الفصل الأول: صدعٌ في النسيج
كانت السماء في ذلك الصباح صافيةً بشكل غريب، وكأن الخريف قرر أن يمنح المدينة نفَسًا أخيرًا من الدفء قبل أن يسلّمها لبرد الشتاء الزاحف. أشارت الساعة إلى السابعة وعشر دقائق حين خرج راي من باب البيت، حقيبته على كتفه، وخصلة من شعره الأسود تتدلى على جبهته دون أن يكلف نفسه عناء ترتيبها.
"لا تتأخر بعد الدروس يا راي، سأحضّر العشاء مبكرًا اليوم"، قالت أمه من خلف الباب، وصوتها يحمل ذلك المزيج المعتاد من الحزم والحنان.
"لن أتأخر"، أجاب دون أن يلتفت، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه، كالعادة، سيتأخر قليلًا في المكتبة العامة القريبة من المدرسة، يقلّب كتابًا أو اثنين قبل أن يتذكر الوقت.
كان الخميس، الرابع عشر من أكتوبر، يومًا كباقي أيامه؛ طريق مألوف، وجوه مألوفة، وأزقة ضيقة يعرف كل حجر فيها. لكن راي، رغم عاديّته الظاهرة، كان يحمل في داخله شيئًا لم يفهمه أحد من حوله بعد: فضولًا لا يهدأ. لم يكن يسعى وراء المركز الأول في الصف، ولا وراء إعجاب المعلمين، بل كان يقرأ كل شيء يقع بين يديه لسبب واحد فقط؛ لأنه يريد أن يعرف. لماذا تدور الأرض؟ لماذا ينهار نجم بعد مليارات السنين من احتراقه الهادئ؟ لماذا يكذب الناس أحيانًا وهم يعلمون أن الكذب سيُكتشف عاجلًا أم آجلًا؟ أسئلة صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت تملأ رأسه أكثر من أي طموح آخر قد يخطر على بال شاب في السابعة عشرة من عمره.
في حصة الفيزياء، وبينما كان الأستاذ سالم يشرح قوانين الديناميكا الحرارية بصوت رتيب أنهك معظم الطلاب حتى قبل منتصف الحصة، كان راي يدوّن على هامش دفتره معادلة مختلفة تمامًا؛ محاولةً شخصيةً منه لفهم سبب ظهور بعض الظواهر الفيزيائية وكأنها تتناقض مع الحدس البشري رغم صحتها الرياضية الكاملة. لم يكن يفعل ذلك ليتفوق على أحد، بل لأن السؤال كان يزعجه فعلًا حتى يجد له تفسيرًا مقنعًا.
"راي"، ناداه الأستاذ فجأة، وقد لاحظ شروده، "بما أنك تبدو مشغولًا بشيء أهم من درسي، أخبرنا: ماذا يحدث للطاقة حين ينتقل النظام من حالة إلى أخرى دون أن تُفقد؟"
رفع راي رأسه بهدوء، وكأن السؤال لم يفاجئه على الإطلاق.
"لا تُفقد الطاقة يا أستاذ، بل تتحول من صورة إلى أخرى. لكن الجزء الأكثر إثارة ليس في القانون نفسه، بل في السؤال الذي لا يطرحه أحد: من قال إن ما نسميه فقدانًا للطاقة ليس مجرد جهلٍ منا بالمكان الذي ذهبت إليه؟"
ساد الصف صمت قصير، ثم ضحك بعض الطلاب، بينما ابتسم الأستاذ سالم ابتسامة خفيفة وهو يهز رأسه، غير متأكد إن كان عليه أن يوبخ الفتى على جرأته أم يشكره على فضوله النادر.
عند الاستراحة، جلس راي في زاوية الساحة المعتادة، يقلّب صفحات كتاب قديم اشتراه من سوق الكتب المستعملة قبل أسبوعين، حين جاء يوسف، صديقه الوحيد الذي اعتاد على صمته الطويل، وجلس بجانبه على الدرج الحجري.
"كتاب آخر؟ ألا تتعب من القراءة يومًا؟" سأل يوسف وهو يمضغ شطيرته بلا اكتراث.
"الكتب لا تُتعب أحدًا يا يوسف، الجهل هو المتعب"، أجاب راي دون أن يرفع عينيه عن الصفحة.
"فيلسوف الحي مرة أخرى"، ضحك يوسف. "بصراحة، أحيانًا أتساءل ما الذي يجول في رأسك. أنت لا تشبه أحدًا هنا، لا تسعى للمركز الأول، ولا يهمك رأي أحد فيك، لكنك تعرف أشياء لا يعرفها حتى معلمونا."
هز راي كتفيه بابتسامة خفيفة. لم يكن يعرف كيف يشرح لصديقه أن الأمر لا يتعلق بالتميز على الإطلاق، بل بشعور غامض راوده منذ الصغر بأن هناك دائمًا طبقة أعمق تحت كل شيء يراه أو يسمعه، وأنه لن يرتاح حتى يكتشف ما تحتها.
بعد انتهاء الحصص، ودّع راي يوسف عند تقاطع الشارعين المعتاد، واتجه نحو طريقه الخاص إلى البيت؛ الزقاق الضيق المحاذي لمبنى قديم مهجور. كان أغلب الناس يتجنبونه لأسباب لا أحد يذكرها بوضوح، لكن راي كان يسلكه كل يوم تقريبًا، مفتونًا بجدرانه المتصدعة وصمته الغريب وسط ضجيج المدينة المحيطة.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الأفق، ترسم على الجدران ظلالًا طويلة بلون برتقالي داكن، وحمل الهواء رائحة الأوراق اليابسة ممزوجةً برائحة الغبار القديم المنبعث من المبنى المهجور. توقف راي للحظة عند بابه الصدئ، كما يفعل في كل مرة، متسائلًا عمّا كان يُستخدم هذا المكان من قبل، ولماذا يشعر دائمًا، حين يمر من هنا، بأن الهواء نفسه أثقل قليلًا من أي مكان آخر في المدينة.
كان أطفال الحي يتناقلون عن هذا المبنى حكايات متضاربة؛ البعض يقول إنه كان مصنعًا قديمًا أُغلق بعد حادث غامض لم يوضحه أحد قط، والبعض الآخر يجزم أنه لم يكن يومًا سوى واجهة فارغة لا شيء خلفها. لم يصدّق راي أيًّا من الروايتين، لكنه لم يكذبهما تمامًا أيضًا؛ فقط اعتبرهما لغزًا صغيرًا آخر يُضاف إلى قائمة طويلة من الألغاز التي يحب أن يحملها في ذهنه دون أن يستعجل حلّها، كمن يدّخر أسئلةً ليوم لاحق قد لا يأتي أبدًا.
اليوم، كان ذلك الشعور أقوى من المعتاد بكثير.
توقفت الرياح فجأة. لم تكن هناك عاصفة، ولا نذير مسبق، فقط توقفٌ مباغت جعل الأوراق المتساقطة تتجمد في الهواء لجزء من الثانية قبل أن تهوي كالمعتاد إلى الأرض. نظر راي حوله بحذر، شاعرًا بشيء يشبه الوخز الخفيف يسري في جلده، وكأن الفضاء نفسه يحبس أنفاسه فجأة.
ثم رآه.
عند زاوية الجدار، حيث لم يكن هناك شيء قبل لحظات، ظهر خط رفيع أسود يشق الهواء، تتلألأ حوافه بلون فضي باهت، أشبه بشرخ في زجاج غير مرئي يفصل العالم عن شيء آخر تمامًا. لم يصدر عنه أي صوت، ولم تتحرك حوله ذرة غبار واحدة، لكنه كان هناك، حقيقيًا بقدر ما هو مستحيل التصديق.
خطا راي خطوة إلى الوراء بغريزة الحذر الطبيعية، لكن فضوله، ذلك الفضول الذي رافقه طوال حياته دون أن يفارقه يومًا، شدّه خطوة إلى الأمام في اللحظة نفسها. اقترب أكثر، ومد يده دون تفكير واعٍ منه، وكأن جزءًا خفيًا فيه كان يعرف، منذ البداية، أن هذا الشرخ لم يظهر بمحض الصدفة، وأنه ظهر له تحديدًا.
لامست أطراف أصابعه حافة الشق الأسود الباردة.
وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح كل شيء دفعة واحدة.
لم يكن سقوطًا بالمعنى المألوف؛ لا اتجاه إلى الأسفل، ولا هواء يصفر حول جسده المنكمش من الرعب، بل إحساس خانق بأن الوجود نفسه انقلب رأسًا على عقب دون سابق إنذار. اختفت الحقيبة عن كتفه، واختفى صوت المدينة تمامًا، بل اختفى حتى وزن جسده الذي اعتاد عليه طوال سبعة عشر عامًا. رأى راي حوله ألوانًا لا اسم لها في أي لغة يعرفها، أطيافًا تنبض وكأنها كائنات حية تتنفس، وأصواتًا أشبه بهمسات ملايين اللغات تتحدث في وقت واحد ثم تصمت فجأة كأنها لم تكن.
حاول أن يصرخ، لكن لا فم له في تلك اللحظة العابرة للزمن، ولا صوت يخرج منه. حاول أن يفكر، لكن أفكاره نفسها بدت وكأنها تسبح في فراغ لا قاع له ولا نهاية. مرّت أمام ما تبقى من وعيه ومضات متقطعة: وجه أمه وهي تودّعه عند الباب، ضحكة يوسف الخفيفة، صفحات كتابه القديم تتطاير في العدم، ثم لا شيء سوى ذلك السكون الرهيب الذي يبتلع كل شيء. استمر ذلك السقوط، إن جاز له أصلًا أن يسميه سقوطًا، لما شعر أنه أبدية مصغرة كاملة، قبل أن يشعر فجأة، ودون مقدمات، بأرضية صلبة باردة تحت قدميه العاريتين من كل إحساس.
فتح عينيه ببطء شديد، وكأنه يخشى ما قد يراه.
لم يكن في الزقاق. لم يكن في المدينة التي عاش فيها طوال حياته. لم يكن، في الواقع، في أي مكان يشبه، ولو من بعيد، ما عرفه يومًا من حياته القصيرة.
امتدت أمامه أروقة لا نهاية لها، ورفوف من خشب داكن عريق تلامس ارتفاعات لا تقدر عيناه على تمييز أعلاها، محمّلة بكتب لا تُحصى ولا تُعد. بعضها يلمع بضوء ذهبي خافت من تلقاء نفسه دون مصدر واضح، وبعضها الآخر يهمس بصوت لا يُسمع إلا إذا اقترب المرء منه بما يكفي. لم يكن هناك أي غبار كما يُفترض بمكان قديم كهذا، ولم تكن هناك رائحة عفن أو تحلل، بل سكون تام وثقيل، يشبه سكون مكان توقف فيه الزمن نفسه منذ الأزل السحيق.
نهض راي بحذر شديد، وقلبه يخفق بقوة تكاد تُسمع، وعقله يحاول عبثًا أن يجد تفسيرًا منطقيًا واحدًا لكل ما يراه أمامه. سار خطوات قليلة مترددة بين الرفوف الهائلة الارتفاع، شاعرًا بضآلته الشديدة أمام هذا الاتساع الذي لا يشبه على الإطلاق أي مكتبة عامة زارها من قبل في حياته.
ثم، من بعيد، في عمق ذلك الامتداد اللانهائي من المعرفة الصامتة المتراصة، لمح توهجًا خافتًا يثير في صدره فضولًا يفوق كل خوفه.
كرة صغيرة، سوداء بلون الليل الدامس، لكن حوافها تنبض ببطء بضوء فضي هادئ كأنفاس كائن نائم، كانت تطفو في وسط قاعة دائرية بعيدة، وكأنها تنتظره هناك منذ زمن سحيق يفوق كل تصور بشري.
خطا راي نحوها، خطوة بعد أخرى، وهو لا يعلم بعد أن هذه الخطوات القليلة المترددة ستكون بداية رحلة تمتد عبر مليارات السنين القادمة.