لم أكن أهرب من بلدٍ… بل من حقيقة.عندما غادرت مطار جون إف كينيدي في شتاء عام 1978، كنت أعلم أنني قد لا أعود حيًا مرة أخرى. الرياح الباردة صفعت وجهي كأنها تحاول إيقاظي من وهمٍ طويل، لكن الأوهام كانت قد انتهت بالفعل.أمريكا لم تكن أرض الفرص.كانت أرض الاختفاء.جلست قرب نافذة الطائرة، أراقب الأضواء تتقلص تحتنا حتى تحولت إلى نقاط صغيرة، ثم إلى ظلام كامل. في تلك اللحظة فقط سمحت لنفسي بالتنفس.وضعت يدي على الحقيبة الصغيرة فوق ركبتي.لم تكن تحتوي ملابس كثيرة… بل شيئًا أخطر.دفاتر.مخططات.ومعادلات كُتب بعضها بخط رجل مات منذ أكثر من ثلاثين عامًا — أو هكذا أرادوا للعالم أن يعتقد.نيكولا تيسلا.أغمضت عيني، فتدفقت الذكريات كتيار كهربائي.مختبرات أُغلقت فجأة.علماء اختفوا بلا تفسير.أبحاث مُصادَرة بحجة “الأمن القومي”.وفي كل مرة كنت أقترب فيها من إعادة بناء إحدى أفكار تيسلا… كان أحدهم يظهر.رجل بلا اسم.ابتسامة بلا دفء.وسؤال واحد دائمًا:"لمن تعمل يا حسن؟"لكنهم أخطأوا هذه المرة.لأنني لم أعد أعمل لأحد.اهتزت الطائرة قليلًا، فأعلنت المضيفة اقتراب الهبوط. بعد ساعات طويلة، ظهرت أضواء بغداد تحتنا، متوهجة وسط بحر من الظلام الصحراوي.ما إن فتحت بوابة الطائرة حتى ضربني الهواء الحار بقوة. كان مختلفًا تمامًا عن برد نيويورك — ثقيلاً، حيًا، يحمل رائحة تراب وتوابل وتاريخ أقدم من كل ما عرفته.شعرت بشيء غريب.كأن الأرض نفسها تراقبني.استأجرت سيارة قديمة في صباح اليوم التالي. كان محركها يصدر صوتًا متقطعًا، لكن هذا كان مثاليًا؛ لا أحد يلاحظ سيارة تبدو على وشك الموت.قدت جنوبًا، مبتعدًا عن المدينة شيئًا فشيئًا. المباني تحولت إلى بيوت طينية، ثم إلى فراغ واسع تتخلله بساتين نخيل وصحراء لا نهاية لها.كلما ابتعدت… شعرت بالأمان.وكلما اقتربت من وجهتي… ازداد القلق داخلي.توقفت عند تلة منخفضة مع غروب الشمس. أمامي امتدت أطلال قديمة، جدران متآكلة وأعمدة نصف مدفونة في الرمال.بابل.قرأتها آلاف المرات في الكتب، لكنها لم تكن مجرد آثار الآن.كان هناك إحساس… نبض خافت تحت الأرض.أخرجت جهاز القياس من الحقيبة، وشغّلته.قفز المؤشر فورًا.طاقة.لكنها ليست كهرباء عادية.ابتسمت دون أن أشعر."إذن كنتَ محقًا…" همست.هبت ريح خفيفة عبر الأطلال، فأصدرت الحجارة صوتًا يشبه الهمس.وفي تلك اللحظة، ولسبب لم أستطع تفسيره، شعرت أنني لم أصل إلى المكان صدفة.بل أن المكان… كان ينتظرني.لم أكن أعلم بعد أن هذه الخطوة الصغيرة خارج السيارة ستكون بداية حرب لن تُخاض بالأسلحة فقط…بل بالأفكار.وبالبرق.