الفصل الأول: خيط في نهاية المتاهة
لم تكن مدينة أيرثيم مجرد مدينة.
كانت ذاكرةً حجريةً لعالم لم يعد موجوداً. مبانيها لم تُبنَ بقدر ما نُحتت، كأن يداً غير مرئية أمسكت بالزمن وشكّلته على هيئة أقواس وأعمدة وممرات مفتوحة على السماء. حجارتها داكنة تمتص الضوء بدلاً من أن تعكسه، وتمنح الشوارع ظلاً ثقيلاً يجعل المشي فيها أشبه بالمشي داخل لوحة فنان مات منذ قرون وترك عمله غير مكتمل. لكن هذا الثقل بالذات هو ما جذب الناس إليها، من ممالك قريبة وبعيدة، يحملون فضولهم وذهبهم ويبحثون عن شيء لا يستطيع أحدهم تسميته بدقة.
في الأسواق تتشابك لغات لا يفهم بعضها بعضاً، وعلى الطرق تلتقي أزياء تحكي جغرافيا كاملة. هذا هو طابع أيرثيم دائماً، مدينة تجمع ما فرّقته الحروب، ولو لساعات.
لكن صباح ذلك اليوم لم يكن كسائر الصباحات.
في قلب المدينة، كان المبنى الذي يعرفه أهل أيرثيم بـ"دار الذاكرة" يعيش اضطراباً لم يعتده.
كان المبنى في أيامه الهادئة تحفةً معمارية، واجهته مزيّنة بنقوش تصوّر ملوكاً لا يتذكر أحد أسماءهم، وأعمدته الست تحمل سقفاً منحوتاً يبدو وكأنه يتغير حين تنظر إليه من زوايا مختلفة. كان يُفترض أن تكون أبوابه مفتوحة هذا الصباح كالمعتاد.
لكن الأبواب كانت موصدة.
والحراس الذين اعتادوا الوقوف بشموخ بدروعهم الجلدية وسيوفهم في أغمادها، كانوا الآن يعدون في كل اتجاه بأيدٍ لا تفارق مقابض سيوفهم، ووجوهٍ تحمل تعبير من يدرك أنه سيُحاسَب على خطأ وقع وليس بيده منعه.
في الداخل كان الزوار يُحشرون بلطف قسري نحو منتصف القاعة الرئيسية، تجار ورحالة ونبلاء وفضوليون، جميعهم بوجوه تتراوح بين القلق والاستنكار. أحد الحراس كان يرفع يده بحركة تستدعي الهدوء بينما صوته يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
سأله رجل عَلِق قرب المدخل بعباءة تدل على ثراء متوسط:
— "ما الذي يجري هنا؟"
أجابه الحارس بنبرة جافة لا تحتمل النقاش:
— "سُرقت الليلة مخطوطة الاعتراف الخاصة بالملك أوليس الثالث. لن يخرج أحد قبل أن تتم عملية تفتيش شاملة."
تعالت الأصوات فوراً.
تقدّم رجل ضخم البنية، حليته الذهبية تلمع على رقبته، ورفع صوته أكثر مما ينبغي:
— "أنا لن أخضع لأي تفتيش. أتسمع؟ لن أُعامَل كمشتبه به وأنا ضيف في هذه المدينة."
— "القانون لا يستثني أحداً."
— "القانون؟" — ضحك الرجل ضحكة باردة — "حين يعلم سيّدي بما يجري هنا فلن يبقى منكم من يتحدث عن القانون."
فتح الحارس فمه ليرد.
لكن الجدار الشرقي تكلم قبله.
دوّى الانفجار كأن الأرض قررت أن تضع حداً للجدل. اهتزت الأعمدة، تساقطت قطع صغيرة من السقف المنحوت، وانبثق دخان كثيف من الجهة الشرقية. للحظة واحدة توقف كل شيء، ثم انفجر الذعر دفعةً واحدة.
صرخ أحد الحراس من الجهة الشرقية:
— "وجدناه، إنه يتجه للبوابة الشرقية!"
تدفق الحراس جميعهم كموجة في اتجاه واحد، تاركين الفوضى خلفهم تدبّر نفسها.
لكن حين وصلوا إلى البوابة الشرقية لم يجدوا غير الدخان. تفرقوا يبحثون، أيديهم تتخبط في السحابة الرمادية الكثيفة، حتى قال أحدهم بصوت خافت وهو يلتفت حوله:
— "هل كان مجرد تمويه؟"
على الجهة المعاكسة تماماً، عند البوابة الغربية، كان الجواب.
ظهر شاب يركض بسرعة لافتة، عباءته الرمادية تتطاير خلفه وقلنسوتها تكاد تنزلق عن رأسه. فجأة توقف حين وجد أمام البوابة حارسَين يُشهران سيفيهما فور أن وقعت أعينهما عليه.
"تبّاً. اعتقدت أن الانفجار سيوجّههم جميعاً إلى الجهة الشرقية."
نظر خلفه، أصوات تقترب. نظر أمامه، حارسان وسيفان.
"لا خيار أمامي سوى المتابعة."
لم يخفض سرعته. اندفع مباشرة نحو الباب وأشهر سيفه، اصطدم سيفه بسيف أحد الحارسين وانحرفت الضربة جانباً، لكن الحارس الثاني التفّ من حوله محاولاً توجيه ضربة إلى عنقه. ضربه الشاب بقدمه أسفل معدته بقوة كافية لتثنيه للأمام، ثم انزلق من جانبيهما متفادياً القتال.
"إن طالت المعركة فلن يكون هذا لصالحي."
البوابة كانت موصدة، لكن اللوح الزجاجي الذي يعلوها لم يكن كذلك. قفز الشاب، أمسك بحافة الإطار الحجري، ودفع سيفه في الزجاج بكلتا يديه. تحطّم بصوت قاطع، وانفتح الطريق.
خرج من الجانب الآخر.
وجد أمامه حراس المعبد الخارجيين يلتفتون نحوه بوجوه لم تتوقع هذا.
"تبّاً. يا لها من ورطة."
لم ينزل من البوابة. بقي واقفاً فوقها ثانيةً يمسح المحيط بعينيه، ثم قفز نحو عمود البرج الخارجي وتسلّق إلى سطحه المسطح. من هناك التفّ بنظره حول المعبد كله يبحث عن أخف نقطة حراسة.
الجهة الشمالية. حارسان فقط.
أدخل يده في حقيبة جلدية صغيرة كان يلفّها حول خصره تحت العباءة، وأخرج حجراً يشبه الصدفة بلون بني داكن. وزّنه في راحة يده لحظة، ثم رماه بأقصى ما عنده.
الانفجار كان أعلى مما توقّع. دخان أبيض كثيف انتشر كجدار، حجب الرؤية تماماً بين الحارسين وبينه.
"الآن."
قفز من السطح ودخل في السحابة الدخانية يركض. ضيّق عينه الصحيحة، كان يحاول أن يرى في هذا الأبيض الأعمى، حين أحسّ بشيء يشقّ الهواء بسرعة من جانبه الأيمن. لم يستطع حساب المسار بالكامل.
اخترق السيف كتفه الأيمن.
أكمل خطوته دون أن يتوقف. لم يصرخ. فقط أطبق أسنانه وزاد سرعته، وفي ذهنه صوت واحد هادئ بالقدر المقلق:
"تبّاً. إذن هذا يفسّر لماذا هنا الأقل حراسة. وضعوا أقوى حارسَين، من الدرجة السابعة على الأقل."
أخرج السيف من كتفه بحركة واحدة سريعة، رمى حجراً ثانياً باتجاه مصدر الرمية. انفجار آخر أشدّ. استغلّ الثانية وولّى نحو الأحياء الضيقة التي تفتح أمامه مثل شبكة من الظلال.
الدم يتقطّر من يده تاركاً أثراً على الأرض خلفه.
"ندبة أخرى تُضاف إلى المجموع."
ركض حتى ابتلعته الأزقة الضيقة وتلاشى صوت أقدامه في عتمة المدينة، وهو يقسم في نفسه بصوت لا يسمعه غيره:
"أقسم باسمي كيلان يلد أنني لن أموت أو أُقبض عليّ هنا."
حين يتقلص النهار ويبدأ الليل في المطالبة بحقه، تتغير أيرثيم.
تنكمش الأسواق، تختفي الوجوه الفضولية خلف أبواب الفنادق والحانات، ويصبح الهواء أكثر برودة وأقل ازدحاماً. على حافة المدينة حيث تخفّ الأضواء وتتسع المسافات بين المارة، كانت لافتة خشبية فوق مبنى من طابقين تتمايل برفق في نسيم الليل:
**شركة ميزار الناقلة.**
دفع كيلان الباب ودخل.
قبل دخوله بثوانٍ، خرج شخص من المبنى بخطوات سريعة. بنية نحيلة، عباءة تُخفي كل شيء. لم يهتم به كيلان، لكنه سجّله في مكانٍ ما خلف ذهنه.
داخل الشركة كانت القاعة بحجم يقع بالضبط بين الترحيب والضيق. طاولة استقبال تواجه الباب مباشرة، وخلفها يقف رجل في منتصف الثلاثينات، وجهه يحمل ابتسامة من ذلك النوع الذي ينمو مع خدمة الناس. لكن حين وقعت عيناه على الداخل الجديد، على الضمادة البيضاء التي تغطي عينه اليسرى وعلامة الحرق على خده الأيمن والملامح الحادة التي لا تُشجّع على الأسلة، تقلّصت الابتسامة قليلاً دون أن تختفي.
— "مرحباً، كيف أخدمك؟"
— "أريد حجز رحلة ذهاب فقط إلى مدينة إيراس."
تغيّر وجه الرجل بطريقة كيلان يعرفها جيداً.
— "إيراس؟" — قال الموظف بتأنٍّ وكأنه يختار كلماته — "يا سيدي، نحن لا نُرسل رحلات إلى هناك."
— "لماذا؟"
— "لأنها لم تعد المدينة التي ربما سمعت عنها. يسمّيها الناس الآن إيراس المنسية. منذ سنوات وهي تتآكل؛ عصابات وقطّاع طرق ومجرمون لا يجدون مكاناً لهم غيرها. لا توجد شركة مرموقة ترسل عرباتها إلى هناك."
— "أنا لا أطلب منك الذهاب معي، أطلب فقط عربة."
— "والعربة تحتاج سائقاً، والسائق يحتاج أن يعود." — أغلق الرجل يديه فوق الطاولة بحركة نهائية — "المعذرة، هذا ما لا نستطيع تأمينه."
سمع كيلان هذا الكلام بألفاظ مختلفة في سبع شركات على الأقل منذ وصوله إلى هذا الجانب من المملكة. في كل مرة كان يحاول ويُقنع ويصطدم بنفس الجدار. حاول مرة أخرى، بهدوء أولاً ثم بإصرار لم يُخفِه. لكن الرجل كان يُعيد إنتاج نفس الاعتذار بكلمات مختلفة.
استدار كيلان ليغادر.
— "انتظر."
توقف دون أن يلتفت بالكامل.
كانت عيون الموظف على ما يبرز تحت العباءة عند الخصر. مقبض السيف.
— "هل أنت مقاتل؟"
— "رحّالة."
وزّن الرجل الكلمة، ثم نظر إلى الطاولة وكأنه يُناقش نفسه.
— "لديّ عرض. غداً صباحاً لدينا عربة متجهة إلى غابات كيلدور. الزبون حجز منذ قليل لكن ليس لدينا من يؤمّن الطريق، الشركة صغيرة ولا تتحمل تكلفة مرتزقه. إذا قبلت أن تكون حماية لهذه الرحلة، سأوفر لك بعدها عربة خاصة إلى أي مكان تريد."
كيلدور في الاتجاه المعاكس لإيراس. كان يعرف ذلك. لكنه نظر إلى يده، الدم الجاف على أطراف أصابعه، وفكّر في الصباح القادم وحراس المدينة الذين لن يهدأ بالهم.
— "قبلت."
وجد فندقاً صغيراً في زقاق بعيد عن الشوارع الرئيسية. في الطريق إليه كان يلتفت خلفه كلما سمع خطوات، ويضيق في الممرات الضيقة حين يرى ضوء مشعل قادم. المدينة كانت قد هدأت ظاهرياً بعد فوضى الصباح، لكن حراس أيرثيم لم يهدأوا. كان يراهم في مجموعات صغيرة يتحرّكون بنمط لا يشبه دوريات المساء المعتادة.
"هل استشعروا مخلّفات طاقتي الروحية؟"
أسرع خطاه.
الغرفة كانت تملك سريراً وطاولة ونافذة تطل على زقاق مهجور. وهذا كان كافياً.
خلع العباءة وطبقات الملابس في صمت. كشف جسمه في الهواء الساكن. كانت العضلات حقيقية، سنوات من التدريب القسري نسجت جسده بصلابة لا تخطئها العين. لكن بينها كانت قصة أخرى مكتوبة بالندوب، خطوط طويلة باهتة تحكي سيوفاً، ودوائر صغيرة تحكي نصالاً، وعلامة لا تحكي شيئاً بل تحرق على خده الأيمن.
فتح الحقيبة الجلدية وأخرج قماشة ملفوفة بإحكام. نشرها على الطاولة وأخرج من داخلها شيئاً يشبه الطين اللزج بلون داكن. وضعه على الجرح في كتفه بحركة من اعتاد تضميد نفسه بنفسه.
"ندبة أخرى تُضاف إلى المجموع."
أخرج بعدها كتاباً قديماً، غلافه الجلدي متآكل من كثرة ما فُتح وأُغلق. وإلى جانبه مخطوطة ورقية مُهترئة الأطراف يحتضنها خيط ذهبي رفيع. جلس على حافة السرير وفكّ الخيط بأصابع تعرف هذه اللحظة جيداً.
المخطوطة من الداخل مليئة بكتابة ليست من أي لسان يعرفه. رموز تشبه اللغة وتأبى أن تكونها. لكن الجدار كان يتآكل، خمس سنوات فعلت فعلها.
أخرج المجلد. خمس صفحات مكتوبة بخط يده، والسادسة فارغة تنتظر. أمسك القلم.
وفي صمت الغرفة قال لنفسه بصوت أخفض من الهمس:
"خطوة واحدة. خمس سنوات وخطوة واحدة."
ثم انحنى على الورق.
لم يشعر بالليل يمر. لم يشعر بالشمعة تذوب. حتى كاد يُنهي الصفحة السادسة حين وقع بصره على النافذة.
الفجر.
ومع الفجر، حركة في الزقاق تحته. مجموعة من حراس المدينة يتحركون ببطء منهجي يفتشون البنايات واحدة تلو الأخرى.
"تبّاً."
أغلق المجلد، لفّ المخطوطة، أعاد كل شيء إلى الحقيبة بحركات تحفظها يداه. ارتدى ملابسه وعباءته، ترك على الطاولة عشر عملات فضية، وفتح النافذة.
نزل من الفندق كما لم يدخله.
أمام مبنى شركة ميزار الناقلة، كانت العربة جاهزة.
حصانان رماديان يقفان بهدوء مُدرَّب، وفوق المقعد الأمامي يجلس رجل في عقده الخامس. بنية عريضة صنعها العمل لا غيره، وجهه أسمر مُجعَّد بالطرق الطويلة، وعيناه تقرآن الأفق بمودة من اعتاد الطرقات حتى صارت له أصدقاء.
الموظف كان على الأرض بجانبه، ابتسامته الصباحية أوسع مما ينبغي لهذه الساعة.
— "هذا مانويل، أفضل سائق لدينا وقائد الرحلة." — ثم التفت نحو الرجل الأكبر — "ومانويل، هذا هو الشخص الذي سيؤمّن طريقك."
أمعن مانويل النظر في كيلان بعينين هادئتين لا تستعجلان الحكم، ثم أومأ برأسه بمودة بسيطة.
وسط ذلك جاءت الشخصية الثالثة.
كانت تمشي نحو العربة بخطوات صغيرة حذرة، مغلّفة بعباءة لا تُفصح عن شيء. جسدها خفيف وقامتها أقصر من المتوقع. لكن الشمس الصباحية كانت تتسرب من أطراف قلنسوتها بلا استئذان، تكشف ما يكفي: وجه ناعم، وعينان بلون السماء في منتصف النهار.
— "وهذه هي صاحبة الرحلة." — قال الموظف مرحّباً حين رآها.
ولما وقعت عيناها على وجه كيلان، على الضمادة البيضاء وعلامة الحرق والعين الواحدة التي تنظر بثبات أكثر مما ينبغي، توقف شيء ما في ملامحها. لم يكن خوفاً بالضبط. لكنه توتر من ذلك النوع الذي لا يولد من فراغ.
لاحظ ذلك كيلان. لاحظه كما يلاحظ الريح التي تتغير قبل العاصفة، ليس بالضرورة لأنه يشك فيها، بل لأن سنوات علّمته أن يُسجّل كل شيء يتغير من حوله.
— "هيّا بنا، فالوقت لا ينتظر."
قطع صوت مانويل الأجش اللحظة. ركبت الفتاة داخل العربة، وجلس كيلان بجانب مانويل على المقعد الأمامي.
وتحركت العربة.
تركت أيرثيم أسوارها خلفها تدريجياً، وانفتح الطريق على امتداد مفتوح. أشجار متفرقة على الجانبين وهواء بارد يحمل رائحة الأرض المبللة بأمطار الليل.
جلس كيلان صامتاً يبدو لمن لا يعرفه مجرد متأمل، لكن حواسه كانت تمسح الأشجار وتقيس المسافات وتسمع ما وراء صوت الحوافر.
— "منذ متى وأنت تعمل مقاتلاً؟"
سأل مانويل دون أن يرفع بصره عن الطريق، بنبرة من يملأ الصمت لا من يستجوب.
— "لا أقاتل باختياري." — قال كيلان بعد لحظة — "فُرض عليّ الأمر منذ وقت طويل."
أومأ مانويل بهدوء كمن يفهم أكثر مما يُظهر، ولم يسأل أكثر.
فكّر كيلان في الصفحة السادسة. في الخطوة الأخيرة. في المغارة التي باتت أخيراً في نطاق الممكن.
فتح مانويل فمه ثانيةً وهو ينظر إلى الأمام:
— "بعد هذا المنعطف يبدأ جسر أيرثيم. قديم لكنه ثابت، والفيضانات لم تؤثر فيه كثيراً."
نظر كيلان إلى الجسر الحجري يمتد أمامهم فوق نهر صغير منتفخ بمياه الأمطار. حجارته داكنة وأعمدته ضخمة تبدو وكأنها تحمل وزناً أكبر من وزن كل ما عبر فوقها.
دخلت العربة على الجسر.
وقعات الحوافر على الحجر تملأ الهواء البارد بإيقاع منتظم. ثم اختلط بها شيء آخر. خشخشة خفيفة من وراء الأعمدة على الجانبين. حركة لا يسمعها إلا من تعلم كيف ينصت.
سمعها كيلان.
وقبل أن تُكمل العربة نصف الجسر، خرجوا.
أربعة أشخاص.
تموضعهم لم يكن عشوائياً. اثنان في المقدمة يسدّان الطريق، واثنان على الجانبين يقطعان احتمال الالتفاف. أسلحتهم مشهرة، ووجوههم تحمل ذلك الفراغ المحسوب الذي يسبق العنف المقرر.
ومن أمامهم جميعاً، مربوط بحبل غليظ في يد الرجل الأوسط، كان الذئب.
لم يكن ضالاً ولم يكن يُشبه أيّ ذئب رآه كيلان من قبل. ضخم وهادئ بطريقة مقلقة، عيناه الصفراوتان ثابتتان على العربة بتركيز لا ينشغل بشيء آخر. لم ينبح. لم يتحرك. فقط نظر، بالطريقة التي ينظر بها كائن يعرف أنه لا يحتاج إلى العجلة.
توقفت العربة.
توقف كل شيء.
وفي الصمت الذي تمدّد بين الطرفين كخيط مشدود على وشك الانقطاع، لم يتحرك كيلان. لم يضع يده على السيف. لم يقل كلمة.
فقط نظر إليهم بتلك العين الواحدة الهادئة التي رأت ما يكفي من هذا العالم حتى أصبح الخوف رفاهية لا يملكها.
*نهاية الفصل...*