انطلق الأطفال الثلاثة؛ "لي"، و"ليو"، و"مالينيا"، كالسِهام نحو وسط القرية، والأنفاس تكاد تنقطع من صدورهم. فزع الجنود لرؤية وجوه الصغار الشاحبة، وصاح أحدهم وهو يمسك بكتفي لي:
- "ما الأمر؟ لِمَ كل هذا الذعر؟"
التقط لي أنفاسه بصعوبة وهتف: "جيش مملكة الرياح!.. إنهم يلتفون حول القرية من الجهة الخلفية!"
صُعق الجنود من المباغتة، وتبادلوا نظرات حازمة. وبسرعة فائقة، تحركت القوات لتغطية الثغرة، بينما تم تجميع كافة أطفال القرية في مخبأ خشبي حصين لضمان سلامتهم بعيداً عن أتون المعركة التي أوشكت على الاندلاع.
لم تمضِ سوى دقائق حتى وصل جيش مملكة الرياح، يتقدمهم القائد الصارم "فلانكو" راكباً على ظهر أسد مرعب، تنبعث من أشداقه زفرات نارية حارقة. استمات جنود القرية في الصد، لكن كفة الغزاة كانت الأرجح، مما أجبر حماة القرية على التراجع خلف حاجز ضخم شيدوه بـ "سحر الأرض".
تقدم فلانكو بزهو، وأمر أسده بإطلاق زفير ناري هائل نحو الساتر الترابي، وتبعه فلانكو مباشرة بطلقات إعصارية من "سحر الرياح". اندمج العنصران معاً؛ فالرياح غذّت النار وضاعفت قوتها أضعافاً، مما أحدث انفجاراً مدوياً ومروعاً حطم جزءاً كبيراً من الحاجز، لتقتحم قوات الرياح القرية، وتبدأ ملحمة حامية وتصادم سيوف تقشعر له الأبدان. احتد القتال؛ رفع جندي من غزاة الرياح سيفه ليغرزه في صدر أحد حماة القرية، لكن جندياً آخر من القرية تدخل في جزء من الثانية، مطلقاً قذيفة صخرية حادة بـ "سحر الأرض" اخترقت رأس المعتدي وأردته قتيلاً.
بدأ جنود مملكة الرياح باستخدام سحر الرياح لعرقلة حركة حماة القرية وجعل أجسادهم ثقيلة، إلا أن أحد عباقرة القرية استخدم "سحر الجليد" بذكاء، مكثفاً الهواء البارد ليجعل الرياح جافة وثقيلة، مما أضعف تأثيرها وأعاد التوازن للمعركة. جمد جندي القرية أحداً من الأعداء تماماً، لكن فلانكو باغت البطل بطعنة نافذة من سيفه الطويل قضت عليه. وفي مكان قريب، أطلق جندي آخر سيل خطوط نارية أحرقت صفوف الأعداء، قبل أن يخترق سهم غادر رقبته ويسقط صريعاً.
وسط هذا الجحيم، صاح جندي جريح: "سأرسل رسالة عاجلة إلى السيد! نحن بحاجة إلى مدد!" وركض ليرسل طائر زاجل، بينما واصل فلانكو حصد الأرواح بضربته المزدوجة (النار والرياح).
أدرك جنديان من القرية خطورة الموقف، فأطلقا سحري النار والجليد معاً في بقعة واحدة، مما خلق ضباباً كثيفاً حجب الرؤية تماماً عن الغزاة. استغل جنود القرية هذا الستار، وبدأوا يحصدون جنود الرياح من خلف الضباب. غير أن فلانكو، بحنكته العسكرية، أطلق موجة إعصارية عاتية مزقت الضباب في ثوانٍ، ليعود الصدام وجهاً لوجه. داخل المخبأ، كان الأطفال يرتجفون رعباً مع كل دوي انفجار يهز الأرض. لكن في زاوية الغرفة، كانت عينا "ليو" تقدحان شرراً غاضباً. انتفض ليو فجأة وسط ذهول الجميع وقال بصوت جهوري:
- "لماذا علينا الخوف والاختباء؟! يجب أن نخرج ونواجه العدو.. هيا، الحقوا بي يا رفاق!"
تحركت الحماسة في عروق "رين"، و"لي"، و"مالينيا"، وتبعهم عدد من الأطفال البواسل خارج المخبأ، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع فرقة من جنود مملكة الرياح.
أطلق ليو قذيفة نارية ملتهبة أصابت أحد الجنود في صدره.
سحبت رين وتر قوسها ببراعة وأطلقت سهماً أصاب غازياً آخر بدقة.
أمسك لي بفأس خشبي ثقيل واشتبك مع جندي ضخم، حتى جاء أحد الأطفال وعاونه ليسقطا الجندي معاً.
حاول أحد جنود القرية إعادة الأطفال إلى المخبأ خوفاً عليهم، لكنهم رفضوا التراجع ببطولة. في تلك اللحظة، رشق ليو ببصره نحو ساحة المعركة، فرأى فلانكو يعيث فساداً على ظهر أسده، فقال بذكاء: "لابد أن هذا هو قائدهم.. يجب علينا هزيمته! لقد أتتني فكرة!"
التفت ليو إلى شقيقه وقال: "لي! خذ مالينيا واجعل فلانكو يراكما. هو يبحث عنها بالتأكيد، واسحبه نحو مستودع الفحم والنفط!"
نظراً لشعر مالينيا الأحمر القرمزي الدال على عراقة الدم الملكي، ولمعرفة فلانكو المسبقة بوجود حفيدة الملك "كين غرينفيل" في القرية، كان يبحث عنها بضراوة. ما إن لمحها فلانكو برفقة لي، حتى انطلق خلفهما بأسده هاتفاً بجشع. ركض لي ومالينيا بأقصى سرعتهما متظاهرين بالذعر، حتى دخلا مبنى تخزين الفحم والنفط، واندفع فلانكو والأسد خلفهما مباشرة إلى الداخل المظلم.
بلمح البصر، قفز لي ومالينيا عبر نافذة المبنى الخلفية الضيقة، وفي ذات الثانية، اندفع بقية الأطفال وأقفلوا الباب الرئيسي بالمتاريس والسلاسل الحديدية، ليصبح القائد فلانكو وأسده محبوسين داخل فخ الموت.
وقف ليو مستعداً، وأشعل طرف سهم رين بشعلة من سحر ناره. ثبّتت رين السهم المشتعل، ونظرت إلى المبنى المليء بالنفط، ثم أطلقت السهم عبر فتحة النافذة.
بُووووووم!
انفجر المستودع في ثوانٍ معدودة، وتصاعدت ألسنة اللهب والنيران الشاهقة لتلتهم المبنى تماماً، مسببة هزيمة ساحقة للقائد فلانكو والأسد تحت وطأة الانفجار والرماد. عندما رأى جنود مملكة الرياح أن قائدهم الأعلى قد سحق، تملّكهم الذعر الشديد. سحبوا جسد فلانكو المصاب وتراجعوا هاربين يجرّون أذيال الخيبة خارج القرية.
عمّت الفرحة أرجاء المكان، وتعالت صيحات الابتهاج. انطلق لي، ليو، رين، ومالينيا وبقية الأطفال في رقصات النصر، بينما تقدم الجنود المذهولون من شجاعة الصغار، وحملوهم على الأكتاف يهتفون بأسمائهم في عنان السماء.
في تلك الأثناء، كانت الرسالة قد وصلت إلى "السيد"، فعاد مسرعاً برفقة "زيد" و"فرح" وبقية الجيش إلى القرية، ليجدوا -لدهشتهم الصاعقة- أن جيش الأعداء قد هُزم تماماً!
اندفعت فرح بدموع هتانة واحتضنت لي، ليو، ومالينيا بقوة قائلة: "لقد كنت قلقة جداً عليكم!"، بينما ضمهم زيد إلى صدره بامتنان وفخر: "الحمد لله أنكم لم تصابوا بأي أذى.. أنتم أبطال حقاً".
عادت السكينة إلى القرية البسيطة، ولم تمضِ أيام قليلة حتى طار الخبر إلى أبعد بقاع الأرض، وانتشرت في أرجاء المملكة بأسرها قصة مذهلة يتناقلها الصغار والكبار؛ قصة الأطفال البواسل الذين هزموا جيش مملكة الرياح
العارم وصنعوا التاريخ!