الفصل الثاني

لم أنم تلك الليلة.

نصبت خيمتي قرب الأطلال، لكن الصمت لم يكن صامتًا حقًا. الرياح كانت تمر بين الحجارة القديمة مطلقة أصواتًا تشبه الهمس، وكأن المكان يتحدث بلغة نسيتها البشرية منذ آلاف السنين.

جلست أمام جهاز القياس، أراقب المؤشر المرتعش.

لم يستقر.

الطاقة التي رصدتها لم تكن ثابتة مثل أي مصدر كهربائي عرفته. كانت ترتفع وتنخفض بنمطٍ يشبه… النبض.

نبض حي.

تنفست ببطء، ثم همست لنفسي:

"مستحيل…"

أعدت معايرة الجهاز ثلاث مرات. النتيجة نفسها.

أخرجت أحد دفاتر تيسلا من الحقيبة. الصفحات صفراء، وحوافها متآكلة، لكن المعادلات ما زالت واضحة. توقفت عند رسمٍ كنت قد تجاهلته سابقًا — شبكة خطوط تمتد من نقطة مركزية، تشبه جذور شجرة أو صواعق برق متفرعة.

وضعت الرسم بجانب شاشة القياس.

تطابق شبه كامل.

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.

"هل وجدتَ هذا المكان قبلنا؟" تمتمت، وكأن تيسلا يستطيع سماعي.

في تلك اللحظة، أصدر الجهاز صوتًا حادًا.

قفز المؤشر إلى أقصى حد.

ثم… انطفأ كل شيء.

غرق المكان في ظلام كامل.

رفعت رأسي بسرعة. النجوم فوقي كانت واضحة، لكن الهواء أصبح أثقل فجأة، مشحونًا برائحة أوزون خفيفة، تلك الرائحة التي تسبق العواصف الكهربائية.

ثم حدث الأمر.

وميض أزرق خاطف انبعث من بين الحجارة البعيدة.

وقفت ببطء، قلبي يخفق بعنف. حملت المصباح اليدوي واتجهت نحو الضوء. الرمال تحت قدمي أصدرت صريرًا خافتًا، وكل خطوة شعرت وكأنها تقرّبني من شيء لا ينبغي الاقتراب منه.

وصلت إلى مدخل حجري نصف مدفون لم ألاحظه من قبل.

لم يكن طبيعيًا.

الجدران الداخلية كانت ملساء أكثر مما يجب، وعليها نقوش غريبة. مررت يدي فوق أحدها، فشعرت باهتزاز خفيف… كتيار كهربائي ضعيف.

تراجعت فورًا.

"هذا مستحيل…"

النقوش لم تكن مجرد رموز بابلية.

كانت تشبه مخططات دوائر كهربائية.

قبل أن أستوعب ما أراه، اشتعلت النقوش بضوء أزرق خافت، يمتد عبر الجدار كشبكة متصلة.

توقف الزمن للحظة.

ثم سمعت الصوت.

ليس من الخارج…

بل داخل رأسي.

صوت هادئ، عميق، وكأنه قادم من مسافة بعيدة جدًا:

"أخيرًا… وجدني أحدهم."

تجمدت في مكاني.

سقط المصباح من يدي، وتدحرج الضوء فوق الرمال.

ابتلعت ريقي بصعوبة.

"من… من هناك؟"

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثم عاد الصوت، أوضح هذه المرة:

"لقد تأخرت كثيرًا يا حسن."

توقّف قلبي لنبضة كاملة.

لم أخبر أحدًا باسمي منذ وصولي إلى العراق.

تراجعت خطوة، وعقلي يبحث عن تفسير منطقي، أي تفسير.

لكن المنطق بدأ ينهار.

النقوش أضاءت أكثر، والهواء اهتز حولي كأن الطاقة نفسها تستيقظ من سباتٍ طويل.

وأدركت عندها حقيقة مرعبة واحدة:

لم أكن أ

نا من اكتشف هذا المكان…

بل المكان هو من اكتشفني.

2026/05/19 · 1 مشاهدة · 392 كلمة
حسن علي
نادي الروايات - 2026