دارت عجلة الأيام في المدرسة رتيبةً متسارعة، حتى ألقى الشتاء بظلاله البيضاء على القرية، ودثرت الثلوج الكثيفة الأسطح والحقول. وفي صباح أحد الأيام الباردة، لاحظت "مالينيا" أن جميع من في المنزل يتصرفون معها بغرابة مريبة؛ همسات مقتضبة بين "زيد" و"فرح"، ونظرات غامضة يتبادلها "لي" و"ليو". أحست أنهم يخفون عنها أمراً ما، لكنها لم تعر الأمر اهتماماً كبيراً، وخرج الأطفال كعادتهم شاقين طريقهم وسط الثلوج نحو المدرسة.
كانت مالينيا تسير بخطوات راقصة، تبتهج بمرأى الندف البيضاء وهي تتساقط. التفت إليها لي متعجباً وسألها:
- "مالينيا، لماذا تبدين منبهرة بالثلج هكذا؟ ألا تثلج في العاصمة الملكية؟"
تنهدت مالينيا وقالت بحزن: "بلى تثلج.. لكن أبي وجدي كانا يمنعاني دائماً من الخروج للعب به خوفاً عليّ."
ابتسم ليو وقال: "حسناً، إذن يمكنكِ اللعب بالثلج كما تشائين اليوم."
أكدت "رين" بحماس: "نعم! سنلعب بكرات الثلج ونصنع معاً رجل ثلج ضخماً!"
غمز ليو شقيقه وقال بنبرة جادة: "لي، لا تنسى.. اليوم هو اليوم المنتظر."
أجاب لي وعيناه تقدحان حماساً: "أنا مستعد تماماً!"
سألت مالينيا باستغراب: "اليوم المنتظر؟ ماذا تعنيان؟"
أوضحت رين وهي تبتسم: "إنه تقليد سنوي بعد انتهاء الدوام؛ حيث ينقسم جميع طلاب المدرسة إلى فريقين ويبدأ تحدي الثلج الكبير بينهما. لي وليو يسعيان للمحافظة على سلسلتهما، فقد كانا الفائزين لأربع سنوات متتالية دون هزيمة!"
هتفت مالينيا بحماس: "هل يمكنني المشاركة معكم؟"
أجاب ليو بثقة: "بالطبع، ستكونين في فريقنا."
فور قرع جرس نهاية الدوام، اندفع الطلاب إلى الساحة الكبرى التي تحولت من خضرة العشب إلى بساط أبيض ممتد. وقف الجميع يختارون فرقهم؛ وتجسد التنافس بوضوح حين وقف الغريم التقليدي "جورج" ومعه "ضحى" و معهم ايضا" ديمون " يقودون فريقاً ضخماً يضم طلاباً من المرحلة السابعة -وهم أكبر سناً وأقوى بنية مقارنة بفريق ليو ورين ومالينيا.
التحدي الأول: بناء رجل الثلج الأسرع
أعلن الحكام البدء مع شرط صارم: يُمنع استخدام السحر منعاً باتاً.
انطلق الجميع كخلايا النحل. ونظراً لأن مالينيا لم تكن تعرف كيف تبنيه، تعاونت مع رين؛ فكانت رين تدحرج الكرات الكبيرة بينما تصنع مالينيا الملامح والتفاصيل. وبفضل العمل الدؤوب والسرعة الفائقة للي وليو، انتهى الوقت وتساوى الفريقان في الدقة والسرعة، ليمنح الحكام نقطة لكل فريق (1 - 1).
التحدي الثاني: المواجهة الفردية (رجل ضد رجل)
يعتمد هذا التحدي على رشق الخصم بكرات الثلج أو طرحه أرضاً لإقصائه. وكالعادة، تقدّم لي بصفته الأقوى في الصراعات البدنية. وخرج لمواجهته من فريق جورج فتى ضخم يُدعى "راموس"، يكبر لي بثلاث سنوات.
التحم الاثنان في عراك قوي؛ حاول راموس رفع لي ليرميه أرضاً، لكن لي قاوم بمرونة شديدة، والتف خلف راموس بسرعة خاطفة ممسكاً بقدمه ليسقطه. تعالت هتافات فريق ليو مشجعة، إلا أن راموس استجمع قوته ورفع لي مجدداً في الهواء. وبذكاء قتالي، أفلت لي من قبضته، وقبض حفنة من الثلج ورماها مباشرة في وجه راموس، ليعميه مؤقتاً. استغل لي الفرصة ودفعه بكل قوته، ليسقط راموس على ظهره معلناً فوز لي. (فريق ليو: 2 | فريق جورج: 1).
اصبح فريق جورج بحيرة من امره فمن يرسلونه لمواجهة لي المتحمس، وفجأة تقدم جورج بنفسه. حاول لي الاقتراب منه، لكن جورج كان يضرب ويتراجع هارباً بذكاء، مستدرجاً لي إلى زاوية معينة. وعندما أطبق لي عليه ليصرعه، انزلقت قدم لي فجأة وسقط على ظهره بقوة، ليقف جورج فوقه معلناً انتصاره!
انصدم لي ونظر إلى الأرض، ليكتشف الخدعة: لقد سكب جورج بعض الماء على الثلج مسبقاً ليجعله زلقاً كالمرايا!
نهض لي غاضباً وصاح: "لقد غششت يا جورج! هذا ليس عدلاً!"
رد جورج ببرود وسخرية: "ولماذا الغش؟ ألا يحق للشخص أن يشرب بعض الماء ويسقط منه القليل؟"
وللأسف، أعلن الحكام احتساب النتيجة: "النقطة تذهب لفريق جورج!"
توالت الجولات الفردية، وتقدم جندي آخر من فريق ليو، لكن جورج الذي استغل الروح المعنوية المرتفعة لفريقه تمكن من هزيمته أيضاً، ليعلن الحكام نهاية التحدي الثاني بتقدم فريق جورج (3 - 2).
التحدي الثالث: لعبة الغميضة الكبرى
لعب ليو ضد جورج (حجرة، ورقة، مقص) لتحديد من يبحث ومن يختبئ. فاز ليو واختار أن يكون فريقه هو الباحث. انطلق فريق جورج يختبئ في أرجاء القرية المكسوة بالثلج. ومع بدء الوقت، نجح فريق ليو بفضل تنسيقهم في العثور على جميع أفراد فريق جورج قبل انتهاء الخمس دقائق، لتصبح النتيجة تعادلاً مطلقاً (3 - 3).
التحدي الأخير: تحدي العلم
وضع الحكام علماً أحمر فوق مرتفع ثلجي في القرية، والفريق الذي يمسك به أولاً يفوز بالبطولة بأكملها. مع إشارة البدء، انطلق الطلاب كالسيل. واندلعت شجارات واشتباكات بدنية عنيفة؛ حيث قام أفراد فريق ليو بإمساك أفراد فريق جورج لمنعهم من التقدم.
التقى لي وجورج مجدداً واشتبكا في عراك ثلجي طاحن، بينما حُصر ليو ورين في مواجهات أخرى. بقيت مالينيا الوحيدة التي نجحت في الإفلات والصعود نحو المرتفع، لكنها وجدت عند القمة "ضحى" قد وصلت بنفس الوقت معها .
نظرت مالينيا إليها وقالت بعينين حادتين: "كنت أتمنى هذه اللحظة حقاً!"
تملك الرعب قلب ضحى، لكن مالينيا اندفعت نحوها تبادلها الضربات وتصرخ: "سأفوز عليكِ!"
حاولت ضحى الدفاع عن نفسها دون جدوى، فجمعت ثلجاً ورمته في وجه مالينيا لتعمي بصرها، ثم ركلتها بقوة لتبتعد عنها، وانطلقت ضحى نحو العلم.
مسحت مالينيا الثلج عن عينيها بسرعة، ورأت ضحى تقترب من العلم، فرمت بنفسها وأمسكت بقدم ضحى لتسحبها أرضاً. وبدلاً من تضييع الوقت في ضربها، نهضت مالينيا وركضت نحو العلم. انتفضت ضحى من خلفها وقبضت بكل غيظ على شعر مالينيا القرمزي الطويل تسحبه بقوة لإيقافها.
أحست مالينيا بألم شديد وشعرت بخصلات من شعرها تتقطع في يد ضحى، لكن كبرياء الأميرة وعنادها جعلها تتقدم رغماً عن الألم، ومدت يدها بكل ما أوتيت من عزم لتستحوذ على العلم الخشبي وتضمه إلى صدرها!
أفلتت ضحى شعرها مصدومة، ورفعت مالينيا العلم عالياً وهي تلهث بابتسامه نصر عريضة: "نجحنا! لقد فزنا!"
هرع فريق ليو نحو المرتفع، وحملوا مالينيا على أكتافهم يطوفون بها الساحة وسط هتافات الفرح العارمة، ممتنين لها لأنها أنقذت السلسلة التاريخية من الانكسار.
عاد الأطفال إلى المنزل مع مغيب الشمس، والوجوه تعلوها ابتسامات النصر. وعندما فتحوا الباب، وجدوا البيت غارقاً في ظلام دامس غريب. وفجأة...
"عيد ميلاد سعيد يا مالينيا!!!"
اشتعلت الأنوار دفعة واحدة، وخرج زيد وفرح من وراء الستائر وسط زينة بسيطة ودافئة. تجمدت مالينيا في مكانها من الصدمة، واتسعت عيناها ولم تدع الكلمات تسعفها. تقدم زيد منها بابتسامة حانية وقدم لها علبة صغيرة: "عيد ميلاد سعيد يا صغيرة، هذه هديتي لكِ." وتبتعتها فرح باحتضانها وتقديم هدية أخرى.
ثم تقدم لي، وليو، ورين معاً، وكان لي يحمل علبة مخملية أنيقة. قال لي بنبرة دافئة: "لقد كانت هذه فكرة ليو منذ البداية.. أتمنى أن تعجبكِ."
أخذت مالينيا العلبة بيدين ترتجفان، وفتحتها لتجد رسالة مطوية بعناية. فتحت الرسالة وقرأت خطاً مألوفاً جعل قلبها يقفز:
"عزيزتي الصغير مالينيا..
أنا مشتاق إليكِ جداً. القصر أصبح موحشاً ومظلماً في غيابكِ، وصرت أتمنى من كل قلبي لو أسمع صوتكِ المزعج وصراخكِ الدائم الذي كان يبعث الحياة في أرجاء المكان. حاولت جاهداً أن أحضر عيد ميلادكِ، لكني لم أستطع بسبب ظروف الحرب الحالية. أكتب لكِ هذه الرسالة من داخل معسكري وأنا أخطط للهجوم القادم.. ولكن عندما تلقيت رسالة سرية من عائلة زيد يخبرونني فيها باقتراب عيد ميلادكِ، قررت أن أرسل لكِ الهدية التي طالما طلبتِها مني..."
قلبت مالينيا الرسالة، لتسقط في كفها قطعة ذهبية براقة؛ خاتم ذهبي مرصع بجوهرة حمراء قانية. تابعت القراءة والدموع تنهمر بغزارة من عينيها:
"... هذا الخاتم هو خاتم والدتكِ الراحلة، وقد أخذته من عائلتها عائلة (الرد هوك)، وهو الآن ملككِ يا صغيرتي. عيد ميلاد سعيد.
جدكِ الملك: كين غرينفيل."
ضمت مالينيا الرسالة والخاتم إلى صدرها وبكت بنحيب يملؤه الفرح والاشتياق، ومسحت دموعها قائلة بصوت متقطع: "شكراً لكم.. شكراً لكم جميعاً.. لا أعرف ماذا أقول أو كيف أشكركم على هذا.."
اقتربت فرح منها ومسحت على شعرها المتقطع برفق وقالت: "أوه يا آنسة مالينيا، هذا ليس وقت البكاء، بل وقت الفرح والاحتفال."
ابتسمت مالينيا وسط دموعها: "أنا ممتنة جداً.. انتم قد أعدتم الحياة لروحي مجدداً."
اندفعت فرح وحضنت مالينيا بقوة، ثم انضم إليهم زيد، ثم لي، وليو، ورين، ليشكلوا جميعاً عناقاً عائلياً دافئاً أنسى الأميرة كل سنوات الوحدة والخوف.
وفجأة، دُفع الباب الخارجي ودخل الجد "كورفت" وهو ينفض الثلج عن معطفه ويحمل صينية مغطاة تفوح منها رائحة زكية: "مرحباً يا رفاق! هل تأخرت؟ لقد أحضرت معي كعكة التفاح الساخنة!"
صاح لي بابتسامة: "جدي!" وركض ليعانقه.
نظر الجد كورفت حوله متفاجئاً من العناق الجماعي والدموع، وقال بفكاهة: "ماذا يحدث هنا؟ لماذا الجميع متعانقون وهناك دموع؟ هل هذه جنازة أم عيد ميلاد؟! هيا تعالوا جميعاً، سوف نأكل ونمرح معاً اليوم!"
وتحت سقف ذلك المنزل الصغير، وفي عمق الشتاء القارس، عاش الجميع ليلة دافئة مليئة بالضحك والفرح، يتناولون كعكة التفاح اللذيذة ويشربون العصير، بينما جلس الخاتم الملكي في إصبع مالينيا، شاهداً على أن العائلة ليست بالدم وحده، بل بالمواقف والقلوب الصادقة.