الفصل الاول

كانت كوريا الجنوبية في سنة 1986 تقف فوق أرضٍ أنهكتها عقود من الألم، وكأنها بلدٌ حاول طويلًا أن ينقذ نفسه من أهوال الدمار المحيط به، لكنه لم يجد في النهاية سوى المزيد من الجراح التي لم تلتئم.

كانت شبه الجزيرة الكورية قد انقسمت إلى نصفين سنة 1953، بعد حربٍ قاسية دارت بين الجارتين وتركت وراءها بلدًا لم يعد بلدًا واحدًا، وشعبًا لم يعد يعيش تحت راية واحدة، وأرضًا أصبحت مقسومة بين دولتين متجاورتين تحملان تاريخًا واحدًا وذاكرة واحدة، لكنهما تسيران في طريقين مختلفين تمامًا.

ومع ذلك، فإن انتهاء الحرب لم يكن يعني أن كوريا قد وجدت أخيرًا الراحة التي كانت تبحث عنها، بل كان مجرد بداية لمرحلة أخرى من المعاناة، لأن آثار الحرب بقيت عالقة في شبه الجزيرة، وكأنها رفضت أن تسمح لها بأن تنسى ما حدث.

منذ سنة 1953، لم تعرف كوريا الشمالية ولا كوريا الجنوبية طعم الراحة الحقيقية، فحتى بعد توقف الحرب بقيت شبه الجزيرة تحمل آثار ذلك الصراع في كل ما يحيط بها، وبقي الانقسام قائمًا كحقيقة ثقيلة لا يستطيع أحد تجاهلها.

لم تعد كوريا بلدًا واحدًا، بل أصبحت نصفين منفصلين، لكل نصف نظامه وطريقه ومصالحه، بينما بقيت الذاكرة القديمة تجمع بينهما رغم كل شيء، كان ذلك الانقسام أشبه بجرحٍ عميق في جسد واحد، جرح لم يستطع أحد أن يخيطه بشكل كامل، وكلما حاولت السنوات أن تغطيه، بقيت الحقيقة موجودة تحته؛ كوريا التي كانت واحدة أصبحت اثنتين، والحرب التي قسمت الأرض لم تستطع أن تمنح أيًا من الطرفين راحة كاملة بعد انتهائها.

ولم تكن المشكلة في أن شبه الجزيرة انقسمت فقط، بل في أن كلا الطرفين ظل يعيش تحت ثقل عالمٍ أكبر منه، عالمٍ لم يسمح لهما بأن ينسيا موقعهما وسط القوى المحيطة بهما

كانت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية مستقلتين من الناحية الرسمية، ولكل منهما دولتها ونظامها وحدودها، لكن الاستقلال على الورق لم يكن يعني أن الأرض أصبحت بعيدة عن تأثير القوى الأخرى ، كانت شبه الجزيرة الكورية تقع في مكان جعلها محاطة بقوى ضخمة، ولذلك لم يكن من السهل أن تعيش وحدها بعيدًا عن أطماع الآخرين، خصوصًا عندما بدأ العالم السفلي بدوره ينظر إلى هذه الأرض باعتبارها منطقة يمكن أن تكون ذات قيمة هائلة لمن ينجح في وضع يده عليها.

وهكذا، مع مرور السنوات، بدأت تظهر فكرة قاتمة داخل عقول الناس، فكرة لم تكن تحتاج إلى شرح طويل حتى يفهمها أي شخص يسمعها، لأنها كانت تلخص إحساسًا كاملًا بالضعف والعجز أمام عالمٍ أكبر من قدرة كوريا على مقاومته.

لم يكن الأمر متعلقًا فقط بالحرب التي انتهت، ولا بالانقسام الذي بقي، بل بشعور أعمق بأن كوريا لم تستطع أن تصبح صاحبة نفسها بالكامل، وأن الاستقلال الذي يفترض أن يمنحها الحرية لم يمنع الآخرين من وضع أيديهم داخل أراضيها.

ولذلك، إذا سألت أي شخص في ذلك الوقت عن حال كوريا الشمالية والجنوبية، وعن مصير شبه الجزيرة الكورية التي خرجت من حربٍ وقُسمت إلى نصفين، فمن المحتمل جدًا أن تسمع الجملة نفسها التي أصبح الجميع يرددها وكأنها حقيقة لا مفر منها: "كوريا، مقدر لها أن تصبح عبيدًا للأبد!!"

كانت تلك الجملة تحمل في داخلها كل شيء؛ اليأس، والإحباط، والخوف من المستقبل، والشعور بأن كوريا مهما حاولت الوقوف على قدميها و الاتحاد من جديد او حماية نفسها ستجد دائمًا قوة أخرى أكبر منها تحاول أن تجعلها جزءًا من نفوذها.

لم يكن الأمر مجرد كلمات عابرة يتبادلها الناس ثم ينسونها، بل أصبحت تلك العبارة انعكاسًا لصورة كوريا في أعين من عاشوا تلك المرحلة، بلدًا لم يستطع أن يخرج من آثار حربه، ولم يستطع أن يتخلص من انقسامه، ولم يستطع أن يمنع القوى الخارجية من النظر إلى أرضه كشيء يمكن السيطرة عليه.

وكانت المشكلة أن هذه المرة لم تكن القوى التي تملأ كوريا من أبنائها، بل كان جزء كبير من الأرض قد أصبح ممتلئًا بأشخاص لم يكونوا من أبناءها، أشخاص قدموا من خارجها، يحملون معهم قوتهم ونفوذهم وأهدافهم الخاصة.

بينما كانت قوى أخرى تتحرك داخلها وكأنها تملك الحق في تحديد ما يحدث فيها ، لم يكن كل شبر من كوريا خاضعًا لسلطة واحدة، بل كانت هناك أيدٍ كثيرة تمتد في اتجاهات مختلفة، وكل يد منها تنتمي إلى أصحاب نفوذ داخل العالم السفلي لهذا الكوكب.

كان عالمًا لا يعرف الحدود التي يعرفها الناس العاديون، ولا يهتم بالأعلام أو الحكومات بالطريقة التي يهتم بها المواطن العادي، وإنما كان يهتم بالقوة والنفوذ والسيطرة و الافساد ، ولذلك أصبحت كوريا مكانًا مغريًا لكل من يملك القدرة على انتزاع جزء من نفوذها.

ولم يكن علينا أن نبتعد كثيرًا حتى نرى واحدة من أعظم القوى التي وضعت يدها على كوريا، قوة جاءت من الشرق، قوة كانت عظيمة داخل العالم السفلي، وكان اسمها وحده كافيًا ليجعل الحديث عن كوريا أكثر قتامة.

كانت احدى تلك القوتين هي عشيرة اليامازاكي اليابانية، إحدى أعظم القوى الموجودة في عالم الجريمة، والتي لم تنظر إلى كوريا باعتبارها أرضًا بعيدة لا تستحق الاهتمام، بل باعتبارها منطقة يجب أن يكون لها فيها نفوذ واضح و سيطرة عليها ، ومع مرور الوقت، أصبح وجودها داخل كوريا أمرًا لا يمكن تجاهله، حتى إن البحث عن مكان في البلاد لا توجد فيه يد من أيدي هذه العشيرة كان أشبه بالبحث عن إبرة داخل كومة من القش

لم تكن يد اليامازاكي محدودة بمكان واحد، ولم يكن نفوذها محصورًا في منطقة صغيرة يمكن تجاهلها، بل كانت العشيرة قد وضعت يدها في كل مكان تقريبًا داخل كوريا، وكانت آثار وجودها تمتد عبر البلاد بطريقة جعلت نفوذها حاضرًا في مختلف المناطق.

لم يكن الأمر أن كل شارع كان مليئًا برجالها بصورة ظاهرة، بل إن قوة العشيرة جعلت وجودها يتجاوز مجرد عدد الأشخاص الذين يظهرون أمام أعين الناس، لأن النفوذ الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يعلن عن نفسه. يكفي أن يعرف الجميع أن يد اليامازاكي موجودة، وأن يعرفوا أن هذه العشيرة قادرة على الوصول إلى المكان الذي تريد الوصول إليه، حتى يصبح اسمها وحده كافيًا لجعل الآخرين يفكرون أكثر من مرة قبل أن يحاولوا الوقوف في طريقها.

كانت اليامازاكي تعيث فسادًا في كوريا دون مقاومة حقيقية، ولم تكن هناك قوة شعبية قادرة على الوقوف أمامها أو إيقاف نفوذها الذي امتد في مختلف أنحاء البلاد. كان الشعب الكوري البريء يرى ما يحدث، لكنه لم يكن يملك القدرة على تحويل غضبه إلى ثورة حقيقية ضد العشيرة، لأن الجميع كان يعرف النهاية التي تنتظر من يقرر أن يضع نفسه في مواجهة قوة بهذا الحجم.

لم يكن الناس بحاجة إلى أن يخوضوا التجربة بأنفسهم حتى يعرفوا ما يمكن أن يحدث لهم، فمجرد معرفة طبيعة العالم الذي تتحرك فيه اليامازاكي كانت كافية لجعل الكثيرين يتراجعون قبل أن يبدأوا.

كان الخوف من اليامازاكي أكبر من مجرد خوفٍ من مجموعة رجال أقوياء، لأنه كان خوفًا من قوة واسعة النفوذ، قوة يمكنها أن تجعل من يقف ضدها يدفع الثمن ، ولذلك بقي الشعب الكوري في الغالب بعيدًا عن أي محاولة مباشرة لإشعال ثورة ضدها، ليس لأنهم لم يشعروا بالغضب، ولا لأنهم كانوا راضين عن وجود قوة أجنبية تضع يدها على بلادهم، وإنما لأن الجميع كان يدري أن مصير من يقرر الوقوف في طريقها يكون مصيره الموت ، وكانت تلك المعرفة وحدها كافية لإبقاء الكثير من الأصوات صامتة، ولجعل اليامازاكي قادرة على الاستمرار في توسيع نفوذها دون أن تجد أمامها مقاومة شعبية قادرة على تغيير الواقع.

ومع ذلك، لم تكن اليامازاكي القوة الوحيدة التي رأت في كوريا أرضًا تستحق أن تكون جزءًا من نفوذها، ولم تكن وحدها التي أرادت أن تمد يدها داخل شبه الجزيرة وتفرض وجودها فيها.

فحينما نتحدث عن اليامازاكي اليابانية، لا بد أن نتحدث عن القوة المنافسة التي كانت تسيطر هي الأخرى على مناطق داخل كوريا، وتحاول بشتى الطرق أن تكون القوة المهيمنة على الأراضي الكورية، وأن تضم البلاد إلى مناطق نفوذها، رغم المنافسة الشرسة التي كانت قائمة بينها وبين اليامازاكي.

كانت هناك قوة أخرى تقف على الطرف المقابل، تراقب، وتتحرك، وتملك نفوذًا هائلًا، ولم تكن مستعدة ببساطة لأن تترك كوريا لليابانيين وحدهم.

كانت تلك القوة هي عائلة لونغ الصينية ، كانت عائلة لونغ واحدة من أقوى العائلات الموجودة بين العصابات ، وواحدة من أشهر القوى الإجرامية على مستوى العالم، ولم يكن اسمها معروفًا فقط بسبب حجم نفوذها، بل بسبب طبيعة الأساليب التي اشتهرت بها، والأساليب الملتوية التي جعلتها مختلفة عن الكثير من القوى الأخرى.

كانت الاغتيالات واحدة من أكثر المجالات التي ارتبط اسم العائلة بها، ولم يكن الموت بالنسبة إليها مجرد نتيجة عشوائية لصراع بين العصابات، بل كان جزءًا من عالم أكثر تعقيدًا يعتمد على التخطيط والمعلومات والقدرة على الوصول إلى الأشخاص في الأماكن التي لا يتوقعون فيها الخطر.

لكن الاغتيالات لم تكن المجال الوحيد الذي جعل عائلة لونغ واحدة من أخطر العائلات في العالم السفلي، فهناك مجال آخر جعل نفوذها يتجاوز حدود العصابات التقليدية بكثير؛ الاستخبارات والمعلومات ، كانت عائلة لونغ معروفة بامتلاكها نفوذًا هائلًا في مجال المعلومات الاستخباراتية، حتى أصبحت مرجعًا أساسيًا بين القوى العالمية في هذا المجال.

كانت المعلومات التي تملكها العائلة ذات قيمة هائلة، وكانت قدرتها على جمعها ومعرفة ما يحدث في أماكن مختلفة من العالم تجعلها قوة لا يمكن الاستهانة بها، حتى إن جهات كبرى مثل FBI في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تستمد معلوماتها من هذه العائلة، وهو أمر يعكس وحده حجم المكانة التي وصلت إليها عائلة لونغ داخل هذا المجال.

لم تكن قوة عائلة لونغ قائمة على الاغتيالات وحدها، ولا على المعلومات وحدها، بل كان لديها أساس ضخم جعل كل ذلك ممكنًا، وهو سيطرتها على الصين نفسها.

كانت عائلة لونغ لوحدها تسيطر على الصين بالكامل داخل عالمها، وبصورة علنية رغم أن هذا الأمر غير قانوني، وكان الجميع يعرف أن نفوذها موجود وأنها صاحبة اليد الأقوى في ذلك العالم، لكن المعرفة وحدها لم تكن تعني أن أحدًا قادر على فعل شيء ، كانت الصين أرضًا هائلة، ومع ذلك استطاعت عائلة واحدة أن تفرض سيطرتها عليها داخل عالم العصابات، وأن تجعل نفوذها يصل إلى درجة لم تستطع معها أي قوة في العالم أن تجابهها بصورة مباشرة.

وكان هذا تحديدًا هو السبب الذي جعل وجود عائلة لونغ داخل كوريا مختلفًا تمامًا عن وجود أي عصابة أخرى، فهذه لم تكن عائلة صغيرة جاءت بحثًا عن مكان لتعمل فيه، ولم تكن قوة محدودة يمكن لليامازاكي أن تسحقها بسهولة.

كانت عائلة لونغ قوة عالمية حقيقية، تملك نفوذًا واسعًا، وتمتلك المعلومات، وتمتلك القدرة على الاغتيالات و كدالك على رجال اشداء و اقوياء و مرعبين ، وتسيطر على الصين بالكامل داخل عالمها، ثم بدأت تضع أنظارها على كوريا أيضًا.

وكانت رغبتها واضحة؛ أن تصبح القوة المهيمنة على الأراضي الكورية، وأن تضم كوريا إلى مناطق نفوذها، حتى لو كان ذلك يعني الدخول في منافسة شرسة مع اليامازاكي اليابانية.

يتبع ....

2026/08/05 · 1 مشاهدة · 1631 كلمة
نادي الروايات - 2026