الفصل الثاني: مكتبة خارج الزمن

لم يكن ثمة صوت يوجّه خطوات راي، ولا حتى نسمة هواء تهمس بشيء، لكنه مضى نحو ذلك التوهج البعيد، وكأن جزءًا منه يعرف الطريق قبل أن تخطوه قدماه. مع كل خطوة، بدا له أن المسافة بينه وبين القاعة الدائرية لا تتقلّص بالمعدل الذي توقعه؛ فتارة يشعر أنه اقترب كثيرًا، وتارة أخرى يبدو التوهج بعيدًا كما كان في البداية تمامًا، وكأن المكان نفسه لا يخضع لقوانين المسافة التي عرفها طوال سبعة عشر عامًا من حياته.

رفع بصره إلى الرفوف المحيطة به، فأدرك للمرة الأولى حجم ما وقع فيه. لم تكن رفوفًا من خشب عادي، مهما بدت للوهلة الأولى؛ سطحها الداكن العريق يحمل نقشًا دقيقًا من رموز لا تشبه أي أبجدية رآها في كتاب مدرسي أو معجم لغوي، خطوط تتعرّج وتلتف حول بعضها، كأنها كائنات حية جُمّدت في لحظة حركتها. ارتفعت هذه الرفوف إلى ما بعد مجال رؤيته، تتلاشى تدريجيًا في عتمة رمادية ناعمة لم يستطع تحديد أين تنتهي، وكأن من بناها لم يكترث يومًا لفكرة "السقف".

الكتب نفسها كانت أغرب ما في المشهد. آلاف، بل ملايين المجلدات المصفوفة بعناية مطلقة، بعضها يلمع بضوء ذهبي خافت من تلقاء نفسه، ينبض بهدوء كأنفاس نائم عميق النوم، وبعضها الآخر معتم تمامًا، صامت، وكأنه ينتظر شيئًا لم يحن أوانه بعد. حين اقترب راي بما يكفي من أحد الرفوف، سمع همسًا خفيفًا، لا كلمات فيه، مجرد أصوات متداخلة أشبه بحفيف أوراق يتحدث فيما بينه بلغة لا يفهمها، ثم توقف الهمس فجأة حين ابتعد خطوة إلى الوراء، وكأن الكتب أدركت وجوده وقررت الصمت من جديد.

لم تكن الرفوف تمتد في خط واحد متصل، بل كانت تتوزع على هيئة أروقة متشعبة، يفصل بينها، بين الحين والآخر، قنطرة حجرية ضخمة منحوتة بعناية فائقة. كل قنطرة تحمل على تاجها رمزًا مختلفًا عن سابقتها؛ رمز يشبه لهبًا متجمدًا هنا، وآخر أقرب إلى دوامة مياه صامتة هناك، وثالث يشبه تاجًا معدنيًا محاطًا بتروس دقيقة. لم يفهم راي معنى أيٍّ من هذه الرموز، لكنه أدرك بغريزته أن كل قنطرة تفصل بين "شيء" وآخر، وكأن هذا الكم الهائل من المعرفة لم يُكدَّس عشوائيًا، بل رُتِّب وفق نظام دقيق يعجز عقله البشري المحدود عن استيعابه دفعة واحدة.

وبين وقت وآخر، كان يلمح من طرف عينه جسورًا رفيعة من ضوءٍ صرف تمتد بين مستويات متباعدة من الرفوف، تصل إلى ارتفاعات لا يقدر عليها أي سلم عرفه يومًا. بعضها يتحرك ببطء شديد، كأنه ينتقل من موضع إلى آخر بإرادته الخاصة، وبعضها الآخر ثابت جامد كجسر حجري تقليدي. لم يجرؤ على الاقتراب من أي منها، مكتفيًا بمراقبتها من بعيد وهو يواصل طريقه، شاعرًا في كل لحظة بأنه مجرد ذرة تائهة داخل بنية أكبر من أن يحيط بها فهم بشري واحد، مهما بلغ فضوله.

لم تكن هناك رائحة عفن كما توقع من مكان بهذا القِدم الموحي، بل رائحة غريبة يصعب وصفها، أقرب إلى رائحة الهواء بعد عاصفة رعدية ممزوجة بدفء حجر ظل تحت شمس طويلة. كانت تسبح في الهواء الساكن ذرات ضوء صغيرة، تتحرك ببطء شديد، وكأنها يراعات حبيسة لحظة معينة من الزمن، لا تسقط ولا ترتفع، فقط تطفو بلا هدف واضح، تمامًا كما توقف سقوط أوراق الخريف قبل أن ينفتح ذلك الشق الأسود في عالمه القديم.

عند نقطة ما من مسيره، نظر راي إلى الأسفل، فأدرك أن الأرضية التي يقف عليها ليست حجرًا ولا رخامًا، بل سطحًا شفافًا أشبه بالزجاج أو الكريستال الصافي، يكشف تحته عن هاوية من رفوف أخرى مماثلة تمتد إلى أعماق لا نهاية لها، وكأن المكتبة تتكرر إلى ما لا نهاية أسفله، تمامًا كما تتكرر فوقه. أمسك بحافة أقرب رف بيد مرتجفة قليلًا، محاولًا استعادة توازنه بعد دوار خاطف تملّكه من هول ذلك المنظر.

وحينها لمح ذلك النهر.

بمحاذاة قاعدة الرفوف، يمتد مجرى ضيق من سائل فضي مزرق يتلألأ بلا صوت، لا يشبه الماء في شيء سوى حركته الهادئة المتدفقة. حين اقترب راي منه بحذر، رأى انعكاسات غريبة تتراقص على سطحه؛ ومضات من مشاهد لم يعشها، ووجوهًا لا يعرفها، وأماكن لم يطأها قط، تظهر للحظة ثم تذوب في التيار الفضي، وكأنها لم تكن. لم يجرؤ على لمس ذلك النهر، فقط وقف يراقبه للحظات، متسائلًا بصمت إن كان هذا هو "نهر الزمن" الذي شعر أن اسمه يتردد في أعماقه دون أن يعرف مصدر هذا الشعور الغريب.

استجمع بعض شجاعته، ومد يده نحو أحد الكتب القريبة منه، مدفوعًا بذلك الفضول الذي لم يفارقه يومًا من حياته. بمجرد أن لامست أطراف أصابعه غلاف الكتاب البارد، تحركت الحروف المنقوشة عليه فجأة، تعيد ترتيب نفسها أمام عينيه إلى رموز جديدة كليًا، ثم سرت نبضة خفيفة عبر يده، أشبه بتيار كهربائي ضعيف جدًا، جعلته يسحب يده بسرعة وهو يلهث قليلًا. لم ينتقل إليه أي شيء يمكن أن يسميه معرفة، لكن الكتاب أضاء ببريق أقوى قليلًا، وكأنه لاحظ لمسته، ثم عاد إلى خفوته الأول ببطء.

واصل السير، وقد بدأ يشعر أن هذا المكان لا يراقبه بعين واحدة، بل بآلاف العيون الصامتة المتناثرة بين كل هذه الصفحات المكدسة عبر ما يشبه الأبدية. رفع بصره أعلى فأعلى، محاولًا إيجاد سقف يقيّد هذا الاتساع الرهيب، لكنه لم يجد سوى عتمة تتخللها نقاط ضوء بعيدة متناثرة، أشبه بنجوم معلّقة في سماء داخلية لا صلة لها بأي سماء رآها فوق مدينته الصغيرة يومًا.

عند نقطة ما، لم يعد راي قادرًا على تحمّل هذا الصمت المطبق وحده، فحاول أن يكسره بصوته.

"هل هناك أحد؟"

سأل بصوت أجش، أعلى قليلًا مما قصد، لكن الكلمات لم تتردد كما توقع؛ لم يسمع صدى طبيعيًا يرتد من الرفوف البعيدة، بل شعر أن صوته ابتُلع فورًا، وكأن المكان امتصّه كما تمتص الرمال قطرة ماء وحيدة، دون أن يترك أثرًا واحدًا يدل على أنه قيل أصلًا. لم يكرر السؤال؛ فقد أدرك، بشيء أشبه باليقين المفاجئ، أنه وحيد تمامًا هنا، وأن لا أحد سيجيبه سوى ذلك التوهج البعيد الذي يقصده.

في خضم كل هذا الذهول، ومضت في ذهنه صورة أمه واقفة عند الباب، وصوت يوسف يضحك من فلسفته "المملة"، كما كان يصفها، فشعر بغصة سريعة في حلقه. لم يكن يعرف إن كان سيعود إلى ذلك اليوم العادي يومًا، ولا حتى إن كانت الأيام هناك لا تزال تُحسب بالطريقة نفسها التي اعتادها. حاول للحظة أن يتخيل ما ستفعله أمه لو رأته الآن، ضائعًا بين رفوف تلامس اللانهاية، لكنه طرد الفكرة سريعًا؛ فالوقوف عند الخوف لن يعيده إلى بيته، ولن يمنحه سوى مزيد من الشلل في مكان لا مجال فيه للتردد الطويل.

دفع هذا الخوف جانبًا بحزم، وقرر أن يواصل السير نحو الشيء الوحيد في هذا الاتساع اللانهائي الذي بدا وكأنه يملك نية، أو ربما انتظارًا محددًا: تلك الكرة المتوهجة في القاعة البعيدة.

حين وصل أخيرًا إلى تلك القاعة الدائرية، توقف عند أول عتبة لها مأخوذًا بما رآه. لم تكن قاعة بالمعنى المعماري المألوف؛ فلا جدران واضحة تحدها، بل فراغ دائري واسع، أرضيته منقوشة بدوائر متداخلة من رموز تتوهج بضوء خافت متدرج بين الفضي والذهبي، تمتد من مركز القاعة إلى أطرافها، كأنها موجات متجمدة انطلقت من نقطة واحدة منذ أزل سحيق. لم يكن هناك مصدر واضح للضوء المحيط بالمكان كله، وكأن القاعة نفسها هي التي تضيء، لا شيء يضيئها.

وفي المنتصف تمامًا، طافت تلك الكرة السوداء الصغيرة. لم تكن تكبر حجم قبضة يد بالغة، لكنها بدت أثقل وأهم من كل ما رآه في هذا المكان مجتمعًا. سطحها أسود حالك يبتلع الضوء المحيط به بدلًا من أن يعكسه، تتخلله عروق رفيعة من ضوء فضي هادئ تنبض ببطء شديد، انقباضًا وانبساطًا، تمامًا كأنفاس كائن غارق في نوم عميق منذ زمن لا يُحصى. حين اقترب راي منها أكثر، شعر أن الصمت حولها ليس غياب صوت فحسب، بل صمتًا كثيفًا يضغط على أذنيه، وكأن المكان بأكمله يحبس أنفاسه انتظارًا لشيء ما.

لاحظ راي أن الهواء نفسه يتغيّر كلما اقترب أكثر من مركز القاعة؛ برودة خفيفة تسري في المكان، لا تشبه برودة الشتاء التي عرفها في مدينته، بل شيئًا أقرب إلى برودة الفراغ نفسه، كأن الزمن هنا يتباطأ حرفيًا حول تلك الكرة الصغيرة. حتى ذرات الضوء الطافية التي رافقته طوال الطريق توقفت عن الحركة تمامًا فور دخوله القاعة، معلّقة في الهواء كأنها لوحة مجمدة، وكأن كل شيء في هذا المكان، حتى أدق التفاصيل، يتوقف احترامًا أو حذرًا من مركز ذلك الفراغ الدائري.

وقف على مسافة خطوتين منها، وقلبه يخفق بعنف حتى ظن أنه سيُسمع في هذا السكون المطبق. مد يده ببطء شديد، وأصابعه ترتجف قليلًا، بين رغبة ملحّة في الفهم ودافع غريزي يحذّره من الاقتراب أكثر. توقفت يده على بعد أصابع قليلة من سطحها الأسود، وفي تلك اللحظة بالذات، بدا له أن نبض الكرة قد تسارع قليلًا، وكأنها، بعد انتظار امتد عبر ما لا يُحصى من السنين، أدركت أخيرًا أن شيئًا ما، أو شخصًا ما، قد وصل إليها في نهاية المطاف.

2026/07/18 · 1 مشاهدة · 1334 كلمة
نادي الروايات - 2026