أشرقت شمس الصباح لتغمر القرية الريفية بنورها الدافئ، مرسلةً أشعتها عبر نوافذ المنزل الخشبي. اجتمعت العائلة حول طاولة الإفطار البسيطة، وتبعتهم "مالينيا" بخطوات ثقيلة ومترددة. كانت ملامحها تعبر عن رفضها التام للمشاركة، إلا أن قرصات الجوع في معدتها انتصرت على كبريائها الملكي، لتجلس مجبرة وتبدأ بتناول الطعام بهدوء. تبادل "زيد" و"فرح" نظرات راحة، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة دافئة لرؤية الزائرة الصغيرة تبدأ في التأقلم.

بعد الانتهاء من تناول الوجبة، استعد "لي" و"ليو" للخروج إلى القرية كعادتهما للقاء صديقتهما "رين". تراجعت مالينيا إلى الوراء معلنةً رفضها مرافقتهما، إلا أن "لي" لم يمنحها خياراً؛ أمسك بعباءتها بخفة وأجبرها على الخروج معهما وسط تذمرها الصامت. كانت خطوات الفتاة الملكية متعثرة، ووجدت صعوبة بالغة في التآلف مع أجواء الريف والتراب الذي يملأ الطرقات.

سار الأربعة معاً حتى وصلوا إلى الشجرة القديمة العملاقة. ما إن صعدت مالينيا إلى المرتفع وأشرفت على المنظر، حتى اتسعت عيناها بذهول خفي؛ كانت القرية بأكملها تبدو من الأعلى كلوحة فنية دافئة وبسيطة، غارقة في الخضار والسكينة.

استعراض المهارات وبصيص السحر

قطع "ليو" حبل الصمت متقدماً بثقة وقال:

- "اليوم، سأريكم مهاراتي في سحر النار!"

أخذ نفساً عميقاً، ومد كفه لتنبثق منها شعلة نار هادئة، برتقالية اللون، تتراقص بتناغم فوق أصابعه. اتسعت عيون "لي" و"رين" بإعجاب، وحتى مالينيا لم تستطع إخفاء انبهارها، رغم أنها سارعت برسم ملامح البرود على وجهها لتخفي ذلك.

تقدمت "رين" بخطوات واثقة، ممسكة بقوسها الخشبي وقالت:

- "أما أنا، فسأريكم دقتي في استخدام القوس."

سارت نحو حصانها المقيد قريباً، ووضعت تفاحة حمراء على ظهره، ثم حررت الحصان وأمرته بالركض السريع. ووسط دهشة الجميع، سحبت رين سهماً، شدّت وتر قوسها بقوة، وأطلقت السهم وهي تتحرك برشاقتة. طار السهم كصاعقة خاطفة ليخترق قلب التفاحة تماماً والحصان في أوج سرعته. صفق "لي" و"ليو" مذهولين من هذه الدقة القاتلة.

جاء الدور على "لي"، الذي وقف بصلابة وقال مفتخراً بنبرة تحدٍّ:

- "حسناً، حان الوقت لتشاهدوا صلابتي الجسدية!"

وتحت أنظارهم المتعجبة، تراجع خطوتين، ثم اندفع بقوة ضارباً رأسه بجذع صخرة كبيرة قريبة. دَوى صوت ارتطام قوي، ويا للمفاجأة، انشقت الصخرة إلى نصفين! التفت لي إليهم بزهو وقال: "هل رأيتم هذه الحركة؟"

لكن، لم تكد تمر ثانية واحدة حتى بدأت عينا "لي" تدوران في محجريهما، وأمسك رأسه بكلتا يديه متأوهاً بصوت مضحك من أثر الصداع والاصطدام العنيف. تعالت ضحكات ليو ورين على هذا المشهد الكوميدي، بينما حاولت مالينيا جاهدة كتم ضحكتها وهي تعض على شفتيها، في حين سقط لي على الأرض يشكو من دوار شديد.

نظرت رين إلى الفتاة الملكية وسألتها بفضول:

- "مالينيا، هل تمتلكين سحراً أو قدرة تميزكِ؟"

نظرت مالينيا إلى رأس "لي" المصاب، واقتربت منه ببطء. انحنت فوقه، ثم قربت كفيها الناعمتين من جرحه. في تلك اللحظة، انبعث من يديها توهج أخضر زمردي دافئ، يفيض بالطاقة والحياة. وما هي إلا لحظات حتى التأم الجرح تماماً، واختفى الصداع، ليتضح أن مالينيا تمتلك سحر الشفاء النادر.

نهض لي وهو يلمس رأسه بدهشة، بينما هتف ليو: "أنتِ تمتلكين سحراً مذهلاً!"، وقالت رين بإعجاب: "سحركِ جميل جداً".

نظر لي إليها بامتنان وقال: "شكراً لكِ على هذا".

رفعت مالينيا رأسها بغرورها المعتاد، وقالت وهي تشيح بنظرها: "هذا كاعتذار عما حدث البارحة فحسب يا لي".

ابتسم لي وشكرها مجدداً، وعاد الأطفال الأربعة إلى القرية والبهجة تملأ قلوبهم.

نذير الحرب وخطر داهم

فور عودتهم، أخبر لي والديه بسحر مالينيا. اتسعت عينا زيد بذهول وقال: "لم أكن أعلم أنكِ تمتلكين سحراً نقياً كهذا"، فيما ربتت فرح على كتفها قائلة: "سحركِ جميل، وفيه خير ومساعدة للناس".

لكن الفرحة لم تدم. فجأة، اقتحم القرية فارس يحمل رسالة عاجلة من قادة المملكة، وصرخ بصوت جهوري حبس الأنفاس:

"أيها الجميع! يجب على كل الجنود العودة إلى جبهات القتال فوراً! العدو أصبح قريباً جداً من حدود القرية!"

حلّ الهلع في الأرجاء. هرع الأهالي إلى بيوتهم، وارتدى المحاربون دروعهم وحملوا أسلحتهم وهم يودعون عائلاتهم بدموع وقلق. استعد زيد وفرح أيضاً، وتقدما لتوديع لي وليو ومالينيا بنظرات يملؤها الخوف عليهم، ثم انطلقا مسرعين مع بقية القوات.

في وسط ساحة القرية، وقف رجل مسن يدعى "السيد" -وهو شخصية مهابة وذات سمعة كبيرة بين الأهالي- ووجه حديثه للقادة قائلاً بصرامة: "يجب أن يتبقى بعض الجنود هنا لحماية القرية من أي تسلل لجنود مملكة الرياح". واستجابة لطلبه، انقسمت القوات؛ حيث غادر الجيش الأساسي نحو أرض المعركة، بينما بقيت ثلة من الجنود لحراسة الديار.

من داخل المنزل، وقف لي وليو ومالينيا يراقبون من نافذة الغرفة الموقف بوجل. كان الجنود المتبقون يستعينون بـ "سحر الأرض" لتشييد جدران حجرية سميكة وتحصينات عاجلة لحماية المداخل.

تنهد ليو وقال بنبرة خائفة: "أتمنى أن تنتهي هذه الحرب قريباً، وألا يصيبنا أي مكروه".

فجأة، شحب وجه مالينيا وصرخت بذعر:

- "دميتي!.. لقد نسيت دميتي!"

سألها لي مستغرباً: "أي دمية؟"

قالت بنبرة باكية ومتوسلة: "لقد نسيت دميتي عند الشجرة القديمة! يجب أن أذهب لإحضارها فوراً!"

أمسكها ليو من كتفها محذراً: "لا تخرجي! الوضع خطر وقد تصابين بأذى!"

نفضت يده وصاحت بمرارة: "إنها كل ما تبقى لي من عائلتي الراحلة!"

واندفعت خارجة من البيت كالسهم نحو الغابة. لم يتردد لي وليو، وانطلقا خلفها يركضان بكل قوتهما.

وصلت مالينيا لاهثة إلى الشجرة القديمة، والتقطت دميتها من بين الجذور، ولحق بها لي وليو والأنفاس تكاد تنقطع من صدورهم. قال لي وهو يحاول التقاط أنفاسه: "هيا، لقد أخذتِها، علينا أن نعود إلى المنزل بسرعة!".

لكن كلمات "لي" تجمدت في حلقه، وتحولت ملامح الأطفال الثلاثة إلى رعب مطلق.

من الجهة الخلفية للقرية -بعيداً تماماً عن التحصينات والجنود الذين كانوا يحرسون المدخل الرئيسي- كان هناك جيش جرار من مملكة الرياح يتقدم بصمت تام متسللاً بين التلال، متجهين نحو القرية الأعزل. لقد كان فخاً عسكرياً محكماً للالتفاف حول حماة القرية.

نظر لي إلى شقيقه ومالينيا، وقال بصوت يرتجف من الصدمة:

- "يجب علينا

أن نعود ونخبرهم بسرعة.. القرية في خطر!"

2026/07/21 · 1 مشاهدة · 887 كلمة
نادي الروايات - 2026