحماس: "شخص يدعى شون فراي! يا له من رجل عملاق.. لقد قام بتدريبي على فنون القبضة الجسدية وقضينا وقتاً مذهلاً."

اتسعت عينا زيد بذهول: "شون فراي؟! القائد الأعلى؟ لم أكن أتوقع أنه ما زال يزور أبي حتى الآن بعد كل هذه السنين."

صمت لي قليلاً، ثم نظر إلى والديه بجدية وسأل بسؤال طالما راوده: "أبي.. أريد أن أسألك سؤالاً. لماذا لا نذهب أبداً لزيارة عائلة أمي؟ نحن حتى لا نعرف من هم ولا أين يعيشون!"

فجأة، خيم صمت ثقيل على الغرفة، وظهرت ملامح حزن دفين على وجه الأم فرح، فنكست رأسها وقالت بصوت مخنوق: "لا نستطيع زيارتهم يا صغيري."

تابع لي باستغراب: "ولكن لماذا؟ أنا لم أرهم منذ يوم ولادتي!"

تنهد زيد بعمق، وبدت على وجهه ملامح الضيق وهو يقول: "يا بني.. السبب معقد وجارح. بعد أن تزوجتُ من أمكم، قامت عائلتها بقطع علاقتها بها تماماً ومنعوها من العودة إليهم أو رؤيتهم مجدداً."

شعر لي وليو بغصة غضب، وقال ليو بضيق: "ولكن ما السبب الذي يدفعهم لفعل هذا الشيء المقيت؟ هذا أمر مزعج جداً!"

أوضح زيد بنبرة حزينة: "السبب قديم ومؤلم.. أمكم كانت تعاني الأمرين معهم حتى قبل أن أتزوجها، لقد كانوا يعاملونها باستحقار ودونية لأنها لم تكن تملك دم مثل دمهم و هذا الشيء لا يناسب عائلتهم النبيلة."

اشتعل الغضب في عروق الشقيقين، وصاح ليو بعينين تلمعان شرراً: "أهذا الكلام صحيح يا أمي؟"

أومأت فرح برأسها والدموع محبوسة في عينيها: "نعم يا بني.. لكن أرجوكم لا تهتموا للأمر، إنه مجرد شيء من الماضي البغيض."

لم يتمالك لي نفسه، وضرب الطاولة بقبضته القوية وقال بغضب عارم: "مستحيل أن أتغاضى عن هذا الفعل الشنيع بحق أمي! أقسم أن أول شخص سألمحه من عائلتها سأقضي عليه فوراً!"

نهض زيد من مقعده وصاح بصوت حازم قطع كل نقاش: "اهدأ أنت وهو! اجلسا مكاناً! لا أريد أن أسمع كلمة واحدة أخرى عن هذا الموضوع مجدداً. الأمر انتهى وطُوي منذ زمن بعيد، مفهوم؟"

خفض لي وليو رأسيهما بنفاد صبر وتمتما: "حسناً..."

في صباح اليوم التالي، وبينما كان لي، ليو، ورين يسيرون في طريقهم المعتاد نحو المدرسة، ركضت خلفهم "ضحى" لتلحق بهم.

قالت ضحى بنبرة حزينة: "مرحباً يا رفاق.. ، كان رحيل مالينيا مفاجئاً ومحزناً، لقد أضفت بهجة خاصة على أيامنا."

أومأت رين موافقة: "معكِ حق، لقد كانت صديقة رائعة ومخلصة رغم طباعها الأميرية الحادة أحياناً."

دخل الطلاب الأربعة إلى الفصل وجلسوا في مقاعدهم، ودخل الأستاذ "ادورن" ليبدأ شرح درس سحري وتاريخي جديد. وقف أمام السبورة وقال بنبرة تعليمية:

"السحر يا طلابي هو نظام معقد للغاية يعتمد على تدفق الطاقة الحيوية في الجسد. واليوم سنتحدث عن مفهومين أساسيين: الأول هو التضاد السحري..التضاد هو أن يحاول الساحر دمج أو استخدام عنصرين متنافرين تماماً في آن واحد، مثل إطلاق النار والجليد معاً. هذا الأسلوب يشكل ضغطاً هائلاً على الجسد ويجعل طاقتك السحرية تنفد بسرعة مرعبة."

هنا تدخل جورج بسؤال: "أستاذ، هل صحيح أن الشخص الذي تنفد طاقته السحرية بالكامل قد يواجه الموت؟"

أجاب الأستاذ: "ليس دائماً، لكن الأمر يعتمد على حجم السحر المستخدم. إذا حاول شخص استخدام تعويذة عملاقة تفوق طاقته الحالية، فقد يؤدي ذلك إلى توقف قلبه وموته فوراً. أما في أغلب الحالات العادية، فإن النفاد المفاجئ يسبب الإغماء الفوري أو التعب الجسدي الشديد الذي يشل الحركة."

ثم تابع الأستاذ: "أما المفهوم الثاني فهو التناغم السحري. وهو استخدام عنصرين متقاربين يكمل أحدهما الآخر، مثل النار مع الحمم، أو الثلج مع الجليد . هذا النوع من استخدام السحر يجعلك تستخدم اكثر من سحر دون أن تستهلك طاقة سحرية كبيرة."

ثم قال ادورن " ايضا يوجد الدمج السحري ... وهو أن يدمج الشخص سحران يغذي بعضهم الاخر مثل الرياح و النار ..أو الماء و البرق "

برقت عينا لي بحماس وتذكر كلمات مدربه شون فراي، وفكر في نفسه: (النار والرياح ليسا متضادين تماماً، فالرياح تغذي النار وتجعلها أسرع.. هذا يعني أنني أستطيع دمج حركتي الجسدية مع سحر متناغم دون أن أفقد طاقتني!)

عند نهاية اليوم الدراسي، وبينما كان الطلاب يهمون بجمع أغراضهم للمغادرة، وقف "جورج" فجأة في منتصف الفصل، وبدت على وجهه ملامح الحزن والتردد على غير عادته.

قال بصوت خافت: "رجاءً يا رفاق.. أريد منكم بضع دقائق، أريد التحدث معكم."

استغرب الجميع من نبرته الهادئة والخالية من الغرور، واجتمعوا حوله في حلقة. نظر جورج إلى الأرض وقال بغصة: "أنا.. سوف أنتقل إلى مدرسة جديدة ولن أعود إلى هنا مجدداً."

انصدم لي و قال: "ماذا؟! ستنتقل؟ وإلى أين؟"

أجاب جورج: "إلى مدرسة (كوروني) السحرية ."

شهق ديمون تعجباً: "مدرسة كوروني؟! إنها مدرسة النخبة الأولى في القارة، ولا يدرس بها إلا أبناء كبار الأغنياء والنبلاء! ولكن لماذا ترحل فجأة؟"

قال جورج بنبرة نادمة: "ليست رغبتي، بل إن عمل عائلتي وانتقالهم إلى شمال غرب القارة يجبرني على الرحيل معهم. لذلك.. قبل أن أغادر، كل ما أرجوه منكم هو أن تسامحوني على كل مقالبي التافهة وسلوكي المتعالي معكم طوال الفترة الماضية. أنا نادم حقاً على كل شيء.. وخصوصاً أنتِ يا ضحى."

تقدمت ضحى بخطوات هادئة، ووضعت يدها برقة على كتفه وقالت بابتسامة صافية: "لا تقلق يا جورج.. أنا أسامحك من كل قلبي، وكنت أعلم دائماً أنك تمتلك جانباً طيباً."

لم يستطع جورج كبح دموعه، فانفجر بالبكاء وعانق ضحى بحرارة وسط دهشة الطلاب وتأثرهم: "سأشتاق إليكم جميعاً.. لم أكن أظن أن يوماً كهذا سيأتي وأشعر فيه بالحزن لرحيلكم."

ربت لي على ظهره قائلاً: "هدئ من روعك يا رجل، ليست نهاية العالم. ربما تقودنا الأقدار وتجمعنا الأيام مجدداً ."

ابتسم جورج من بين دموعه: "أتمنى ذلك حقاً." ثم جمع حقيبته وغادر الفصل وسط وداع حار من زملائه.

أثناء طريق العودة إلى المنزل، نظر لي إلى ضحى وسألها برفق: "ضحى، هل أنتِ بخير؟"

أجابت ضحى بابتسامة هادئة: "نعم، أنا بخير.. لست حزينة بل أتمنى له حياة جديدة سعيدة هناك."

عقب ليو متعجباً: "يا للمفاجأة.. رحل جورج المغرور أخيراً!"

قالت رين بضحكة خفيفة: "ربما سنتخلص الآن من مقالبه واستعلائه المزعج."

دافعت ضحى عنه بلطف: "لا تتحدثي عنه هكذا يا رين، جورج في أعماقه شخص طيب، لكنه كان يجد صعوبة في إظهار مشاعره الحقيقية لنا."

ردت رين ضاحكة: "حسناً حسناً، اهدئي يا ضحى، لم أقصد الإساءة."

دخل لي وليو المنزل، واستقبلتهما الأم فرح بابتسامة دافئة كالعادة. وبينما كان الشقيقان يجلسان على سريرهما في غرفتهما يتحدثان، دخلت فرح ووجهها يشع بالبشر والسرور وقالت: "لدي مفاجأة سعيدة لكما يا أولاد."

قفز لي بحماس: "حقاً؟! ما هي؟ هل ستعود مالينيا؟!"

طاااااخ!

هوت كف ليو على رأس شقيقه وقال بنفاد صبر: "يا لك من غبي ! عندما ظهرت لك فرصة لكي تراه رفضت ذلك و الآن تريد عودتها؟!" ثم التفت إلى أمه، فتابعت فرح بضحكة دافئة: "المفاجأة هي.. أنكما ستحصلان على أخت صغيرة قريباً!"

اتسعت عيون لي بفرحة عارمة: "حقاً يا أمي؟! أنتِ حامل؟!"

أومأت فرح: "نعم يا بني."

سأل ليو بذكائه المعتاد: "ولكن كيف عرفتِ يقيناً أنها فتاة منذ الآن؟"

ضحكت فرح: "أنت تعيش في عالم يملؤه السحر يا ليو، وعبر الفحص بطاقة السحر الحيوية استطاع الطبيب تحديد جنسها بسهولة."

في تلك اللحظة، دخل زيد الغرفة مبتسماً وسأل: "هل أخبرتِهما؟"

أجابت فرح: "نعم."

نظر زيد إلى ولديه: "إذاً.. هل أنتما مستعدان لاستقبال فرد جديد وتوسيع عائلتنا؟"

هتف ليو ولي: "بالتأكيد! هذا رائع جداً!"

في اليوم التالي، وبينما كان لي وليو يلعبان مع رين في الساحة، وقفت رين فجأة وقالت بحماس: "يا رفاق، لدي خبر مشوق!"

سأل ليو: "ما هو؟"

قالت رين بابتسامة عريضة: "أمي حامل! وسأحصل على أخت صغيرة قريباً!"

تعجب ليو وصاح: "يا لها من صدفة مذهلة! حتى أمي حامل وتنتظر فتاة أيضاً!"

علّق لي ببراءة وغباء شديدين: "مهلاً.. هل أمي هي نفسها أمكِ يا رين؟!"

نظرت إليه رين بنظرة قاتلة وقالت بنفاد صبر: "من أين تنبعث كل هذه الشحنات من الغباء في رأسك يا لي؟! بالطبع لا!"

ضحك ليو بقوة: "لي، هذه مجرد صدفة رائعة لا أكثر!" ثم التفت إلى رين: "وماذا تنوين تسميتها؟"

فكرت رين قليلاً وقالت: "ربما سأسميها (كارول)."

قال ليو: "اسم جميل جداً." ثم سألت رين: "وماذا عنكم؟ ما الاسم الذي اخترتموه لأختكم؟"

فكر ليو وقال: "لم نحدد بعد.. سنترك الأمر للمستقبل."

بعد مرور عدة أشهر، وضعت فرح طفلتها الصغيرة الجميلة. حملها زيد بحذر وعاطفة جياشة، وتوجه بها مباشرة إلى "كورفت" الذي كان في البيت وقتها و الذي كان ينتظر بلهفة.

وفور أن رأى الجد حفيدته الجديدة، فاضت عيناه بدموع الفرح وحملها بين يديه بعناية فائقة قائلاً: "لطالما تمنيت ورجوت الله أن تُرزق بفتاة يا زيد.. الفتيات يحملن البركة."

اقترب لي ونظر إلى الطفلة بفضول وسأل: "جدي.. هل تحب الفتيات أكثر منا؟"

التفت إليه كورفت وقال بابتسامة متهكمة: "بالتأكيد! الفتيات يمتلكن قلوباً رقيقة، حنونة ودافئة.. أما أنتما، فأنت يا لي مجرد قرد بري همجي، وشقيقك ليو ذكي لدرجة تجعله يبدو غريب الأطوار!"

احتج ليو بكرامة: "جدي! نحن من سيرفع اسم عائلة كورفت عالياً في المستقبل بفضل قوتنا!"

ضحك الجد كورفت بسخرية: " صحيح لان والدكم قد أنجب الغازي و كولونتي ...لا أرجو أن تُعرف عائلتي على يديكما قط!" قال لي باستغراب " ليو من هولاء الأشخاص الذين ذكرهم جدي "

قال ليو وهو يهمس " انهمت شخصيات تاريخيه و مشهورة ايضا "

ثم تساءل الجد: "والآن.. ماذا سنسمي هذه الصغيرة الجميله؟"

هتف لي بكل حماس وجدية: "سوف نسميها (شون) تيمناً بالقائد شون فراي!"

ضرب ليو جبهته بقلة حيلة وصاح: "يا لك من غبي! اسم شون للذكور فقط، كيف تطلقه على فتاة ؟!"

تعالت ضحكات زيد الذي كان يقف بجانب زوجته المستلقية على السرير، وأمسك بيد فرح وقال: "ماذا تريدين أن نسميها يا عزيزتي؟"

قالت فرح بتعب وابتسامة: "اختر أنت الاسم يا زيد."

رد زيد: "لا يحضرني أي اسم مناسب في عقلي الآن."

هنا تدخل الجد كورفت بوقار: "إذاً.. اتركوا الأمر لي، أنا من سيختار اسمها."

قال زيد: "حسناً يا أبي، كلي آذان صاغية."

نظر الجد إلى وجه الطفلة الصغيرة التي كانت تغلق عينيها بهدوء، وقال: "سيكون اسمها.. (شي) ."

استغرب لي وسأل: "ولماذا (شي) تحديداً يا جدي؟"

قال كورفت بحنان: "لأنها طفلة خجولة جداً.. عندما وضعت إصبعي على خدها الصغير قبل قليل، انكمشت واحمر وجهها كأنها تشعر بالخجل مني... و ايضا معنى شي هو الخجوله في اللغة القديمه."

سأل ليو بفضول طفولي: "وماذا فعلتُ أنا يا جدي عندما وضعت إصبعك على خدي وأنا رضيع؟"

التفت كورفت إليه بملامح جادة وقال: "أنت؟ لقد قمت بعضّ إصبعي بقوة هائلة!"

انصدم ليو وتلعثم: "ماذا؟! مستحيل.. هذه التصرفات الهمجية تشبه لي، وليست تصرفاتي أنا!"

ضحك الجد: "كلا، لي كان يبتسم ويوجه قبضته الصغيرة للهواء عندما ألمسه." ثم سعل الجد كورفت سعالاً خفيفاً وجافاً، وأعاد الطفلة "شي" إلى حضن والدها زيد وقال بنبرة دافئة: "أتمنى أن تكون هذه الطفلة باباً للخير والبركة عليكم، وأن تنبت نباتاً صالحاً.. والآن، حان وقت رحيلي وعودتي لمنزلي."

قال زيد بامتنان: "حسناً يا أبي.. وأشكرك كثيراً على مجيئك ومشاركتنا هذه الفرحة."

خرج الجد كورفت من المنزل ميمماً وجهه شطر بيته، وكانت أصوات سعاله المتكرر تُسمع في الممر الخارجي.

مرت خمس سنوات سريعة على تلك الأحداث، كبر فيها الصغار وتغيرت الملامح.

نرى الآن "شي" الصغيرة وهي تركض وتلعب بحيوية في الساحة مع "كارول" (شقيقة رين الصغرى)، بينما كان "لي" يجلس قريباً يراقبهما وقد أصبح شاباً يافعاً، قوي البنية و يمتلك عضلات جيده بفضل استمراره في تدريبات الجسد.

أقبل "ليو" نحوهم، وقد كبر هو الآخر وبانت عليه ملامح الهيبة والذكاء، وكان يحمل في يده سلة طعام خشبية تفوح منها رائحة زكية.

قال ليو موجهاً كلامه لشقيقه: "لي.. خذ هذه السلة واذهب بها فوراً إلى منزل جدي كورفت ليقتات منها."

رد لي وهو ينهض: "حسناً، أمرك." ثم التفت نحو شقيقته الصغرى: "هيا يا شي.. تعالي معي، سآخذكِ في نزهة إلى بيت جدي."

هتفت شي بفرح: "حسناً!" وركضت نحو لي الذي انحنى وحملها على ظهره بخفة.

قال ليو: "وأنا سآخذ كارول الصغيرة وأعيدها إلى منزل عائلتها."

رد لي: "اتفقنا، نلتقي لاحقاً."

انطلق لي في الطريق المؤدي لبيت جده وهو يحمل شي على ظهره، وكانت الصغيرة تهمهم وتغني بنبرة طفولية عذبة.

ابتسم لي وقال: "أتعلمين يا شي؟ صوتكِ جميل جداً في الغناء."

ردت شي بغرور طفولي لطيف: "ولدي وجه وشكل جميل أيضاً!"

ضحك لي بصوت مرتفع: "يا لكِ من فتاة مغرورة!"

قالت الطفلة محاولة تقليده بتلعثم: "مترورة!"

عقب لي ضاحكاً: "تعلمي نطق الكلمة بشكل صحيح أولاً يا صغيرة!"

سألت شي وهي تشد على كتفيه: "لي.. هل كان جدي كورفت يحملك على ظهره في الماضي كما تفعل معي الآن؟"

أجاب لي بنبرة دافئة: "نعم، كان يفعل ذلك دائماً."

تابعت شي ببراءة: "ولماذا لا يستطيع حملي الآن؟"

تنهد لي وارتسمت مسحة حزن على وجهه: "لأنه أصبح كبيراً جداً في السن يا شي.. ومرضه الأخير أضعف جسده كثيراً. أذكر أنه كان يحكي لنا الكثير من القصص المشوقة وأنا في مثل سنكِ."

سألت بعينين واسعتين: "حقاً؟ هل يمكنك أن تذكر لي قصة واحدة منها؟"

ضحك لي بخفة: "في الحقيقة.. لم تكن مجموعة من القصص، بل كانت قصة واحدة فقط، وكان يستمر في إعادتها وتكرارها علينا في كل مرة حتى حفظناها."

سألت شي بلهفة: "وما هي؟ هل تتذكرها؟"

رد لي بأسف: "كلا.. للأسف لقد نسيت بعض تفاصيلها مع مرور السنين."

وصل لي وشي أخيراً إلى منزل الجد كورفت الريفي. نزلت شي من على ظهر شقيقها، ودفعت الباب الخشبي الصغير وهرولت للداخل وهي تصيح بمرح: "جدي! جدي، هل أنت هنا؟"

دخل لي خلفها ووضع سلة الطعام على الطاولة وصاح: "مرحباً يا جدي، كيف حالك اليوم؟ لقد أحضرنا لك..."

لكن الكلمات تجمدت في حلق لي فجأة، واتسعت عيناه برعب؛ إذ رأى جده مستلقياً على السرير بوضعية غريبة وتيبس ملحوظ، وعيناه مغلقتان وهدوء مطبق يلف المكان.

هرع لي نحو السرير بهلع شديد وأمسك بكتفي جده وأخذ يهزه بقوة: "جدي! جدي! هل تسمعني؟! أرجوك أجبني يا جدي!"

لكن لا إجابة، ولا حراك.

تراجعت شي الصغيرة إلى الخلف بخوف وصدمة وقد تملكتها الريبة من منظر جدها الصامت. انحنى لي بسرعة ووضع أذنه على صدر جده العجوز مستمعاً لدقات قلبه.. لكنه لم يسمع سوى الصمت الفراغي الساكن. لقد توقف قلبه عن النبض.

سقط لي على ركبتيه بجانب السرير، وانفجر بالبكاء والنحيب وهو يمسك بيد جده الباردة. وفور رؤيته يبكي، أدركت شي الصغيرة حجم المصيبة وانفجرت هي الأخرى ببكاء مرير وهما وحيدان في الغرفة المحزنة.

مرت الأيام التالية كئيبة ومظلمة، ووشحت القرية بأكملها بالسواد حزناً على رحيل الرجل الحكيم كورفت، الذي كان ركيزة للجميع. أقيم العزاء في ساحة كبيرة، وتوافد المعزون من كل حدب وصوب ومن مختلف الأشكال والمستويات الاجتماعية لتقديم واجب العزاء لعائلة الفارس زيد.

من بين الحضور، تقدم "مستشار الملك" الخاص بوقار وهيبة، وانحنى أمام زيد معزياً ومواسياً بكلمات ملكية رسمية.

كما حضر القائد العملاق "شون فراي"، وعلامات الحزن الصادق تكسو وجهه الصارم، وربت على كتف زيد بقوة قائلاً: "لقد فقدتُ اليوم رجلاً أنقذ حياتي وصنع مني ما أنا عليه الآن.. كان نعم الأب والصديق."

ثم دخل رجل عجوز ذو بشرة سمراء داكنة ووقار مهيب، وقال بصوت عميق: "لقد كان كورفت نعم الصديق الوفي، وكان رجلاً عظيماً و صديقا افتخر به ." وقدم تعازيه الحارة لزيد وللعائلة.

وفي أواخر أيام العزاء، وبينما كان الليل يرخي سدوله، دخل شخص غريب وغامض إلى الساحة. كان يرتدي عباءة داكنة ويضع وشاحاً سميكاً يغطي كامل وجهه وملامحه. تقدم بخطوات هادئة نحو زيد، و امسك يد زيد مقدماً واجب العزاء بصمت ودون أن ينطق بكلمة واحدة، مما أثار استغراب وشكوك الفارس زيد من هويته.

قبل أن يستدير الغريب ليغادر، التفت برأسه ببطء نحو "لي" الواقف في الزاوية، ونظر إليه نظرة حادة وطويلة. انتبه لي لتلك النظرات الخارقة، وتلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ واستطاع لي أن يلمح بوضوح من تحت شقوق الوشاح عينين حمراوين تتوهجان و كان نارا مشتعلة في عيناه، وخصلات من الشعر الأشقر الذهبي البراق تفلتت من غطاء الرأس.

استدار الرجل الغامض

وغادر المكان بسرعة خاطفة واختفى بين ظلال الليل، تاركاً لي في حالة من الذهول والصدمة، يتساءل في داخله عن هوية هذا الغريب وعلاقته بعائلتهم.

2026/07/21 · 0 مشاهدة · 2661 كلمة
نادي الروايات - 2026