مر شهران كاملان على تلك المعركة الملحمية التي سحق فيها الصغار جنود مملكة الرياح وقائدهم فلانكو. استعادت القرية سكينتها بفضل بطولة أطفالها، وغدت حكايتهم تتردد في كل زاوية.

وفي صباح يوم ربيعي مشرق، استيقظ "لي" بنشاط، وتوجه نحو شقيقه "ليو" قائلاً بابتسامة حماسية:

- "ليو، أنا ذاهب لزيارة جدي كورفت اليوم.. هل تود المجيء معي؟"

هز ليو رأسه رفضا وقال بهدوء: "كلا، لن أذهب.. سأبقى هنا في القرية."

عقد لي حاجبيه مستغرباً: "ولكن لماذا؟ جدي يمتلك الكثير من القصص الممتعة والشيقة!"

تنهد ليو وأجاب بنبرة ضجرة: "هو لا يعرف سوى قصة 'يونغ لي' والأسطورة، ويعيدها على مسامعنا باستمرار دون ملل!"

هنا، تدخّل الأب "زيد" الذي كان يرتشف شاي الصباح، وقال موبخاً ليو بلطف: "ليو، لا تتحدث عن جدك هكذا.. إنه يحبكما كثيراً."

شعر ليو بالندم ونكس رأسه قائلاً: "أنا آسف يا أبي، أعلم أنه يحبنا، لكنني أشعر بالملل الشديد من تكرار القصة ذاتها.. أنا آسف حقاً."

ارتسمت على وجه زيد ابتسامة ماكرة، ونظر إلى ابنه بخبث قائلاً: "أوه، فهمت.. أنت تريد البقاء هنا فقط لتكون برفقة رين، أليس كذلك؟"

في تلك اللحظة، تجمد ليو في مكانه، واشتعلت وجنتاه باللون الأحمر القرمزي من شدة الخجل، وتلعثم في الكلام محاولاً الدفاع عن نفسه دون جدوى. تعالت ضحكات زيد وفرح على منظره اللطيف، قبل أن يربت الأب على كتفه قائلاً: "لا تقلق يا بني، أنا أمزح معك فحسب.. حسناً يا لي، استعد سآخذك إلى جدك."

في هذه الأثناء، فُتح باب الغرفة المشتركة، وخرجت منها الأميرة "مالينيا". بدت عليها علامات التعب والنعاس، وشعرها الأحمر منساب بفوضوية.

قال الجميع بصوت واحد: "صباح الخير يا مالينيا."

ردت بصوت خافت ووهن: "صباح الخير جميعاً.." ثم توجهت لتغسل وجهها بالماء البارد لتستعيد وعيها.

أمسك زيد بيد ابنه وقال: "هيا بنا يا لي"، لكن مالينيا أسرعت نحوهما قائلة بفضول: "إلى أين أنتم ذاهبون؟"

أجابها لي: "أنا ذاهب لزيارة جدي في بيته البعيد."

التفت إليها زيد وسألها برفق: "هل ترغبين في المجيء معنا يا مالينيا؟"

فكرت قليلاً ثم قالت بنبرة متلهفة: "نعم! أريد الخروج من هذه القرية قليلاً.. ستكون هذه الرحلة بمثابة نزهة بالنسبة لي."

ابتسم زيد: "حسناً، سآخذكِ معنا.. هيا اذهبي وارتدي ملابسكِ."

انطلقت مالينيا إلى غرفتها، وبعد دقائق خرجت وهي ترتدي واحداً من أجمل فساتينها الملكية الفاخرة التي جلبتها من العاصمة. كان الفستان مطرزاً بخيوط ذهبية تبرز جمالها اللطيف والأنيق. انبهر الجميع من حسنها، وبقوا صامتين لثوانٍ، قبل أن يقطع زيد الصمت بملامح قلقة:

- "مالينيا.. إنكِ تفضحين نفسكِ بهذه الملابس! إذا رآكِ أحد خارج القرية سيعرف فوراً أنكِ من العائلة الملكية، وهذا خطر عليكِ.. يجب أن تغيريها."

تذمرت مالينيا وانزعجت قائلة: "لا أريد! ملابسي جميلة ولا أملك غيرها من هذا الطراز."

تقدمت الأم "فرح" بابتسامة حانية وأمسكت بيدها برفق: "تعالي معي يا سيدة مالينيا، سأساعدكِ في اختيار ملابس ريفية مريحة وبسيطة تلائم النزهة."

بينما كانت مالينيا في الداخل تغير ملابسها بمساعدة فرح، التفت زيد إلى ابنه "لي" وسأله بخفوت: "صحيح يا لي.. هل اعتذرت منك مالينيا عما فعلته في ليلتها الأولى هنا؟ عندما دفعتك من الصخرة؟"

ابتسم لي وقال: "نعم.. ولكن بطريقتها الخاصة والمختلفة."

عقد زيد حاجبيه باستغراب: "كيف ذلك؟"

أجاب لي: "لقد استخدمت سحر الشفاء وعالجت رأسي تماماً بعد أن ضربته بالصخرة في ذلك اليوم."

ضحك زيد وخفف من نبرته: "هذا يبدو ملائماً لشخصيتها تماماً.. إنها مغرورة، وهذا هو طبع الملوك والأمراء."

عقّب لي بنبرة جادة: "في الحقيقة يا أبي، مالينيا فتاة طبيعية وطيبة جداً من الداخل، لكنها تخشى إظهار ذلك لكي لا يراها أحد ضعيفة أو مكسورة."

نظر زيد إلى ابنه بدهشة، ثم انفجر ضاحكاً وهو يربت على ظهره: "ومتي أصبحت محللاً نفسياً وخبيراً في القلوب يا لي؟!"، وشاركه لي الضحك.

خرجت مالينيا وهي ترتدي ملابس ريفية بسيطة لكنها بدت غاية في اللطافة. ودعهم ليو وفرح، وانطلق الثلاثة (زيد، لي، ومالينيا) متوغلين في الغابة الكثيفة التي تؤدي إلى كوخ الجد كورفت.

بينما كانوا يسيرون تحت ظلال الأشجار العالية، التفت لي إلى مالينيا يسألها بمرح:

- "مالينيا، هل أنتِ متحمسة لمقابلة جدي؟"

رفعت مالينيا رأسها بكبرياء وقالت: "أنا متحمسة لأي شيء يخرجني من حدود تلك القرية.. حتى لو كانت رحلة إلى الجحيم!"

شعر لي بحيرة ممزوجة بالضحك وقال مصدوماً: "يا إلهي.. ما زلتِ تمتلكين هذا اللسان السليط!"

ضحك زيد وقال: "هيا توقفا عن الشجار، لقد أوشكنا على الوصول."

بعد خطوات قليلة، لمح لي جده "كورفت" وهو يقف وسط حقل صغير، يحرث الأرض بجهد وممسك بمعوله. ركض لي بأقصى سرعته وهو يصرخ بابتهاج: "جدي كورفت!! جدي!"

التفت الجد، وما إن رأى حفيده حتى ترك المعول من يده وفتح ذراعيه على وسعهما، ليرتمي لي في حضنه الدافئ.

قال كورفت وعيناه تلمعان بالفرح: "حفيدي الصغير لي! لقد اشتقت إليك كثيراً!"

رد لي: "وأنا اشتقت إليك أكثر يا جدي."

تقدم زيد وقال باحترام: "مرحباً يا أبي، كيف حالك؟"

أجابه كورفت وهو يمسح العرق عن جبينه: "بخير يا بني، كما ترى.. أحرث الأرض وأسقي الزرع.. ولكن..."

انقطعت كلمات الجد فجأة عندما وقعت عيناه على الفتاة الواقفة خلف زيد. تنحنح كورفت وتقدم منها بوقار، ماداً يده لمصافحتها: "المعذرة يا صبية.. لم تعرفيني على نفسكِ؟"

وقفت مالينيا بكل رسمية وشموخ، وصافحته قائلة بنبرة ملكية: "أنا أُدعى مالينيا غرينفيل.. سعيدة بلقائك أيها الجد."

اتسعت عينا الجد بصدمة، وتراجع خطوة إلى الوراء متلعثماً: "ماذا؟! من عائلة الغرينفيل الحاكمة؟! ولكن.. لماذا هي معك يا زيد؟"

قال زيد مسرعاً وهو ينظر إلى الأفق: "أبي، إنها قصة طويلة ومعقدة، وسيشرحها لك لي بالتفصيل.. أنا اعتذر بشدة لأنني مستعجل ويجب أن أعود فوراً للقرية."

سأله كورفت بقلق: "هل أنت مستعجل إلى هذا الحد؟"

أومأ زيد برأسه، ثم اقترب من والده وهمس له بحذر وهو يعانقه: "أرجوك يا أبي.. انتبه جيداً لمالينيا، الجميع يسعى وراءها والوضع خطر." ودع زيد ابنه والأميرة، ثم قفل عائداً من حيث أتى.

التفت كورفت إلى الصغيرين وابتسم بدفء: "هيا، تعاليا إلى الداخل.. لدي بعض البسكويت والشاي الساخن."

دخلت مالينيا خلف لي، وما إن وطئت قدمها المنزل حتى أصيبت بالصدمة؛ كان الكوخ صغيراً جداً وبسيطاً، لا يقارن إطلاقاً بحجم الأجنحة الشاهقة في قصرها بالعاصمة.

جلس لي ومالينيا على أريكة خشبية دافئة، وتوجه الجد إلى المطبخ الصغير لإعداد الضيافة. استغلت مالينيا الفرصة وهمست لـ لي بصوت منخفض: "لي.. لماذا بيت جدك صغير وضيق هكذا؟"

أجابها لي بهدوء: "لأنه يعيش بمفرده يا مالينيا.. لماذا قد يحتاج شخص بمفرده إلى بيت كبير وقصر؟"

سألت بفضول: "ألا تمتلك أعماماً أو عمات؟"

تغيرت نبرة لي إلى الحزن قليلاً وقال: "كلا.. أبي كان الابن الوحيد لجدي وجدتي. جدتي ماتت منذ زمن بعيد، أخبرني أبي أنها فارقت الحياة حتى قبل أن يتزوج بأمي.. ومنذ ذلك الوقت، يعيش جدي هنا بمفرده في هذه الغابة، لكننا نزوره باستمرار ويقضي معنا بعض الأوقات لكي لا يشعر بالوحدة."

صمتت مالينيا لبرهة، ونظرت نحو المطبخ بنظرة يملؤها التعاطف، وقالت برقة غير معهودة: "أنا.. أنا أشعر بالحزن لأجله حقاً."

انفجر لي ضاحكاً بنبرة متهكمة: "ماذا؟! لم أسمع جيداً؟ مالينيا المغرورة تمتلك مشاعر إنسانية؟!"

اشتعلت مالينيا غضباً ورفعت يدها لتهوي بها على رأس لي وهي تصرخ: "أيها المزعج!"، لكنها تصنعت الهدوء فجأة وأنزلت يدها عندما دخل الجد كورفت حاملاً صينية الشاي والبسكويت الدافئ.

وضع الجد الطعام على الطاولة وجلس قبالتهما وقال بابتسامة مهتمة: "حسناً الآن.. ما هي قصتكِ يا سيدة مالينيا؟"

تناوب لي ومالينيا على سرد الحكاية كاملة؛ منذ سقوط والديها في الكمين الغادر لمملكة الرياح، وحتى لجوئها إلى القرية والمعركة الأخيرة ضد فلانكو.

استمع الجد بعمق، وظهر الحزن الجلي على وجهه وقام بمسح لحيت البيضاء وقال: "أنا حزين جداً لما أصاب والديكِ يا سيدة مالينيا.. خارقٌ للعادة أن تتحمل فتاة صغيرة مثلكِ كل هذه الصعاب والمآسي."

نظرت مالينيا إلى كفيها وقالت بنبرة خفيضة: "ما زلت لم أتخطَ موتهم حتى الآن.. لكنني استطعت تجاوز بعض الأزمات بسبب لي.. لقد ساعدني نوعاً ما، بطريقته الحمقاء."

ابتسم الجد كورفت ابتسامة عريضة ونظر إليهما بخبث قائلاً: "هذا رائع حقاً.. تبدوان متفاهمين للغاية، وتصلحان كزوجين مستقبليين!"

في تلك اللحظة، أصيب لي ومالينيا بصدمة عارمة، واحمرت وجوههما إحراجاً. صرخ لي هلعاً: "ماذا؟! مالينيا زوجتي؟! لن أسمح بهذا الكابوس أبداً!"

وقفت مالينيا بغضب وهي تشير إليه بصبعها: "ومن قال إنني أقبل بالزواج منك أيها الضعيف المزعج؟!"

ضحك الجد من قلبه وقال مهدئاً الأجواء: "هيا، توقفا عن الشجار.. سآخذكما الآن في جولة إلى الغابة والبحيرة، سنقضي وقتاً ممتعاً."

خرج الثلاثة إلى الطبيعة الخلابة. ساروا بين الأزهار البرية الملونة وتحت ظلال الأشجار العملاقة، حتى وصلوا إلى سهول شاسعة مغطاة بمزارع القمح الذهبية، وتتوسطها طاحونة هوائية قديمة تدور أشرعتها ببطء مع نسمات الهواء. استمتع لي ومالينيا بالمنظر الساحر الذي يبعث الراحة في النفوس.

تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى ضفة نهر متدفق، لم يكن عريضاً جداً لكن تياره كان سريعاً. ركبوا قارباً خشبياً صغيراً، وأمسك كورفت ولي بالمجاديف وبدأوا بالتجديف بمهارة. أما مالينيا، فقد كانت هذه تجربتها الأولى، ولم تكن تعرف كيف تمسك بالمجداف أو تحركه، فبدأت تتخبط يميناً وشمالاً.

حاول لي الاقتراب منها لمساعدتها وتعديل جلستها، لكنه لم ينتبه للصخرة الكبيرة الناتئة وسط الماء.

طَرااااخ!

اصطدم القارب بالصخرة بقوة، واختل توازن لي ليسقط فجأة في الماء! حاولت مالينيا جاهدة الإمساك بيده، لكن أصابعها انزلقت. وقع لي في النهر، وبسبب قوة التيار وجرفه السريع، بدأ بالغرق وجرفه الماء بسرعة فائقة نحو نهاية النهر.. والتي لم تكن سوى شلال شاهق ومرعب!

صرخت مالينيا بذعر: "لي!!"

حاول الجد كورفت التجديف بأقصى قوته للحاق بحفيده، لكن التيار كان أقوى من جسده العجوز بمفرده. و من دون تردد، التقطت مالينيا المجداف الآخر وبدأت تساعد الجد بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة، يجدفان معاً بسرعة جنونية لتقليص المسافة.

اقترب لي من حافة الشلال المميّت وأوشك على السقوط في الهاوية، وفي جزء من الثانية، قفز الجد كورفت في الماء ببطولة، وسبح بضربات قوية حتى أمسك بـ لي، وقذفه بقوة هائلة إلى داخل القارب نحو مالينيا. وبسرعة، اندفع الجد وأمسك بحافة القارب الساقط، وسحب نفسه ومالينيا ولي قاذفاً إياهم نحو الضفة الصخرية الآمنة قبل ثوانٍ معدودة من سقوط القارب الفارغ وتحطمه أسفل الشلال.

استلقى لي على الأرض العشبية للضفة وكان غائباً عن الوعي تماماً. هرعت مالينيا نحوه، وجثت على ركبتيها والدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وهي تهزه برعب: "لي!.. لي أرجوك استيقظ! هل أنت بخير؟ أجبني!"

بدأ الجد كورفت فوراً بالإسعافات الأولية؛ ضغط على صدر الصغير عدة مرات لإخراج الماء المحبوس في رئتيه، ونجح في ذلك حيث سعل لي بشدة وقذف الماء، ثم قام الجد بإنعاشه بإعطائه بعض الهواء. فُتحت عينا لي ببطء، واستعاد أنفاسه ووعيه.

في تلك اللحظة، وبشكل لا إرادي، ارتمت مالينيا فوق صدره واحتضنته بقوة وهي تبكي بنحيب: "لقد ظننت.. ظننت أنك ستموت وتتركني!"

أصيب لي بصدمة ذهول، وتصلب جسده من هذا التصرف العاطفي المفاجئ. فجأة، أدركت مالينيا ما تفعله، فابتعدت عنه بسرعة ووجها يشتعل خجلاً، وحاولت استعادة قناعها الصارم قائلة بتلعثم وغضب متصنع: "كـ.. كلا! قصدت أنني كنت أتمنى موتك لتستريح القرية من إزعاجك!"

ابتسم الجد كورفت بارتياح وقال: "الحمد لله على سلامتك يا لي."

التقط لي أنفاسه وقال بامتنان: "شكراً لك يا جدي.. أنت من أنقذ حياتي."

هز الجد رأسه وقال: "بل يجب عليك شكر مالينيا أيضاً، فلولا شجاعتها ومساعدتها لي في التجديف لما وصلنا إليك في الوقت المناسب."

نهض لي ووقف أمامها، ونظر في عينيها بصدق: "شكراً لكِ يا مالينيا.. شكراً جزيلاً."

أشاحت بنظرها بغرورها المعتاد: "نعم.. يجب عليك شكر أميرة مثلي طوال حياتك."

التفت الجد إلى لي وقال: "هيا يا بني، انزع ملابسك المبتلة وضعها فوق تلك الصخرة تحت أشعة الشمس حتى تجف.. سأذهب أنا لأجمع بعض الحطب للنار."

غادر الجد، وبقي لي ومالينيا بمفردهما. بدأ لي بفك أزرار قميصه المبتل، لكنه لاحظ أن مالينيا تحدق فيه بتركيز تام وعينين متسعتين دون أن ترمش. انحرج لي وصاح بها: "مالينيا! ما بكِ؟ لا تنظري إلي هكذا.. أريد خلع ملابسي لتجف!"

ارتبكت مالينيا وقالت مسرعة: "حـ.. حسناً! سأدير وجهي!"

أدارت مالينيا ظهرها، لكن فضولها غلبها، فاختلست النظر من فوق كتفها ببطء. وفي تلك اللحظة، أصيبت بذهول تام؛ على الرغم من صغر سن لي، إلا أنه كان يمتلك جسداً رياضياً صلباً، وعضلات متناسقة ومقسمة بشكل مثير للإعجاب نتيجة التدريبات القاسية الشاقة التي كان يخوضها.

قالت مالينيا بنبرة منبهرة لم تستطع كتمانها: "كيف.. كيف حصلت على جسد قوي وعضلي كهذا في مثل سنك؟"

التفت لي إليها بسرعة وجسده عارٍ من الأعلى وقال مصدوماً: "ألم أقل لكِ ألا تنظري؟!"

ردت مالينيا محاولة الدفاع عن كبريائها: "وما المشكلة في أن أنظر؟ أنت رجل في النهاية، وما زلت ترتدي ملابسك السفليه !"

ضيق لي عينيه بابتسامة خبيثة ومستفزة وقال: "حسناً إذن.. ما رأيكِ أن تنزعي ملابسكِ أنتِ أيضاً وتدعينني أنظر إليكِ؟ هيا، معاملة بالمثل!"

احمرّ وجه مالينيا تماماً كحبة طماطم ناضجة، وصرخت به وهي تتراجع وتغطي عينيها: "ابتعد عني أيها المنحرف المقزز!! أنا لم أفعل شيئاً كهذا!"

ضحك لي وقال: "إذن لا تنظري إلي مجدداً."

في تلك اللحظات، عاد الجد كورفت وهو يحمل كمية كبيرة من الحطب، وفي يده الأخرى شبكة مليئة بالأسماك النهرية الطازجة الكبيرة. تعجب لي وسأله: "جدي! من أين لك كل هذا السمك؟"

قال كورفت: "لقد ذهبت إلى البحيرة القريبة قبل مجيئكما واصطدت بعضاً منها، وهي الآن جاهزة تماماً للشواء."

حلّ الليل الظلام، وأشعل الجد ناراً دافئة تصدر صريراً مريحاً. وضع الأسماك فوق الجمر وبدأت رائحة الشواء الشهية تنتشر في الأرجاء. جلس الثلاثة حول النار وبدأوا بالأكل.

أخذت مالينيا قضم أولى، وتوسعت عيناها بدهشة عارمة؛ كان مذاق السمك المشوي على الحطب لذيذاً بشكل لا يصدق، يفيض بالنكهة الطبيعية.

لاحظ الجد ملامحها، فقال بنبرة اعتذار: "أنا آسف يا سيدة مالينيا.. أعلم أن هذا الطعام البسيط لا يليق بمقامكِ كأميرة اعتادت على أطعمة القصور الفاخرة."

مضغت مالينيا الطعام بسرعة وقالت بنبرة صادقة: "بالعكس تماماً أيها الجد كورفت!.. هذا السمك أفضل وألذ بكثير من أي سمك تناولته في قصر العاصمة طوال حياتي!"

ابتسم كورفت بارتياح وفخر: "أنا سعيد جداً لأن طعامي نال إعجاب سموّكِ."

بعد أن جفت ملابس لي وارتداها، أخذهم الجد كورفت إلى البحيرة القريبة في عمق الليل. ما إن وصل الأطفال إلى ضفتها حتى حبست الأنفاس من شدة السحر والجمال. كانت مياه البحيرة ساكنة وصافية تماماً كمرآة عملاقة تعكس تفاصيل السماء بدقة؛ آلاف النجوم والمجرات اللامعة كانت تتلألأ على سطح الماء وكأن السماء هبطت إلى الأرض.

تملكت الحماسة قلب مالينيا، فنسيت غرورها وركضت نحو الماء، وانحنت تغرف بيديها الصغيرتين كمية من الماء المليء بالانعكاسات البراقة، والالتفتت نحو لي وعيناها تشعان فرحاً:

- "انظر يا لي!! انظر.. أنا أحمل النجوم بين يدي!"

ابتسم لي بعمق وتقدم منها قائلاً: "هذا مذهل حقاً.. سأفعل مثلكِ!"

بدأ الصغيران باللعب والمرح حول البحيرة، يغرفان الماء ويضحكان بصوت عالٍ، ملقين خلف ظهريهما كل هموم الحرب والمآسي. وكان الجد كورفت يقف بعيداً، يستند على عصاه ويرقبهما بابتسامة حانية ودافئة تملأ وجهه العجوز.

عند منتصف الليل، عاد الثلاثة إلى الكوخ الصغير واستلقوا للنوم. استدارت مالينيا نحو لي في الظلام، وقالت بصوت ناعم وخفيف:

- "شكراً لك يا لي.. اليوم، ولأول مرة منذ وقت طويل، أشعر بأنني على قيد الحياة مجدداً."

نظر لي إليها وابتسم بصدق في عتمة الليل: "لا تقلقي يا مالينيا.. سأكون بجانبكِ دائماً ولن أترككِ بمفردكِ."

أغلقت مالينيا عينيها والراحة تملأ قلبها الصغير، وغط لي في نوم عميق.

وفي تلك الأثناء، كان الجد كورفت ينظر إلى جسديهما الصغيرين المسالمين، وتنهد تنهيدة عميقة وقال بصوت هامس

يملؤه الرجاء:

"أتمنى من كل قلبي.. ألا تدمر قسوة هذا العالم وحروبه مثل هذه العلاقة النقية والجميلة بينهما."

2026/07/21 · 0 مشاهدة · 2352 كلمة
نادي الروايات - 2026