الفصل الثالث: عمرٌ بين الصفحات
كانت أنامل راي على بعد شعرة واحدة من سطح الكرة حين شعر بنبضها يتسارع، كأنها استشعرت اقترابه قبل أن تلمسه أصابعه فعلًا. توقف قلبه للحظة واحدة، ثم أكمل ما بدأه؛ فأطبقت أطراف أصابعه على السطح الأسود اللامع الذي كان يمتص الضوء من حوله دون أن يعكس منه شيئًا.
لم يكن هناك ألم.
بدلًا من ذلك، انفجر ضوء فضي من داخل الكرة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات منذ زمن سحيق لا يعرف له راي بداية. اجتاحت جسده موجة باردة، لا كبرودة الشتاء التي عرفها في حياته السابقة، بل كبرودة الفراغ نفسه، ثم تلتها موجة دافئة، كأن شمسًا صغيرة اشتعلت فجأة في صدره. حاول أن يسحب يده فلم يستطع؛ لم تكن الكرة تمسك به، بل كان هو من لم يعد قادرًا على الانفصال عنها.
ثم رأى الكلمات.
لم تكن مكتوبة على جدار أو ورقة، بل بدت معلقة في الهواء أمام عينيه مباشرة، حروفًا فضية باردة لا تنتمي إلى أي لغة يعرفها، ثم تحولت فجأة إلى العربية، كأنها قرأت عقله واختارت الشكل الذي يفهمه:
[ اندماج: مكتمل ]
[ النواة: أرشيف ]
[ الوظيفة: حفظ واسترجاع مطلق ]
سقط راي على ركبتيه، لا من الألم، بل من ثقل ما شعر به: كأن عقله فُتح فجأة على مساحة لا متناهية، ثم أُغلق مرة أخرى بسرعة، تاركًا خلفه إحساسًا واحدًا واضحًا: لم يتغير شيء بعد. لم يعرف شيئًا جديدًا بالفعل، لكنه أدرك، بيقين غريب لا يستطيع تفسيره، أن كل كتاب سيقرؤه من الآن فصاعدًا لن يُنسى أبدًا.
"من... من أنت؟" سأل بصوت متهدج، موجهًا كلامه إلى الفراغ أمامه.
[ أرشيف: نواة معرفية. لا وعي منفصل. لا إرادة مستقلة. أداة حفظ واسترجاع فقط. ]
"هل ستمنحني قوى؟ مثل... ألعاب الفيديو؟ مستويات؟ مهارات جاهزة؟"
[ لا مستويات. لا نقاط خبرة. لا متجر. لا مهارات جاهزة من العدم. كل كتاب يُقرأ، يُحفظ بدقة كاملة. لا نقصان. لا نسيان. ]
وقف راي ببطء، يحاول استيعاب ما يعنيه هذا فعلًا. لم تكن الكرة تعده بقوة سهلة، ولا بحكمة فورية تُمنح دفعة واحدة. كانت تعده بشيء أبسط وأكثر رهبة في آن واحد: ذاكرة لا تنسى شيئًا أبدًا، مهما بلغ حجم ما تحمله.
نظر حوله إلى الأروقة الممتدة بلا نهاية، إلى ملايين الرفوف التي رآها منذ لحظات قليلة فقط، فبدت له الآن مختلفة تمامًا. لم تعد مجرد كتب غريبة صامتة، بل أصبح كل رف أمامه احتمالًا لمعرفة لن تفارقه أبدًا بمجرد أن يقرأها مرة واحدة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة له منذ سقوطه في الشق البُعدي.
"إذن... لنبدأ."
---
مضت أيامه الأولى بطيئة ومرتبكة.
جلس بين الرفوف يقرأ كتابًا تلو الآخر، بعضها بلغات لم ير أشكال حروفها من قبل، وبعضها الآخر بدا وكأنه يتحدث إليه مباشرة بمجرد فتحه. لاحظ أنه لا يشعر بالجوع، ولا بالعطش، ولا حتى بالتعب، رغم ساعات القراءة الطويلة. حاول النوم مرة، فأغمض عينيه، ليجدها تنفتح بعد ما شعر أنه لحظة واحدة، وكأن الزمن هنا لا يسري على جسده كما اعتاد أن يسري في مدينته الصغيرة.
في تلك الليالي الأولى -إن كان هناك ليل أصلًا في مكان لا شمس فيه ولا قمر- كان يفكر في أمه، وفي يوسف، وفي صوت المدرسة وضجيج الشارع الذي لم يقدّر قيمته قط قبل أن يفقده. كان يتحدث بصوت مرتفع أحيانًا، فقط ليسمع صوتًا غير صمت الرفوف.
"أمي ستقلق."
لم يجبه أحد. لم تكن هناك حاجة إلى إجابة، لكنه استمر في القراءة، لأنها كانت الشيء الوحيد الذي يبعد عنه صوت الوحدة.
---
بعد ما بدا وكأنه عام كامل من عمره الداخلي، أتقن راي أول عشر لغات دون أن يدرك بالضبط متى تجاوز الحاجز بينها وبين لغته الأم. بدأ يجرب تطبيق ما يقرؤه على جسده: تمارين تنفس غريبة وصفها كتاب قديم بأنها "بوابة الطاقة الأولى"، فشعر بدفء خفيف يسري في صدره لأول مرة منذ دخوله المكتبة. لم يكن يعرف بعد أن هذه أول خطوة على طريق لن يتوقف عنده أبدًا.
فشل مرات كثيرة في البداية. أحرق كتابًا بالخطأ حين حاول تطبيق تقنية نارية بدائية قرأها بفهم ناقص، فارتجف خوفًا من أن يكون قد أفسد شيئًا لا يُعوَّض. لكنه اكتشف أن الرف نفسه لم يتأثر، وأن الكتاب المحترق عاد سليمًا في اليوم التالي، وكأن شيئًا لم يحدث قط. أدرك حينها أن المكتبة لا تسمح لأي شيء بالضياع الحقيقي داخل جدرانها، وأن أخطاءه هنا مكلفة، على الأقل لكرامته، لا لوجود المعرفة نفسها.
---
بعد قرن كامل من القراءة المتواصلة، لم يعد راي ذلك الفتى المرتبك الذي دخل باكيًا يبحث عن صوت بشري. أصبحت حركاته أكثر هدوءًا، ونظراته أكثر ثباتًا. لم يعد يتحدث بصوت عالٍ إلى الفراغ؛ فالصمت لم يعد عدوًا، بل صار رفيقًا مألوفًا. كان يقرأ آلاف الكتب في الفترة التي كان يحتاج فيها سابقًا إلى قراءة كتاب واحد فقط، ليس لأن سرعة عينيه تغيرت، بل لأن عقله تعلّم كيف يستوعب المعرفة كما تُستوعب الأنفاس، دون تفكير واعٍ في كل حرف على حدة.
مرت قرون فوق قرون. تعلّم أنظمة تدريب أفنت حضارات بأكملها قرونًا في تطويرها، ثم اندثرت قبل أن تكمل الطريق إلى نهايتها. قرأ عن حروب لم يعد أحد يذكر اسم من خاضها، وعن أكوان يُقال إنها سبقت هذا الكون بزمن لا يُحصى، وعن دارات كهربائية دقيقة نُقشت عليها تعويذات روحية تجعل الآلة تتنفس كما لو كانت كائنًا حيًا. لم يكن يحفظ المعلومات وحسب، بل كان يبني، رفًا فوق رف، وفهمًا فوق فهم، أساسًا لم يشبه أي أساس رآه مرسومًا في صفحات الكتب؛ لأنه لم يكن يقلّد طريقًا واحدًا بعينه، بل كان يمزج كل الطرق الكاملة التي وصلت إليه، تاركًا كل ثغرة رآها فيها خلف ظهره.
توسعت قراءاته لتتجاوز أنظمة الطاقة الروحية وحدها؛ فقرأ عن تعديل السلاسل الوراثية للكائنات حتى تتطور في اتجاه تختاره هي، لا الطبيعة، وعن ترويض العقل حتى يصبح سلاحًا بذاته لا يحتاج إلى يد تحمله، وعن طيّ المسافة والزمن كما تُطوى الورقة. لم يكن يدرك بعد أن هذه الأبواب المتفرقة ستصبح يومًا أعمدة أساسه الواحد، لا مجرد فصول منفصلة قرأها وحفظها.
اكتشف أيضًا أن الجسور الضوئية التي رآها في يومه الأول تستجيب لإرادته إن ركّز بما يكفي، فتحمله دون مجهود إلى أعلى الرفوف أو أسفلها. وفي إحدى تلك الرحلات، مرّ قرب النهر الفضي المزرق الصامت، فرأى على سطحه، للحظة، انعكاسًا لوجه لم يعرفه، ثم اختفى قبل أن يتمكن من التدقيق فيه. لم يقترب أكثر. بعض الأسئلة، أدرك، ليست جاهزة للإجابة بعد.
---
بعد ما يقارب المليون عام -إن كان لهذا الرقم أي معنى حقيقي في مكان لا تشيخ فيه الأجساد- لم يعد راي يذكر تفاصيل وجه أمه بدقة. كان يتذكر دفء صوتها، لا ملامحها كاملة. وكان يتذكر ضحكة يوسف، لا شكل وجهه حين يضحك. حزن لهذا لبعض الوقت، ثم قبله كما قبل كل شيء آخر في هذه الرحلة الطويلة: حقيقة لا يملك سلطة عليها، ولا فائدة من مقاومتها.
قبل أن يفقد التفاصيل تمامًا، كتب اسمها واسم يوسف بإصبعه على صفحة بيضاء وجدها في أحد الكتب غير المكتملة، ليس لأن الكتابة ستحفظ له وجهيهما، بل لأنها كانت الطريقة الوحيدة التي عرفها ليقول لنفسه إنه ما زال ذلك الفتى الذي غادر مدينته يومًا، مهما تغيّر كل شيء آخر فيه.
في تلك المرحلة، توقف عن عدّ الزمن بدقة. لم يعد يهتم إن كانت الفترة التي أمضاها عامًا أم ألف عام أم أكثر من ذلك بكثير. كل ما كان يعرفه على وجه اليقين أن الرفوف التي بدت له في البداية بلا نهاية، بدأت -ببطء شديد لا يُدرَك إلا على مدى أزمنة سحيقة- تقترب فعلًا من نهايتها.
---
وحين اقترب أخيرًا من آخر رواق في آخر قسم من أقسام المكتبة، بعد ما يزيد على ملياري عام من القراءة المتواصلة دون توقف حقيقي، توقف. لم تعد هناك رفوف جديدة أمامه لم يلمسها من قبل. نظر إلى يديه؛ لم تتغيرا، ولم تشيخا، كأن كل ذلك الزمن الهائل الذي عاشه لم يترك أثرًا واحدًا على الجسد، رغم أنه ترك كل أثر ممكن في العقل والروح. كان الفتى القلق الذي دخل هذا المكان يومًا قد اختفى تمامًا، وحلّ محله كيان هادئ، بارد الأعصاب، يعرف عن الكون أكثر مما عرفته أي حضارة عاشت فيه على الإطلاق.
شعر ببرودة مألوفة، أخف من تلك التي شعر بها يوم اندماجه بالنواة لأول مرة، لكنها كانت من النوع نفسه تمامًا.
[ تنبيه ]
[ اكتمال المحتوى: 99.97% ]
[ المهمة الوحيدة: يقترب موعد تفعيلها ]
وقف راي ساكنًا، ينظر إلى الكلمات المعلقة أمامه. لأول مرة منذ ما يشبه الأبدية، شعر بشيء لم يعد يتذكر طعمه جيدًا: الفضول ممزوجًا بخوف حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل جدًا.
"مهمة؟" سأل بهدوء لم يُخفِ توترًا خفيًا تحته. "أي مهمة؟"
لم يجب أرشيف على الفور. بدلًا من ذلك، بدأت ذرات الضوء الطافية في القاعة البعيدة -تلك التي لم يزرها منذ زمن طويل- تتحرك ببطء نحو مركز واحد، وكأن المكتبة نفسها بدأت تستعد لشيء لم يحدث من قبل قط منذ أن وطئتها قدماه.
[ التفعيل: قريب ]
كانت هذه الكلمات الأخيرة التي ظهرت، قبل أن يخفت الضوء المعلق في الهواء، ويعود الصمت المعتاد ليخيّم على المكتبة من جديد. صمتٌ بدا لراي -لأول مرة منذ دهر طويل لا يقوى على حصره- وكأنه هو الآخر ينتظر شيئًا ما، بالقدر نفسه الذي كان ينتظره راي.