9 - نسيم الرياح و حكايات الأبطال

مع انقضاء الشتاء، ذاب الجليد وأشرقت الشمس لتعلن قدوم فصل الربيع. لكن مع تقدم الأيام، هلّت ليالٍ حارة على غير المعتاد؛ وكانت المنازل في القرية مصممة هندسياً بجدران سميكة تخزن الحرارة لتدفئة السكان في الشتاء، مما جعلها الآن أشبه بالأفران.

داخل الغرفة، كان "لي" مستلقياً على سريره يتعرق بغزارة ويلهث بصعوبة، بينما كانت "مالينيا" تدور في أرجاء الغرفة بعجز، ممسكة بياقة قميصها وتهزها لعلّها تحظى بنسمة هواء. وفي الشرفة القريبة، جلس "ليو" يقرأ كتابه تحت ضوء القمر، مستمتعاً ببعض الهواء العليل الذي كان يمر عبر الشرفة إلى الغرفة، ولكن بشكل غير كافٍ بالمرة.

تمتم لي بصوت مخنوق: "سأموت من شدة الحر.. لا أستطيع التحمل!"

مسحت مالينيا العرق عن جبينها وقالت بتعب: "في القصر، كان لدينا وسائل خاصة للتبريد وتدوير الهواء باستمرار."

رد لي بحسرة: "حياة الملوك رائعة حقاً.. لو كنت أستطيع استخدام سحر الرياح فقط، لصنعت بعض الهواء لنفسي الآن!"

دخل ليو من الشرفة مبتسماً وسأل شقيقه: "وإلى أين وصلت في تدريبك على سحر الرياح؟"

تنهد لي: "صفر! لم أحقق أي شيء، حتى أن السيد المتذمر تعب من تدريبي وتخلى عني.. لكنني بدأت أتقن سحر النار قليلاً. أتمنى أن أكون مثلك يا ليو، قوياً وموهوباً في السحر."

ابتسم ليو برفق: "كل شخص فينا يمتلك شيئاً يميزه عن الآخرين يا لي."

سأل لي ببراءة: "حقاً؟ وما هو الشيء الذي يميزني أنا؟"

أجابت مالينيا ببرود: "الغباء."

تجمد لي من الصدمة، ثم اشتعل غضباً وحاول الانتفاض من سريره ليهجم عليها، لكن من شدة الإنهاك والحرارة، خانته قواه وسقط أرضاً على بطنه ولم يستطع النهوض.

ضحكت مالينيا بخفة وقالت: "أنا أمزح معك فحسب، لا تأخذ الأمور على محمل الجد."

نهض لي بتثاقل واستلقى على سريره مجدداً، فنظر إليه ليو وقال بجدية: "لي، أنت تستطيع استخدام سحر الرياح الآن إن أردت."

انتفض لي بحماس: "كيف؟! أخبرني!"

أوضح ليو مستنداً إلى الجدار: "كل شخص يمتلك في داخله طاقة تُدعى (الطاقة السحرية)، وهي المسؤولة عن القوة الحيوية في الجسد ولها حد معين. السر يكمن في قدرتك على تحويل هذه الطاقة غير المرئية إلى شيء مادي ملموس، والخطوة الأولى هي أن تشعر بها أولاً."

انخفض حماس لي ونكس رأسه: "ليو، أنت تعلم أنني لا أفقه شيئاً في هذه الأمور النظرية المعقدة."

وعقبت مالينيا: "حتى أنا.. كنت أتجاهل معلمتي الخاصة عندما تبدأ بشرح هذه الفلسفة."

ابتسم ليو: "الأمر أبسط مما تعتقدان. لي، هل تتذكر بماذا شعرت عندما استخدمت سحر النار لأول مرة في الغابة؟"

فكر لي قليلاً: "نعم.. شعرت بحرارة شديدة تتدفق وتتجمع في باطن كفي قبل أن تظهر النار."

هتف ليو: "بالظبط! هذا هو السر. السحر شعور داخلي. وأنتِ يا مالينيا، ماذا تشعرين عندما تستخدمين سحر الشفاء الخاص بكِ؟"

وضعت مالينيا سبابتها على ذقنها: "ممم.. شعور غريب، لكن يمكنني وصفه بالإنتعاش البارد.. يشبه تماماً وضع الكحول المطهر فوق الجرح، ذلك الإحساس بالبرودة والراحة هو ما أشعر به."

قال ليو بابتسامة نصر: "أرأيتِ؟ هذا هو المفتاح. والآن يا لي، عندما تريد استخدام سحر الرياح، لا تفكر بالحرارة، بل تخيل أن الطاقة في داخلك أصبحت خفيفة جداً، وسريعة كالنسيم."

نهض لي وعيناه تتوقدان عزماً: "سأحاول!"

وقف ليو ومالينيا خلفه يرقبان المحاولة. رفع لي يده أمامه، وقال ليو موجهاً: "الآن.. ركز، واشعر بالطاقة وهي تتجمع في راحة يدك."

أغمض لي عينيه، وبدأ يستجمع تركيزه بالكامل. وبعد ثوانٍ، شعر بنبضات دافئة تتحرك من صدره عبر ذراعه.

سأله ليو: "بماذا تشعر الآن؟"

قال لي بتركيز: "شعور مختلف.. لا أشعر بحرارة النار، بل بشيء يتدفق بخفة."

صاح ليو: "هذه فرصتك! اجعلها خفيفة وسريعة في خيالك!"

ضغط لي على أسنانة، وبدأت عروق جبهته ويديه بالظهور من شدة التركيز، وأخذ يصدر همهمات قوية وهو يدفع طاقته إلى أقصى حد. وفجأة...

فُوووووووشّ!

انبثقت من كف لي ضربة رياح عاتية ومفاجئة، وكانت من القوة بحيث ارتد جسده إلى الخلف عنيفاً، ليصطدم بليو ومالينيا، ويتهاوى الثلاثة معاً في كومة واحدة ويرتطمون بالجدار الخشبي للغرفة!

نهض لي وسط الفوضى والغبار، وصاح بسعادة لا توصف وهو يقفز: "هل رأيتم؟! لقد نجحت! لقد استخدمت سحر الرياح!"

لكنه عندما التفت، وجد ليو ومالينيا ينهضان بصعوبة وعلامات الغضب العارم تعلو وجهيهما. قال ليو وهو يمسح الغبار عن كتفه: "ربما.. كان يجدر بي أن أطلب منك عدم استخدامها داخل المنزل."

واندفعت مالينيا نحو لي لتمسكه من ياقته بغيظ، لكن في تلك اللحظة، دُفع باب الغرفة بقوة ودخلت الأم "فرح" فزعة: "ما الذي حدث هنا؟! ما هذه الجلبة؟!"

أفلتت مالينيا ياقة لي مسرعة، وقال ليو بابتسامة محاولاً تلطيف الأجواء: "أمي.. لقد نجح لي في استخدام سحر الرياح لأول مرة!"

تلاشت ملامح الفزع عن وجه فرح، وطارت من السعادة غامرة لي باحتضان دافئ وهي تصيح: "أخيراً! لقد فعلتها يا بني! لقد كاد السيد المحبط أن ينتحر بسبب بطء تعلمك!"

لكن، بينما كانت فرح تضحك، التفتت عيناها نحو نافذة الشرفة... لتجد أن الزجاج قد تحطم تماماً وتناثر إلى أشلاء بفعل عاصفة لي. تحولت ملامح الأم إلى غضب مرعب، وأمسكت بلي من أذنيه قائلة: "ماذا فعلت يا لي؟! هذا الزجاج مستورد وغالٍ جداً! ومن سينظف هذه الفوضى الآن في هذا الجو الحار؟!"

قال ليو مسرعاً: "اهدئي يا أمي، أنا سأتولى تنظيف كل شيء."

وأضافت مالينيا: "السيدة فرح، لا تقلقي بشأن الزجاج، المهم هو أن لي حقق تقدماً كبيراً."

تنفت فرح الصعداء وهدأت ثورتها: "حسناً، أنتم على حق.. لكن بما أن الغرفة امتلأت بالغبار والزجاج والجو خانق، فإننا الليلة.. سننام جميعاً على السطح!"

هتف لي وليو بفرح غامر: "مرحى! النوم على السطح!"

بينما وقفت مالينيا مندهشة، مستغربة من هذه العبارة التي لم تسمع بها في حياتها الملكية قط.

حمل لي وليو فراشيهما، والتفت ليو إلى مالينيا قائلاً: "مالينيا، احملي فراشكِ والحقي بنا."

سألت مالينيا بحيرة: "ماذا تقصد السيدة فرح بالنوم على السطح؟"

أوضح ليو وهو يصعد السلالم الخشبية: "عندما يصبح المنزل حاراً جداً في ليالي الصيف والربيع، نأخذ فرشاتنا ونصعد إلى سطح المنزل لنام تحت السماء المكشوفة، حيث يكون الهواء عليلاً ومنعشاً للغاية."

تحمست مالينيا للفكرة، وسحبت فراشها وسبقت الصبيين ركضاً نحو السطح. وهناك، وجدت زيد وفرح يفرشان أرضية السطح الخشبية الدافئة. صعد لي وليو ووضعوا فرشاتهم بجانب بعضهم البعض، ثم أشعل زيد فانوساً زيتياً صغيراً ليعطي ضوءاً خافتاً ودافئاً للمكان.

استلقت مالينيا على ظهرها، واتسعت عيناها بذهول وهي تتأمل السماء الليلية الشاسعة المرصعة بآلاف النجوم البراقة كالألماس.

لاحظ لي انبهارها وسألها: "ألم تري مثل هذا المنظر في العاصمة من قبل؟"

أجابت بنبرة خافتة: "كلا.."

"لماذا؟ هل العاصمة ليس فيها نجوم؟"

التفتت إليه بغيظ: "بالطبع فيها نجوم أيها الذكي! لكن الأمر مختلف.. نحن في القصور لا ننام على الأسطح بهذه الطريقة البسيطة والحرية."

عقب لي ببراءة: "أوه صحيح، أنتم تمتلكون قصوراً ضخمة.. لكن أخبريني، هل للقصور أسطح أصلاً؟"

صاحت مالينيا وهي غاضبة : "لي! إذا تفوهت بغباء آخر الليلة، سأرميك من أعلى هذا السطح!"

ضحك لي وقال: "حسناً، حسناً، سأسكت."

بعد فترة من الصمت، تقلب لي في فراشه وقال: "مالينيا.. هل تعرفين شيئاً عن تاريخ جدكِ الملك؟ عندما قرأت رسالته في عيد ميلادكِ، بدا لي وكأنه جندي قوي ومرعب."

التفت زيد الذي كان يستمع إليهم وقال بنبرة فخر: "بالتأكيد يا بني.. الملك كين غرينفيل محارب أسطوري وقوي جداً. مالينيا، لابد أنكِ استمعتِ لقصص بطولاته في صغركِ؟"

نكسّت مالينيا رأسها بحزن: "كلا.. جدي وأبي كانا يمنعان أي شخص في القصر من إخباري عن تفاصيل الحروب والدماء، لكي لا تتغير نظرتي البريئة عنه كجد حنون."

ابتسم زيد وقال بصوت خفيض: "حسناً.. أنا مستعد لإخباركِ ببعض الحقائق والبطولات عنه الليلة، لكن بشرط؛ ألا تخبري أحداً أنني أنا من قصّها عليكِ!"

اشتعلت عينا مالينيا بالحماس وجلست في فراشها: "حقاً؟! أرجوك أخبرني، لن أنطق بكلمة!"

سأل لي بدهشة: "لكن يا أبي، كيف تعرف أنت كل هذه التفاصيل عن ملك فرسيفس؟"

أخذ زيد نفساً عميقاً وعادت به الذاكرة للوراء: "لأنني كنت جندياً في جيشه قبل أن أتزوج بأمكم.. لقد كنت أحد المقاتلين في معركة (تل الورود) الشهيرة."

انصدم لي وشعر بحماس جارف، فالتفت إلى شقيقه: "ليو! هل تعرف هذه المعركة؟"

أجاب ليو دون أن يرفع عينيه عن كتابه تحت ضوء الفانوس: "نعم، لقد أخبرني أبي بتفاصيلها من قبل."

صاح لي: "تكلم يا أبي! أخبرنا عنها!"

بدأ زيد يتحدث بنبرة ملحمية: "كنت مجرد جندي شاب في تلك المعركة.. كانت مواجهة طاحنة وعنيفة استمرت لأربع ساعات من القتال المتواصل دون توقف بين جنود مملكتنا وجنود مملكة الرياح. سُميت هذه المعركة بتل الورود بسبب دماء الاعداء التي غطة الورود البيضاء ."

كان لي ومالينيا ينظران إلى زيد بأفواه مفتوحة وعيون متسعة، غارقين في تفاصيل القصة.

أكمل زيد: "كان قادة جيش مملكة الرياح في تلك المعركة هما الأخوان الشقيقان؛ (لبرس) وأخوه (لونفر)..."

قاطعت مالينيا بصدمة: "انتظر! أليس لونفر هو ملك مملكة الرياح الحالي الذي يطاردني؟"

أومأ زيد بجدية: "نعم، في تلك الفترة كان قائداً عسكرياً رفقة أخيه لبرس، وكانا ابني ملك الرياح السابق. المهم.. بعد ساعات من القتال المرير، سقط معظم الرجال أرضاً إما أمواتاً أو من فرط التعب الشديد. ولم يتبقَ واقفاً على قدميه في تلك الساحة سوى أنا.. وجدكِ الملك كين!"

واسترسل زيد وعيناه تلمعان: "كان الملك كين يحمل مطرقته الحربية الضخمة، ويسحق بها رؤوس الأعداء ودروعهم كالإعصار. في تلك الأثناء، اشتبكتُ أنا في نزال فردي ضد لونفر، بينما تقدم الملك كين ليواجه لبرس. وعندما أوشك لبرس على السقوط والهزيمة أمام جدكِ، تركني لونفر مسرعاً واندفع لمساعدة أخيه، ليتعاون الاثنان معاً ضد الملك كين في آن واحد!"

حبس لي ومالينيا أنفاسهما، ليكمل زيد وعلامات الإعجاب على وجهه: "لكن الملك كين لم يكن ضعيفاً البتة! تلقى هجومهما، وبحركة مباغتة، وجه نطحة رأسية هائلة من الخلف أصابت وجه لونفر وجعلته يترنح، ثم انحنى والتقط مطرقته الحربية من الأرض، وهوى بها بكل قوته على لبرس الذي كان يقف أمامه، لتطير خوذته الحديدية في الهواء! حاول لونفر النهوض لمساعدة شقيقه، لكنني تدخلت في الوقت المناسب ووجهت له طعنه قوية جعلته يذهب بعيداً. وفي تلك اللحظة الحاسمة، ضرب الملك كين لبرس بمطرقته في منتصف صدر لبرس فحطم درعه بالكامل، ثم نزل بالضربة القاضية على رأسه.. ليقتله في الحال!"

ارتسمت معالم الذهول والصدمة على وجهي لي ومالينيا، وامتزجت ملامحهما بالاندفاع والوجل.

تابع زيد ونبرته تهدأ: "بعد مقتل أخيه لبرس وسحق جيشه، تملك الرعب قلب لونفر، ففر هارباً بجبن من أرض المعركة.. وبفضل ذلك الانتصار العظيم، نجت مملكة فرسيفس وما زالت قائمة حتى يومنا هذا."

لم يتمالك لي ومالينيا نفسيهما، فانتفضا واقفين فوق الفرش وأخذا يقفزان بحماس كأنهما هما من انتصرا في الحرب!

صاح لي رافعاً قبضته: "عاش الملك كين غرينفيل وصاحب المطرقة الحربية!"

وهتفت مالينيا بفخر: "وعاش المحارب الشجاع عمي زيد الذي قهر ملك الرياح الحالي في شبابه!"

ضحك زيد وهدأهما بيده: "اهدآ قليلاً واجلسا.. فالقصة لم تنتهِ بعد."

جلس الصغيران مجدداً بترقب، وسأل لي: "ماذا حدث بعد ذلك يا أبي؟"

ابتسم زيد والتفت نحو زوجته: "حسناً.. هذه الجزئية هي المفضلة لدي في التاريخ كله، لأنها اللحظة التي التقيت فيها بأمكم."

قاطعت فرح بابتسامة دافئة: "دعني أنا من يخبرهم بهذه الجزئية يا عزيزي."

وضع زيد يده حول كتف فرح بحب: "حسناً، تفضلي."

قالت فرح وعيناها تسترجعان الماضي: "كنت في شبابي جندية قوية ومدربة أيضاً، وكانت عائلتي النبيلة مشاركة في حرب كبرى تُدعى (حرب سقوط الملوك)، وهي الحرب الشاملة التي كانت معركة تل الورود جزءاً منها. سميت بذلك لأن جميع ملوك العالم شاركوا فيها بجيوشهم."

سألت مالينيا بفضول: "حتى ملك الجليد و ملك النار؟"

أومأت فرح: "نعم، جميعهم دون استثناء. وفي إحدى المعارك الشرسة، حوصر فريقي وتمت إبادتهم جميعاً، وكنت الناجية الوحيدة لكنني أصبت بجروح بليغة وسقطت على الأرض فاقدة الوعي وأنزف حتى الموت. وفي تلك اللحظة الحرجة، ظهر رجل طيب وساعدني.. ونقلني إلى كوخ صغير في الغابة، وطلب من ابنه الشاب أن يحميني ويعتني بي."

وتابعت فرح غامزة لزيد: "كان ابن ذلك الرجل يهتم بي بشكل يومي، يطهر جروحي ويصنع لي الدواء بجد، وبقي بجانبي لا يفارقني حتى استعدت عافيتي تماماً. وعندما عدت إلى عائلتي النبيلة والغنية، تفاجأت بعد فترة بأن ذلك الشاب الريفي قد أتى إلى قصر عائلتي يطلب يدي للزواج! أنا وافقت على الفور لأنني أحببته، لكن عائلتي رفضت بشدة بسبب الفارق الطبقي.. وبعد صراع طويل وعناد منه، نجح في إقناعهم وتزوجنا رغماً عن الظروف."

سأل لي بعيون متسعة: "إذن.. الشخص الذي اعتنى بكِ في الكوخ وتزوجكِ هو أبي؟"

ضحكت فرح: "نعم.. وبسبب تلك الحادثة، وقعت في حب هذا الرجل الوسيم."

احمرّ وجه زيد خجلاً وقال بنبرة مرتبكة: "أرجوكِ يا عزيزتي لا تبالغي أمام الأطفال."

أردفت فرح بنبرة مليئة بالمعاني وهي تنظر إلى الصغار: "لقد تخليت عن ثراء عائلتي وحياتي المترفة فقط لأجل والدكم ولأجل هذا البيت الدافئ.. لذا، هل فهمتما المغزى الآن يا لي ومالينيا؟"

في تلك اللحظة، سرت قشعريرة خجل في جسد مالينيا، واحمرت وجنتاها بشدة تحت ضوء القمر وفهمت ما تلمح إليه السيدة فرح. أما لي، فقد بقي يرمش ببلاهة ولم يفهم الرابط بتاتاً.

تنهد زيد ضاحكاً وقال: "حسناً.. كفى حكايات الليلة، كل واحد إلى فراشه الآن."

استلقى لي ومالينيا في فراشيهما متجاورين، ينظران إلى السماء المرصعة بالنجوم. وبدأ يبحثان بأعينهما عن أكبر نجم متلألئ.

انحنى لي قليلاً وهمس بصوت منخفض جداً: "مالينيا.. ماذا كانت تقصد أمي بكلامها ومقارنتها؟ لم أفهم شيئاً."

شعرت مالينيا بالإحراج الشديد، وغطت نصف وجهها باللحاف وهمست بغيظ وخفوت: "إنها تشبه قصتهما.. بنا نحن الاثنان يا أحمق.. كوخ في الغابة، وفتاة هربت من قصرها واعتنى بها فتى ريفي.."

تجمد لي مكانه من الصدمة، واتسعت عيناه وهتف بهمس صارخ: "ماذااا؟! هل تريدين مني أن أتزوجكِ في المستقبل وننجب أطفالاً؟! مستحيل! هذا أبعد ما يكون عن الواقع!"

التفتت إليه مالينيا بعيون مشتعلة وهمست بغضب: "وكأنني ميتة فيك يا لي وقد وافقت على الأمر! هذا لن يحدث إلا في أحلامك الوردية يا لي!"

رد لي بغيظ: "بل هذه كوابيس مرعبة وليست أحلاماً!"

قاطع مشاكستهما صوت زيد الصارم والمرتفع قليلاً من الجانب الآخر للسطح: "لي!.. مالينيا!.. ناما الآن فوراً، وإلا أنزلتكما لتناما داخل المنزل المشتعل وتموتا من شدة الحر!"

وبسرعة البرق، سحب لي اللحاف وغطى رأسه بالكامل، وفعلت مالينيا الشيء نفسه وهي تتحرطم داخلياً. أزاح لي طرف اللحاف قليلاً لينظر لمالينيا، فوجدها تنظر إليه بعينين حانقتين من شق لحافها.. تبادلا النظرات الأخيرة بخجل

طفولي، قبل أن يستسلما لبرودة النسيم الربيعي العليل، ويغطا في نوم عميق تحت حراسة النجوم وحكايات الأبطال.

2026/07/21 · 1 مشاهدة · 2171 كلمة
نادي الروايات - 2026