الفصل الثالث
في وسط مدينة سيول، العاصمة التي كان يفترض أن تكون واحدة من أكثر الأماكن ازدحامًا بالحياة، كانت هناك منطقة تبدو في تلك اللحظة وكأنها قد انتُزعت من قلب المدينة وتركت وحدها لمصيرها.
لم يكن الهدوء هو ما يميزها، بل العكس تمامًا؛ كانت الضجة تملأ المكان، وأصوات التكسير والارتطام تتردد بين أرجائه، بينما كانت آثار الدمار واضحة في كل ما يحيط بساحة القتال.
لم يكن هناك أحد من عامة الناس يقترب من المكان، وكأن المدينة نفسها أدركت أن ما يجري هناك ليس شجارًا يمكن لشخص عادي أن يمر بجانبه، بل قتال مميت و عالي الخطورة بين اثنين من الغيلان البشرية.
كان المكان خاليًا تقريبًا، وهذا وحده كان أمرًا مناسبًا لما يحدث فيه، لأن وجود أي شخص عادي بين هذين الاثنين لم يكن ليعني سوى كارثة ، لم يكن الاثنان يتقاتلان بطريقة تجعل المرء يستطيع الوقوف ومراقبتهما بأمان، بل كانت حركاتهما تحمل قوة تكفي لجعل كل ضربة تبدو وكأنها قادرة على تغيير شكل المكان من حولهما.
ولو كان المرء ينظر إليهما من بعيد، لربما ظن أن أكثر من ألف رجل يتحركون في المكان، لا رجلان فقط، لأن العنف والقوة والسرعة التي صاحبت تحركاتهما كانت تجعل وجودهما وحده يساوي ألف شخص وهم يمشون.
كان القتال قد وصل بالفعل إلى مرحلة لا يبدو فيها أي من الطرفين مستعدًا للتراجع، وكانت المسافة بينهما تختفي ثم تعود في لحظات قصيرة جدًا ، أحدهما يقترب، والآخر يبتعد، ثم ينقلب المشهد في لحظة واحدة، فيصبح من كان يتراجع هو المهاجم، ومن كان يهاجم هو من يبحث عن مساحة للنجاة.
لم يكن هناك وقت طويل للتفكير، لأن كل حركة كانت تتبعها حركة أخرى، وكل ضربة كانت تحمل في داخلها احتمالًا حقيقيًا لإنهاء المعركة إذا وصلت إلى المكان الصحيح.
اندفع أحدهما فجأة إلى الأمام، وسدد قبضة قوية نحو خصمه، وكانت الضربة تحمل من القوة ما يكفي لدفع جسد رجل بعيدًا لو أصابته بصورة مباشرة ، لكن خصمه لم يكن ينتظرها واقفًا، ولم يسمح للقبضة بأن تصل إليه بسهولة، إذ تحرك بسرعة مراوغًا الهجوم، واختفت القبضة من أمامه دون أن تصيب هدفها ، وفي اللحظة التي تجاوز فيها الهجوم، لم يكتفِ بالابتعاد، بل استعد مباشرة للقيام بهجومه هو الآخر، وكأن مراوغته لم تكن دفاعًا بقدر ما كانت خطوة أولى في سلسلة هجومية جديدة.
كان أحد الرجلين مختلفًا تمامًا عن الآخر في مظهره، ليس لأن قوته كانت أقل، وإنما لأن حالته الجسدية لم تكن تشبه خصمه على الإطلاق ، كان يرتدي سترة سوداء، جاكيت خارجي فوق قميصه الأحمر، وكانت السترة مفتوحة من الأمام، مما جعل القميص الأحمر ظاهرًا بوضوح تحتها.
أما يداه، فكانتا ترتديان قفازات، الأمر الذي جعل مظهره أكثر حدة، خصوصًا وسط المعركة التي كانت تجري حوله ، لم يكن هناك شيء في هيئته يوحي بأنه فقد السيطرة على نفسه، بل على العكس، كان يبدو وكأن القتال بأكمله يسير وفق إيقاع يحدده هو ، كانت ملامحه هادئة ، هادئة بصورة غريبة بالنسبة إلى رجل يخوض قتالًا مميتًا.
لم يكن الغضب واضحًا على وجهه، ولم تكن ملامحه مشوهة بسبب الانفعال، ولم يظهر عليه ذلك النوع من التوتر الذي يمكن أن يصيب شخصًا يخوض معركة بهذا المستوى ، كانت عيناه تحملان الجدية والقوة، لكن هدوءه كان أكثر ما يلفت النظر، لأن ذلك الهدوء لم يكن ناتجًا عن عدم إدراكه للخطر، بل كان يوحي بأنه يدرك كل شيء من حوله، وأنه يشعر بأنه يملك السيطرة الكاملة على القتال.
تحرك الرجل ذو السترة السوداء من جديد، وكانت خطواته ثابتة وهو يركض نحو خصمه، ولم يكن في حركته أي تردد ، كانت عيناه موجهتين نحوه، وجسده يتقدم إلى الأمام بثبات، بينما بدأت يده اليمنى تمتد استعدادًا لتوجيه ضربة جديدة ، كانت أصابع يده مغلقة داخل القفاز، وقبضته تتقدم مع جسده
ثم مد يده اليمنى أكثر ، كانت قبضته تتجه نحو خصمه ، لكن خصمه كان في حالة مختلفة تمامًا ، كان الرجل الآخر مغطى بالدماء ، وكانت جبهته تحمل آثارًا واضحة لما حدث خلال القتال، بينما كان الدم يسيل منه أيضًا في منطقة صدره العاري ، لم تكن الدماء مجرد بقعة واحدة على جسده، بل كانت آثار المعركة واضحة عليه، حتى أصبح مظهره يكشف مقدار ما تلقاه من ضربات دون الحاجة إلى أن يتحدث أو يشرح ما حدث.
كان يقف أمام خصمه وهو يحمل على جسده آثار القتال، بينما كان الرجل ذو السترة السوداء لا يزال يبدو في حالة أفضل بكثير.
كان ذلك الرجل قوي البنية وضخم الجسد، وكان حجم جسده وحده كافيًا ليجعل وجوده مخيفًا في مواجهة أي شخص، لم يكن جسده هو الشيء الوحيد الذي يلفت النظر، فقد كان مغطى أيضًا بالخدوش وآثار القتالات القديمة، وكأن جسده يحمل سجلًا طويلًا من المعارك التي خاضها قبل أن يصل إلى هذه اللحظة ، كانت هناك آثار قديمة واضحة عليه، وآثار جديدة أضيفت إليها الآن، ومع ذلك ظل واقفًا أمام خصمه.
وكان شعره عاديًا، بتسريحة بسيطة لا تحمل شيئًا مميزًا، لكن مظهره العام كان بعيدًا كل البعد عن البساطة ، ضخامة جسده، قوته، الدماء التي تغطيه، والخدوش التي تحملها بشرته على جسده بشكل كلي ، كلها جعلته يبدو كأنه رجل اعتاد أن يدخل المعارك ويخرج منها، حتى لو خرج منها وهو يحمل على جسده آثارها ، لكنه في هذه اللحظة لم يكن يقاتل بالطريقة نفسها التي يمكن أن يتوقعها المرء من رجل قوي وضخم البنية.
كان يقاتل وكأنه بدون وعي ، لم يكن غضبه عاديًا ، كان غاضبًا بشدة ، كان يرى حالته المزرية أمام خصمه، ويرى الدم الذي يغطي جسده، ويشعر بآثار الضربات التي تلقاها، بينما الرجل الذي يقف أمامه لا يزال يبدو بصحة سليمة تقريبًا. كان الفرق بينهما يزداد وضوحًا مع كل لحظة، وكان ذلك الفرق يغذي غضبه أكثر، لأن جسده الضخم الذي اعتاد أن يكون مصدر قوته بدا الآن وكأنه يتحمل الضربات بدلًا من أن يمنح صاحبه أفضلية واضحة.
لم يكن يريد أن يتراجع ، ولم يكن يريد أن يعترف بأن المعركة بدأت تميل في اتجاه خصمه ، كان يريد أن يمسك به ، كان يريد أن يضع يديه على جسد خصمه ويمنعه من الاستمرار في تلك المراوغة التي جعلته عاجزًا عن الوصول إليه كما يريد.
كان يعتقد أن امتلاكه للقوة الجسدية والحجم يمكن أن يمنحه فرصة إذا استطاع الإمساك بخصمه بكلتا يديه، ولذلك اندفع إلى الأمام مرة أخرى، متجاهلًا حالته، متجاهلًا الدماء التي تغطيه، ومتجاهلًا حقيقة أن خصمه كان ينتظر هذه اللحظة.
تقدم الرجل الضخم ، ثم مد كلتا يديه ، كانت نيته واضحة؛ الإمساك بخصمه ومنعه من الإفلات ، و بهكدا ، يستطيع ان يدمره عن طريق المصارعة الحرة التي كان بطل دولي سابقا فيها ، لكن في تلك اللحظة بالذات، حدث شيء لم يستطع توقعه.
كانت سرعة خصمه مرعبة ، لم يرَ الحركة كاملة ، لم يستطع حتى أن يفهم كيف بدأت ، فجأة، اختفت قبضة الرجل ذو السترة السوداء من أمام ناظريه، وكأنها لم تكن موجودة في المكان الذي كان يتوقعها فيه قبل لحظة واحدة فقط ، لم يكن الأمر مجرد حركة سريعة بالنسبة إليه، بل كان شيئًا جعل عينيه تتأخران عن جسده، وكأن عقله لم يستطع اللحاق بما حدث في تلك اللحظة القصيرة.
وبدلًا من أن يجد القبضة أمامه، رأى خصمه ينحني كثيرًا ، كان جسده ينخفض أمامه بسرعة، وكانت زاوية حركته مختلفة تمامًا عن الهجوم السابق ، لم يعد الرجل ذو السترة السوداء يمد يده اليمنى نحوه كما كان يفعل قبل لحظات، بل كانت يده الأخرى هي التي تتحرك الآن.
يده اليسرى ، بدأت يده اليسرى بالامتداد ، لم تكن الحركة عشوائية ، لم تكن ضربة يائسة ، بل كانت قبضة مستقيمة تتجه مباشرة نحو صدر الرجل الضخم ، وفي اللحظة التي رأى فيها الرجل الضخم ذلك، أدرك أن شيئًا مختلفًا كان يحدث.
لم تكن هذه القبضة مثل الضربات السابقة ، هذه المرة كانت القبضة تحمل نية واضحة ، إنهاء القتال ، لم يعد الرجل الضخم يملك الوقت الكافي ليفكر في حل، ولم تعد المسافة تسمح له بأن يغير اتجاه جسده بطريقة مناسبة، كما أن يديه اللتين كانتا قد امتدتا في محاولة للامساك بخصمه لم تعودا في وضع يسمح لهما بصد الهجوم كما يريد.
كانت الحركة قد أصبحت أسرع من قدرته على الاستجابة، وخصمه كان قد وصل إلى اللحظة التي أرادها ، حاول الرجل الضخم أن يفعل شيئًا ، أي شيء ، أن يصد ، لكن دون جدوى
لم يستطع أن يعرف حتى متى حدث الأمر ، كل ما عرفه هو أن القبضة وصلت إلى صدره مباشرة.
وفي اللحظة التي اصطدمت فيها قبضة الرجل ذي السترة السوداء بجسده، بدا وكأن كل القوة التي حملتها تلك الحركة قد انتقلت إليه دفعة واحدة، لم تكن ضربة عادية، ولم تكن مجرد قبضة قوية أصابت رجلًا ضخم البنية، بل كانت قبضة مميتة جعلت جسده يتلقى الصدمة كاملة، حتى إن صدره بدأ يحمل أثرها بصورة واضحة ، حيث ان الهجوم قد بدد ضوء بنفسجي فاتح من الرجل لتظهر كأنها قوة خالصة أو بما يسمى بقوة التغلب
ارتطم جسد الرجل الضخم بالضربة ، ثم انطلق إلى الخلف ، لم يعد واقفًا ، وجد نفسه يتطاير في الهواء بعد القبضة التي تلقاها في صدره، وكأن جسده الضخم لم يكن قادرًا على مقاومة القوة التي اندفعت إليه. وفي الوقت نفسه، بدأت المنطقة التي أصابته فيها القبضة تتغير بسرعة، وظهرت آثار الضربة بصورة جد قوية، حتى بدأت تتورم، وتتحول بسرعة إلى اللون البنفسجي.
كان جسده يطير بعيدًا ، وكانت عيناه لا تزالان تحاولان استيعاب ما حدث
كان الرجل الضخم ملقى على الأرض، وجسده الذي كاد ألا يخلو من جرح أو خدش قديم مستسلمًا لنتيجة القتال الذي انتهى قبل لحظات.
كانت ذراعاه ممددتين على جانبيه، ولم يعد في وضعية جسده أي محاولة للمقاومة أو النهوض، وكأن كل ما كان يملكه من قوة قد استُنزف خلال المواجهة التي جعلته عاجزًا عن الاستمرار.
كان صدره لا يزال يحمل الأثر القوي للقبضة التي تلقاها، وكانت الدماء التي خرجت من جبهته تنساب على وجهه
كان يتنفس بصعوبة، ولم تكن عيناه مفتوحتين بالكامل، وكأنه يقف على الحافة الفاصلة بين الوعي والإغماء ، لم يعد ذلك الرجل الذي اندفع قبل قليل بكل قوته محاولًا الإمساك بخصمه، ولم تعد تلك الضخامة الجسدية قادرة على منحه فرصة أخرى للقتال.
لقد انتهى الأمر، وكان هو يعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر، ولذلك لم يحاول أن يخدع نفسه أو أن يجبر جسده على النهوض مرة أخرى.
ثم خرج من بين شفتيه صوت منخفض. "غابريونغ... !!"
لم تكن الكلمة صرخة غضب، ولم تحمل محاولة لتهديد الرجل الذي هزمه، بل كانت أقرب إلى اعتراف بحقيقة أصبحت واضحة أمامه ، كان اسم خصمه هو أول شيء خرج منه بعدما استسلم جسده للأرض، وكأنه يريد أن يتأكد من أن الشخص الذي يقف أمامه هو بالفعل الرجل الذي استطاع أن يضع حدًا لمقاومته.
يتبع .....