غادر الغريب الغامض ذو العينين الحمراوين والشعر الأشقر ساحة العزاء، واختفى طيفه في ظلام الليل، تاركاً "لي" في حيرة قصيرة من أمره. لكن مع ثقل الحزن على فراق جده كورفت وشواغل الحياة اليومية، طوى لي صفحة ذلك الغريب سريعاً ولم يعطِ الأمر اهتماماً كبيراً.
مرت الأيام والشهور، ودخل لي وضحى سنتهما الدراسية الأخيرة في المدرسة، بعد أن سبقهما ليو بالتخرج. وفي إحدى الاستراحات، كان لي وضحى يجلسان معاً تحت ظل شجرة في ساحة المدرسة، يتبادلان أطراف الحديث.
تنهد لي ورفع ذراعيه متمدداً: "لم يتبقَّ الكثير يا ضحى.. هذه السنة الأخيرة وسنتخرج أخيراً، ولن تطاردنا كوابيس هذه المدرسة والواجبات مجدداً!"
ابتسمت ضحى بأسى خفيف: "أما أنا فأشعر بالحزن لرحيلنا.. هذه المدرسة تحمل بين جدرانها الكثير من ذكرياتنا الجميلة."
استنكر لي ضاحكاً: "أنتِ لا تتذكرين إلا الذكريات الجميلة! ألم تتذكري اليوم الذي طردكِ فيه الأستاذ غلبرت من الفصل بسبب جورج؟"
قالت ضحى بعتاب لطيف: "ما بك يا لي؟ لقد كنت أعبر عن رأيي فقط!"
حك لي مؤخرة رأسه باعتذار: "آسف، ربما جعلتكِ تشعرين ببعض الانزعاج.. لكنني أكره هذا المدرس بشدة، وليو محظوظ جداً لأنه تخرج قبلي وانتهى منه." ثم سكت قليلاً وسألها بفضول: "صحيح.. ما هي أخبار جورج؟ هل ما زلتِ تراسلينه؟"
ابتسمت ضحى ابتسامة مكسورة ونكست رأسها: "لم أعرف عنه أي شيء منذ فترة طويلة.. لكن على الأغلب، بعد تخرجه من المدرسة، سيصبح مدرباً أو معلماً في مدرسة (كوروني) السحرية. ومن يعلم؟ ربما تجديه الآن يقضي وقته مع فتاة أخرى."
استغرب لي: "إذا كانت العلاقة والافتتان بينكما قوياً في العرض المسرحي، فلماذا يتجاهلكِ هكذا؟"
نظرت ضحى إلى الفراغ وقالت بنبرة حزينة: "الزمان يغير كل شيء يا لي.. حتى المشاعر تتغير. انظر إلى نفسك؛ قبل مدة قصيرة كنت تبكي بحرقة على رحيل جدك، ولكنك الآن عدت لطبيعتك وتضحك."
انزعج لي ورد بنبرة جادة: "هذه حالة استثنائية! جدي كان طاعناً في السن ، لكن جورج.. لو كان يحبكِ بحق فلن ينساكِ أبداً."
تمتمت ضحى: "أتمنى ذلك من قلبي..."
سألها لي محاولاً تغيير مجرى الحديث: "صحيح، ماذا عن حلمكِ القديم في التمثيل؟"
ضحكت ضحى ضحكة خفيفة ومستسلمة: "كل هذه تفاهات وأوهام من الماضي يا لي.. الآن كل شيء تغير."
انصدم لي وقال: "ولكن ألم يكن حلمك الأكبر أن تصبحي ممثلة بارعة وشهيرة؟"
أجابت ضحى بجمود: "نعم.. ولكن حلمي اصطدم بالواقع، بشيء اسمه (الحياة). كل همي الآن هو أن أجد عملاً مستقراً بعد الدراسة، أو ربما أتزوج وأصبح ربة منزل هادئة. في الواقع، ذلك الحلم لم يكن نابعاً مني بالكامل، بل كان بسبب أبي."
تعجب لي: "أبوكِ؟ كيف ذلك؟"
أوضحت ضحى وهي تحرك حصاة صغيرة بقدمها: "أبي وعمي، عندما كانا في مقتبل شبابهما، حضرا مسرحية وحفلاً غنائياً لممثلة أسطورية تُدعى (أملينا بروفك). ومنذ ذلك اليوم، أُعجب أبي بها بشدة وأرادني أن أكون مثلها تماماً. في الحقيقة، كان الأمر يعجبني في البداية، لكنني الآن لم أعد أملك ذلك الشغف والحماس القديم."
سأل لي بشغف: "وأين كانت تُقام حفلات تلك الممثلة؟"
أجابت ضحى: "في قارة (أركيا)."
استغرب لي وتوقف ملوحاً بيده: "أركيا؟ ما هذه المنطقة؟"
قالت ضحى: "ليست منطقة يا لي، بل هي القارة المجاورة لقارتنا."
فكر لي قليلاً وثم ضرب جبهته: "صحيح! تذكرت هذه المعلومة من دروس الجغرافيا البغيضة.. قارتنا اسمها (أرثيا) والتلك القارة اسمها (أركيا)! ولكن لماذا ذهب أبوكِ وعمكِ إلى هناك؟"
قالت ضحى: "أبي وعمي كانا مغامرين في شبابهما."
اتسعت عينا لي وانقض بحماس شديد صائحاً بصوت عالٍ: "ماااذا؟! مغامران؟! هذا رائع جداً! تحدثي أكثر، أرجوكِ!"
ضحكت ضحى وقالت: "اهدأ يا لي! نعم، كانا يتجولان في القارات والممالك للحصول على المال عن طريق الانضمام لـ (نقابات المغامرين)، حيث يُدفع لهما المال مقابل تنفيذ المهمات الصعبة. ولكن.. عندما قُتل عمي على يد وحش مفترس في إحدى المهمات، اعتزل أبي المغامرة فوراً."
صُعق لي وقال بذهول: "ولماذا تقولينها بهذه البساطة وكأن الأمر عادي جداً؟!"
تنهدت ضحى: "لأن هذه هي حياة المغامرين يا لي.. إنهم يضعون أرواحهم على أكفهم ومستعدون للموت في أي لحظة."
قال لي برهبة: "هذا أمر مرعب للغاية.. حياتهم بائسة ومحفوفة بالخاطر، لم أتوقع ذلك."
وقفت ضحى وجمعت أوراقها وحقيبتها وقالت: "حسناً، يفضل أن أعود إلى بيتي الآن.. وداعاً يا لي."
رد لي: "وداعاً يا ضحى."
استمرت الحياة بالتدفق في القرية؛ حيث قام زيد ببيع منزل الجد كورفت ومزرعته القديمة، واستغل المال لشراء متجر كبير وتجارة ناجحة في المدينة المجاورة. أصبح ليو يعمل مع والده بشكل دائم، بينما يساعدهما لي من حين لآخر.
أما "سيد"، فقد برع في تجارته بفضل حنكته حتى أصبح يُعرف بـ التاجر رقم واحد والمورد الأساسي في المنطقة والعاصمة. وكان لي يتردد عليه دائماً ويترجاه ليكلفه بمهمات مغامرة ونقل بضائع، لكن سيد كان يرفض باستمرار قائلاً إن لي ما زال صغيراً على مخاطر الطريق.
وفي أحد الأيام المشمسة، كان "ليو" و"رين" يتمشيان معاً في أزقة القرية الهادئة.
سألت رين بابتسامة: "ليو.. ألم تذهب اليوم مع والدك إلى المتجر؟"
رد ليو بابتسامة دافئة: "اليوم المتجر مغلق، لذا فرغت نفسي بالكامل لأكون معكِ."
احمرت وجنتا رين وقالت بامتنان: "شكراً لك لأنك تمنحني بعضاً من وقتك الثمين."
التفت ليو إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وقال بنبرة شاعرية: "وقتي كله ملك لكِ.. يا ملكتي."
اشتعل وجه رين بالخجل، وصارت خدودها حمراء كالثمرة النضجة، ولم تستطع النظر في عينيه من شدة الإحراج.
تابع ليو مداعباً: "هيا يا ملكتي.. لا تحرميني من هذه النظرات القاتلة، أريد أن أراها!"
نظرت رين إليه بخجل شديد، وفجأة.. سقط ليو على الأرض متمدداً بكامل طوله!
صدمت رين وهلعت إليه ممسكة بيده: "ليو! ماذا حدث؟! هل أنت بخير؟!"
فتح ليو عيناً واحدة وقال بتمثيل درامي: "نعم يا ملكتي.. ولكن نظرات عينيكِ الساحرة جعلت قلبي يتوقف وأموت في مكانك!"
ضاق حاجب رين وقالت وهي تضربه برفق على كتفه: "هل تعلم ما هو أسوأ شيء فيك وفي شقيقك لي؟ كلاكما لا يجيد المزاح إطلاقاً!"
نهض ليو مسرعاً وينفض التراب عن ثيابه وهو يضحك: "أنا آسف! فعلاً أنا لا أتقن المزاح.. ولكن لي محترف في ذلك."
قالت رين بضحكة خفيفة: "لي؟ كل ما يفعله هو تصرفات غبية ومضحكة تجعلنا نكركر من الضحك عليه!"
وافقها ليو بقهقهة: "معكِ حق كل الحق!"
دارت العجلة وانقضت السنة الدراسية الأخيرة، وتخرج "لي" أخيراً من المدرسة التي كان يرى أنه لم يستفد منها شيئاً سوى وجع الرأس، لينضم للعمل مع والده وشقيقه ليو في المتجر.
ومع مرور الأيام، بدأت الخارطة تتغير؛ انتقلت ضحى مع عائلتها إلى مكان جديد لتأمين عمل، وانتقل ديمون هو الآخر، وتفرق أصدقاء المدرسة في بقاع مختلفة من العالم، بحثاً عن أقدارهم وأرزاقهم.
وفي يوم دافئ، كان "لي" يحمل شقيقته الصغرى "شي" على ظهره، ويسيران في طريق الريف المؤدي للمنزل، يغنيان ويلعبان.
سأل لي شقيقته بفضول: "شي.. ما هو سحركِ؟ هل اكتشفتِ نوعه بعد؟"
ردت شي ببراءة وهي تمسك بشعره: "لا أعرف عنه أي شيء حتى الآن يا أخي."
ابتسم لي وقال بفخر: "انظري إليّ.. أنا أستخدم سحر الرياح!" ثم أطلق موجة من الرياح الخفيفة جعلت أوراق إحدى الأشجار تتطاير حولهما. وتابع: "وأستطيع أيضاً استخدام سحر النار!" وأطلق شعلة صغيرة من إبهامه.
شهقت شي بانبهار وصفقت بيديها: "أخي! أنت عبقري مذهل!"
ضحك لي: "كلا، ليو أفضل مني بكتير في التحكم بالسحر.. ولكنني أقوى منه بمليون مرة في القتال والنزال الجسدي!"
قالت شي بتحدٍّ طفولي: "أنا أقوى منك! تعال وصارعني إن كنت شجاعاً!"
توقف لي وأنزلها على الأرض وقال بتظاهر: "حسناً يا شجاعة.. هجوم!"
هجمت شي بقبضتها الصغيره ولكمته على صدره، فما كان من لي إلا أن مثل السقوط الدرامي على الأرض، مستلقياً يتأوه بتمثيل متقن: "آخ! يا لضربتكِ القاضية! أنا أستسلم!"
قفزت شي بفرح وقالت وهي تضع يديها في خصريها: "ألم ترَ كم أنا قوية وخارقة؟"
قال لي وهو يتصنع الألم: "نعم.. لقد رأيت ذلك بنفسي، أعتذر منكِ يا شي، ما كان عليّ أن أستهين بقوتكِ الجبارة!"
اقتربت شي منه وضغطت على خده بابتسامة ذكية وقالت: "هيا انهض يا أخي.. أعلم أنك فعلت كل هذا التمثيل فقط لكي تسعدني."
تجمد لي ونظر إليها بصدمة: "ماذا؟! كيف عرفتِ؟!" ثم ضحك بقلة حيلة وهو ينهض: "لقد نسيتُ أنكِ فتاة ذكية جداً ولا تنطلي عليكِ هذه الحيل!"
حملها مجد
داً على ظهره، وانطلقا يضحكان ويلعبان في طريق العودة إلى المنزل.