كان قرص الشمس يميل نحو المغيب، يغمر الأفق بلون قرمزي دافئ، عندما كان الجد "كورفت" يخطو خطواته الوئيدة على الطريق الترابي المؤدي إلى القرية. على ظهره، كان يستقر حفيده "لي" ذو الشعر البني الخصلات، بينما يمسك بيده الأخرى حفيده "ليو"، الذي تميز بشعره الأبيض الناصع كالثلج.
خرق هدوء الطريق صوت "لي" الحماسي وهو يهز كتفي جده:
- "جدي كورفت! أخبرنا بقصة بينما نحن في الطريق إلى المنزل!"
ابتسم الجد وقال بصوت دافئ يملؤه الوقار:
- "حسناً يا صلبي الصغير، سأروي لكما كيف اكتُشف السحر.. وعن تلك الحرب العظمى."
تغيرت ملامح "لي" إلى الضجر والامتعاض، وصرخ مقاطعاً:
- "جدي! لقد أخبرتني بها مئة مرة!"
ضحك الجد خلسة وأجاب بمكر:
- "حسناً، دعني إذن أخبرك بها للمرة الأولى بعد المئة!"
ضرب "لي" بقدميه الصغيرتين بقلة حبر: "جدي، توقف أرجوك!"
هنا، تدخل "ليو" رصين الصوت، شاداً على يد جده برفق وقال موبخاً شقيقه:
- "لي! لا تصرخ على جدك."
التفت إليه "لي" وسأله بنبرة متذمرة: "ألم تمل منها أنت أيضاً يا ليو؟"
رد "ليو" بهدوء وهو ينظر إلى الأفق: "ربما قليلاً.. لكنها قصة جميلة حين يرويها جدي."
تنحنح الجد كورفت، واسترسل في حديثه وكأن روح التاريخ تقمّصته:
"قبل ألف ومئة وأربعة وخمسين سنة من الآن، اندلعت حرب شعواء طحنت الأخضر واليابس بين البشر. كان ذلك فور اكتشاف السحر.. لا أحد يعلم حتى يومنا هذا كيف وُجدت تلك القوة، لكن الحروب سرعان ما اشتعلت، وتقاتل الناس مدفوعين بشهوة القوة والسلطة. استمرت هذه المجازر لمئة وأربعين سنة.. حتى ظهر رجل يدعى 'يونغ لي'. رجلٌ صار يُعرف بالأسطورة؛ دحر الظلام، ووحد الممالك والأرض جميعاً تحت راية واحدة، وغدا ملك العالم.. لكن، لا شيء يبقى على حاله."
قبل أن يكمل الجد عبارته الأخيرة، صرخ "لي" بابتهاج:
- "هل وصلنا إلى القرية؟"
قفز "لي" فجأة عن ظهر جده محبطاً حماسة الرواية، ليتنهد كورفت قائلاً: "لكنني لم أنتهِ من القصة بعد!"
التفت إليه "لي" وهو يركض معتذراً: "آسف يا جدي، في المرة القادمة!"
لوّح الشقيقان للجد الذي استدار عائداً إلى بيته النائي في أطراف الغابة، بينما انطلقا هما نحو قريتهما الريفية البسيطة. وهناك، عند الشجرة العملاقة التي تشرف على منازل القرية بأكملها، كانت صديقتهما "رين" ذات الشعر الأشقر الذهبي بانتظارهما.
تسلق الأطفال الثلاثة غصون الشجرة، يراقبون منازل قريتهم الهادئة. ساد صمت قصير قبل أن يقطعه "ليو" موجهاً نظره إلى رين:
- "رين.. هل ذهب والداكِ إلى الحرب أيضاً؟"
تغيرت ملامح رين، ونظرت إلى الأرض بحزن: "نعم.. وأنا قلقة جداً عليهما."
تنهد ليو وقال: "وأنا أيضاً قلق على أبي وأمي."
حاولت رين تغيير مجرى أفكارها المحبطة، فالتفتت إلى ليو قائلة: "صحيح.. تصدق أنني لا أعرف اسم والديك حتى الآن؟"
أجابها ليو بابتسامة فخر: "أبي اسمه زيد، وأمي اسمها فرح."
علقت رين بإعجاب: "جميل.. إنها أسماء مميزة وغير مألوفة هنا."
تحرك "لي" بنفاد صبر وقال وهو يقفز من الغصن: "هيا، توقفوا عن الكلام ولنذهب، الشمس أوشكت على المغيب تماماً."
تفرق الأطفال بعد أن ودعوا رين التي عادت إلى بيتها، وتوجه الشقيقان إلى منزلهما.
زائرة من وراء الأسوار
عند عتبة الباب، تملكت الدهشة "لي" و"ليو"؛ فتحت أعينهما على وسعها واجتاحت قلوبهما فرحة عارمة. لقد عاد "زيد" و"فرح" أخيراً من جبهات القتال! لكنهما لم يعودا بمفردهما، بل كانت تصحبهما فتاة في نفس عمر "لي".
ركض الشقيقان وارتميا في أحضان والديهما. وبعد عناق طويل، تراجع "لي" خطوة ونظر إلى الفتاة الغريبة متسائلاً: "أبي.. من هذه الفتاة؟"
وضع زيد يده على كتف الفتاة وقال بنبرة جادة: "إنها 'مالينيا'.. وهي من العائلة المكلية التي تحكم المملكة التي تتبع لها قريتنا."
شحب وجه "لي" من الصدمة: "ماذا؟! لماذا تتواجد فتاة مثلها هنا؟ هذا المكان خطر عليها!"
قاطعه والده بحزم وهو يوجهه نحو الداخل: "ليس هذا الوقت المناسب للحديث يا بني، دعونا ندخل أولاً."
استقر الجميع حول طاولة الطعام البسيطة. وضعت الأم الطعام، إلا أن مالينيا جلست متصلبة، عاقدة حاجبين، ترفض مد يدها إلى الأكل الريفي البسيط الذي لم تعتد عليه في قصورها المنيفة.
تنهد زيد وقال بصوت خفيض:
"لقد قُتل والدا مالينيا في الحرب.. وقعا في كمين غادر لجنود مملكة الرياح. إنها في حالة صدمة شديدة الآن، لذا قام جدها الملك 'كين غرينفيل' بإرسالها معنا إلى هنا سراً، حتى لا يتمكن الأعداء من العثور عليها."
نظر زيد إلى ولديه وأكمل بنبرة حانية ومحذرة: "عاملاها كصديقتكما رين، وتحمّلاها قليلاً.. فهي مغرورة نوعاً ما، وهذا طبيعي نظراً لنشأتها الملكية."
أومأ لي وليو برأسيهما: "حسناً يا أبي."
ليل الغابة المظلم
حلّ الليل، ونام الجميع. وفي جوف الظلام، استيقظ "لي" على صوت صرير خفيف.. كان صوت باب المنزل وهو يُفتح. فتح عينيه ببطء، وتسلل ليرى من الفاعل. لم تكن سوى مالينيا، التي انطلقت راكضة خارج المنزل بسرعة فائقة.
- "مالينيا! انتظري!"
نادى عليها "لي" بصوت مخنوق وهو يركض خلفها، لكنها لم تلتفت. توغلت الفتاة في الغابة الكثيفة المتاخمة للقرية، وتبعتها خطوات "لي" المتلاحقة حتى رآها أخيراً؛ كانت تجلس عند حافة منطقة صخرية مرتفعة، تشخص ببصرها نحو السماء، تتأمل القمر والنجوم الساطعة بملامح حزينة.
اقترب منها "لي" برفق وقال: "مالينيا.. ما بكِ؟ لم تتحدثي بكلمة واحدة منذ وصولك."
التفتت إليه وعيناها تلمعان بغضب ومرارة: "اغرب عن وجهي! لا أريد رؤية أحد!"
رد "لي" محاولاً طمأنتها: "أنا أعلم ما حدث معكِ، وأنا حزين لأجلكِ حقاً.. لكن يجب عليكِ تخطي الأمر، وعلينا العودة إلى المنزل الآن."
خطا "لي" خطوة إضافية نحوها، لكن "مالينيا" اندفعت نحوه بغضب أعمى ورفع يدها تدفعه بقوة وهي تصرخ: "ألم أقل لك اغرب عن وجهي؟!"
لم يتدبر "لي" توازنه، وتراجعت قدمه لتزل في الفراغ! سقط من أعلى المرتفع الصخري، لكن في اللحظة الأخيرة، تشبثت أصابعه بحافة صخرة ناتئة.
تجمدت الدماء في عروق مالينيا؛ لم تكن تقصد ذلك أبداً. هرعت إلى الحافة تحاول الإمساك بيده ومساعدته، لكن الصخرة بدأت تتشقق وتتكسر تحت ثقله. وقبل ثوانٍ من سقوطه المحتم في الهاوية، امتدت يد قوية وقبضت على معصمه بقوة.. لقد كان والده "زيد".
رفع زيد ابنه إلى الأمان، ثم التفت إلى مالينيا وملامحه تشع غضباً، ووبخها بنبرة حازمة وقاسية على استهتارها. نكست مالينيا رأسها وقالت بصوت متهدج: "أنا.. أنا آسفة، لم أكن أقصد ذلك."
عاد الثلاثة إلى المنزل في صمت. كان ليو وفرح مستيقظين والوجل يبدو عليهما. سألت فرح بقلق: "ماذا حدث؟"
أجاب زيد وهو يحاول تهدئة الأجواء: "لا شيء.. مجرد خلافات بسيطة. هيا عودوا إلى النوم."
استلقى "لي" على سريره وعقله يغلي بالأفكار. نظر عن يساره، حيث كان سرير مالينيا، ثم عن يمينه حيث ينام شقيقه ليو. فكر "لي" في نفسه بوجل: 'ربما يجدر بي إقفال باب الغرفة مستقبلاً.. لا أريدها أن تهرب مجدداً، أو أن تدفعني من شاهق آخر'.
وفي تلك اللحظات، وعلى السرير المجاور، كانت "مالينيا" تنطوي على نفسها، تحتضن دميتها الصغيرة -الذكرى الأخيرة من والدها الراحل- وتكتم وجهها فيها، تذرف دموعاً حارة وتبكي بصوت
منخفض جداً، صراعاً مع أحزانها، حتى لا يسمع نحيبها أحد.