الفصل الرابع
تقدم غابريونغ نحوه بخطواته هادئة، ولم يكن هناك أي استعجال في حركته، وكأنه يعرف تمامًا أن الرجل الموجود أمامه لم يعد قادرًا على العودة إلى القتال.
اقترب حتى وقف أمام بيكهو، ثم نظر إليه من الأعلى، وكانت ملامحه تحمل شيئًا من الشفقة تجاه خصمه الذي أصبح ملقى على الأرض بعد تلك المواجهة ، لم تكن شفقته تعني أنه لم يحترم خصمه، بل على العكس، كان بيكهو قد أثبت أنه رجل قوي بما يكفي ليجعل مواجهة كهذه تستحق أن يتذكرها.
مد غابريونغ يده نحو طرف قفاز يده اليمنى، وأمسكه بهدوء، ثم نظر إلى بيكهو الملقى أمامه وقال بصوت واضح:
"بيكهو كوون... ما رأيك الآن؟ هل تقبلت هزيمتك؟!"
وصل صوت غابريونغ إلى بيكهو، لكن الرجل الضخم لم يجب فورًا. كان يكاد يكون مغمى عليه فعليًا، وجسده لم يعد يملك الطاقة الكافية حتى ليغير وضعيته على الأرض. ومع ذلك، كانت كلمات غابريونغ قد وصلت إلى مكان آخر تمامًا داخل رأسه، مكان لم يكن مرتبطًا بهذه اللحظة وحدها، بل بذكرى قديمة حاول بيكهو أن يدفنها في أعماقه بكل قوة ...
وببطء، بدأت ملامح وجه بيكهو تتغير ، لم تعد ملامحه تحمل الاستسلام نفسه. تغيرت عيناه، وظهرت فيهما الغضب و الصدمة معًا، وكأن كلمة واحدة استطاعت أن تفتح بابًا لذاكرة لم يكن يريد فتحه.
بقي جسده ملقى على الأرض، لكنه لم يعد يرى غابريونغ بالطريقة نفسها التي كان يراه بها قبل لحظات ، شيئًا فشيئًا، بدأت صورة الرجل الواقف أمامه تتغير في عينيه، وبدأ عقله يضع فوق ملامح غابريونغ صورة شخص آخر.
شخص قد واجهه منذ مدة ليست طويلة ، شخص ترسخ في عقله بطريقة جعلته يعتقد أنه لن يستطيع هزيمته قط ، لم يعد غابريونغ وحده واقفًا أمامه في تلك اللحظة ، في ذاكرة بيكهو، ظهر ذلك الشخص من جديد.
كان شابًا مراهقًا لا يكاد يتجاوز السابعة عشرة من عمره، يقف أمامه في مكان مختلف تمامًا، لكن حضوره في ذاكرة بيكهو كان واضحًا بصورة جعلت الماضي والحاضر يتداخلان أمام عينيه.
كان دالك الشاب يمتلك شعرًا بنيًا كستنائيًا داكنًا، وكان يرتدي شورتًا مدمجًا مع حمالات تغطي الصدر والظهر، وهي الملابس الموحدة الخاصة بالمصارعين، وكانت ملابسه باللون الأبيض.
كان ذلك الفتى يقف أمام بيكهو مبتسما و بهدوء ، لم يكن هناك توتر ظاهر عليه ، لم تكن ملامحه تحمل خوفًا من الرجل الضخم الذي كان ملقى على الأرض أمامه، ولم يكن يبدو وكأنه يواجه خصمًا يفوقه في الحجم والقوة الجسدية.
كان ينظر بهدوء إلى الأسفل، نحو بيكهو الذي كان ساقطًا على الأرض، وكأن المشهد لم يكن بالنسبة إليه شيئًا يثير القلق أو يجعله يفقد رباطة جأشه.
وكان المكان من حولهما فضاءً كبيرًا جدًا، أشبه بموقع مخصص لمسابقة كبيرة للمصارعة، مساحة واسعة تجمع أجواء المنافسة وتضع المتصارعين أمام أعين الجميع.
كان بيكهو في تلك الذكرى في وضع لا يختلف كثيرًا عن وضعه الحالي؛ على الأرض، ينظر إلى خصم يقف فوقه، بينما كانت الحقيقة التي يصعب عليه تقبلها تفرض نفسها أمامه.
ثم ابتسم ذلك الفتى بهدوء ، وقال:
"بيكهو كوون... ما رأيك الآن؟ هل تقبلت هزيمتك؟! "
تجمدت الذكرى في عقل بيكهو للحظة ، كانت تلك الجملة هي التي أعادته إلى ذلك اليوم ، لم تكن الكلمات نفسها هي المشكلة، بل الشخص الذي قالها، والطريقة التي قالها بها، واللحظة التي ترسخت فيها تلك الكلمات داخل ذهن بيكهو إلى درجة أنه لم يستطع نسيانها.
والآن، بعد مرور الوقت، كان غابريونغ قد قال الجملة نفسها تقريبًا، وبالطريقة التي جعلت الماضي يندفع إلى الحاضر دفعة واحدة ، ذلك القتال المصيري كان هو ما غير حياة بيكهو إلى هذه الدرجة ، لم يكن مجرد قتال خسره وانتهى الأمر.
لقد كان ذلك اليوم واحدًا من الأشياء التي غيرت نظرته إلى نفسه وإلى القوة وإلى الأشخاص الذين يمكن أن يقفوا أمامه ، كان بيكهو قد دخل تلك المواجهة وهو يعرف قوته
لكنه أمام ذلك الفتى اكتشف شيئًا لم يكن مستعدًا لاكتشافه؛ هناك أشخاص يمكن أن يجعلوا قوته التي اعتمد عليها طوال حياته تبدو غير كافية.
وقد جعل ذلك الفتى بيكهو أمام الجميع بهذا المظهر المزري ، ومع ذلك، لم يكن بيكهو غاضبًا من الأمر ، لم يحمل في داخله غضبًا أعمى تجاه حقيقة هزيمته، ولم يحاول أن يكذب على نفسه ويقول إنه كان يستطيع الفوز لو حدثت الأمور بطريقة أخرى ، لقد تقبل مصيره، وكان يعرف في أعماقه أن هناك عباقرة لا يستطيع أمثاله التغلب عليهم، وأن الاعتراف بذلك لا يعني بالضرورة أنه أصبح ضعيفًا، بل يعني أنه أدرك حدود قوته بعدما واجه شخصًا تجاوزها بفارق واضح.
ولهذا، عندما عاد بصره إلى غابريونغ الواقف أمامه، لم يرَ فيه مجرد خصم هزمه قبل قليل.
رأى شيئًا من ذلك الفتى ، رأى في هدوئه، وفي طريقته، وفي تلك الجملة التي قالها له، صدى شخص لم يستطع بيكهو نسيانه رغم مرور الوقت ، وبقيت عيناه على غابريونغ للحظات، قبل أن يخرج صوته أخيرًا، وكان صوته هذه المرة أكثر هدوءًا من ذي قبل.
" كيم... إنك تذكرني بذلك الفتى حقًا !!"
لم يجب غابريونغ على كلامه ، اكتفى بالنظر إليه، ثم لاحظ أن خصمه قد هدأ أخيرًا، وأن المقاومة التي كانت موجودة في جسده وعينيه قبل قليل لم تعد موجودة ، لم يعد بيكهو يحاول تحديه، ولم يعد يتصرف كأنه يستطيع العودة إلى القتال، ولذلك لم يجد غابريونغ سببًا للاستمرار في الوقوف فوقه.
مد يده نحوه ، كانت يده هذه المرة لا تحمل قبضة ولا تهديدًا، بل كانت ممدودة لمساعدة بيكهو على الوقوف ، نظر بيكهو إليها للحظة ، ثم أمسك بها.
وبقوة غابريونغ، بدأ جسد بيكهو الضخم يرتفع من الأرض، حتى استعاد وقوفه من جديد ، لم يكن واقفًا بصورة مستقرة تمامًا ، وكانت آثار القتال لا تزال واضحة عليه، لكن مجرد وقوفه بعد كل ما حدث كان كافيًا لإظهار أن جسده لم يكن عاديًا.
كان الدم لا يزال يتساقط من جبهته، وكانت إصابة صدره تؤلمه مع كل حركة، لكنه لم يعد يقاوم نتيجة القتال ، بقي هادئًا.
ثم مد يده نحو صدره متألمًا، وضغط على المنطقة التي تلقت القبضة، وشعر بالألم ينتشر فيها من جديد ، كان صدره قد بدأ يتورم، وكان اللون البنفسجي المتورم واضحًا على موضع الإصابة، ولذلك لم يكن غريبًا أن تظهر على ملامحه بعض علامات الألم عندما لمسها.
رفع بيكهو عينيه نحو غابريونغ ، وقال بهدوء:
"لم أتوقع أنني سأجد شخصًا بسرعة يهزمني بسهولة لهذه الدرجة !!"
كان اعترافًا صريحًا من رجل لم يكن من السهل عليه أن يعترف بأن شخصًا آخر استطاع هزيمته بهذه الطريقة ، كان بيكهو يعرف قوته جيدًا، ويعرف مقدار ما يستطيع جسده تحمله، لكنه الآن يقف أمام غابريونغ، وقد تلقى ضربات عديدة تم ضربة واحدة جعلته يطير في الهواء، وضربة لم يستطع حتى أن يعرف متى بدأت.
وكانت تلك الحقيقة وحدها كافية لتجعل غابريونغ يهتم بما قاله بيكهو.
تغير اهتمامه ، فإذا كان بيكهو كوون، الرجل الضخم الذي واجهه قبل قليل، قد هُزم بهذه السهولة من شخص آخر، فإن ذلك الشخص لم يكن عاديًا بالتأكيد ، كان غابريونغ قد رأى بنفسه مقدار القوة التي يملكها بيكهو، ولذلك لم يكن قادرًا على تجاهل فكرة أن هناك شخصًا آخر استطاع إسقاط هذا الوحش قوي البنية بالطريقة التي وصفها بيكهو على انه قد خسر ضده بشكل سهل اكثر من الان
بدأ فضوله يظهر ، كان غابريونغ قد بدأ يطمح في ان يغير هدا العالم بأسره تحت قبضتيه ، و بهدا كان يحتاج رجال اشداء و اقوياء تحت جناحيه ، و ربما يكون هذا الشخص الذي تطرق إليها بيكهو يكمن انه في مساعدة له في تحقيق هذا الطموح
لدالك رفع غابريونغ يديه نحو ملابسه، وأخذ ينظف الغبار العالق بها، ثم بعد ذلك بدأ يزيل كلتا قفازيه من يديه، وكأنه أصبح أكثر اهتمامًا بالحديث من القتال الذي انتهى قبل لحظات ، كانت ملامحه لا تزال هادئة، لكنه كان يريد أن يعرف الإجابة.
ثم نظر إلى بيكهو "من هذا الشخص الذي تحدثت عنه ؟ شخص بهذه القوة مثلك يهزمك بتلك السهولة ؟!"
سقط السؤال بينهما ، أما بيكهو، فلم يرد مباشرة ، خفض نظره إلى الأسفل بهدوء، وكأن مجرد التفكير في ذلك الشخص أعاده مرة أخرى إلى تلك المواجهة التي لم يستطع نسيانها ، كانت ذاكرته تحمل تفاصيلها، وكان يعرف تمامًا مقدار الفارق الذي شعر به في ذلك الوقت، ولذلك لم يكن من السهل عليه أن يصف الأمر بكلمات بسيطة.
ثم قال: " لم أرَى قط شخصًا بمثل قوته في حياتي."
بقي غابريونغ صامتًا ، وتابع بيكهو: "لقد استحق احترامي بحق ... لكنك لن تثق بكلامي ، مادا لو قلت أنني في نزالي ضده لم أستطع حتى أن ألمسه ؟؟!!"
ظل غابريونغ واقفًا أمام بيكهو دون أن يقول شيئًا، وقد أصبح اهتمامه بما يسمعه أكبر من أي وقت مضى. لم يكن من عادته أن يلتفت كثيرًا إلى حكايات الآخرين، لكنه كان يعرف بيكهو الآن بما يكفي حتى يدرك أن الرجل لا يمدح خصمًا لمجرد المبالغة، ولا يعترف بسهولة بأن شخصًا آخر استطاع أن يهزمه دون أن يكون لذلك الاعتراف سبب حقيقي.
لذلك اكتفى بالصمت، تاركًا لبيكهو حرية الحديث، بينما بقيت عيناه تراقبان وجه الرجل الضخم الذي بدا وكأنه يستعيد أمامه شيئًا لم يغب عن ذاكرته رغم مرور الوقت.
خفض بيكهو رأسه قليلًا، وكانت الدماء لا تزال تتساقط من جبهته ببطء، بينما بقيت إحدى يديه على صدره المصاب. كان الألم حاضرًا مع كل نفس تقريبًا ، قال بيكهو بصوت هادئ هذه المرة: " منذ تلك الواقعة وأنا أبحث عنه ... كنت أريد أن أرد انتقامي منه، رغم أنني كنت أعرف في داخلي أنني لن أستطيع هزيمته." كانت الجملة تحمل تناقضًا واضحًا، لكنه كان تناقضًا يعرفه بيكهو جيدًا؛ كان يريد الانتقام من شخص يعترف في الوقت نفسه بأنه لا يستطيع التغلب عليه خصوصا و انه هزيمته على يد دالك الفتى ، قد جعلت مسيرته المهنية تتدهور بشكل كبير حتى اصبح يلقبونه الناس بالبطل الساقط
لم يكن البحث بالنسبة إلى بيكهو مجرد رغبة عابرة في العثور على خصم قديم، بل كان شيئًا ظل عالقًا في ذهنه منذ تلك المواجهة. كلما تذكر الطريقة التي انتهى بها القتال، وكلما تذكر أنه لم يستطع حتى أن يلمس ذلك الفتى، كان يشعر بأن هناك شيئًا لم ينتهِ بعد و كان يشعر كدالك بالغضب من خصمه .
ومع ذلك، لم تكن عملية البحث سهلة.
كان ذلك الشخص قد اختفى من أمامه، ولم يكن بيكهو يعرف أين يمكن أن يجده، ولذلك ظل يبحث عنه رغم إدراكه أن الأمر قد يكون بلا فائدة، لم يكن يعرف إلى متى سيستمر في ذلك، ولم يكن يعرف حتى إن كان سيصل إليه في النهاية، لكنه لم يتوقف عن البحث، لأن تلك المواجهة القديمة تركت داخله شيئًا لم يسمح له بأن يغلق الصفحة تمامًا.
ثم جاءت الحقيقة التي لم يكن يتوقعها. قال بيكهو: "لكن للأسف..." توقف للحظة.
كانت عيناه لا تزالان منخفضتين، ثم رفعهما قليلًا قبل أن يكمل: "لقد سمعت أنه قد تم سجنه !!"
في اللحظة التي وصلت فيها تلك الكلمات إلى غابريونغ، تغير شيء بسيط في ملامحه
السجن؟ فتى بهذه القوة دخل السجن؟
كان غابريونغ قد سمع من بيكهو أن ذلك الشخص كان قويًا إلى درجة أنه لم يستطع حتى لمسه، وأنه كان عبقريًا جعل رجلًا مثل بيكهو يعيش منذ ذلك الوقت وهو يبحث عنه من أجل الانتقام ، ولهذا فإن سماعه الآن أن ذلك الشخص انتهى خلف القضبان جعل السؤال يظهر في ذهنه بصورة طبيعية.
التفت غابريونغ إليه، وبقيت ملامحه هادئة كما كانت، ثم قال: "فتى دخل للسجن؟! ما الذي اقترفه ليدخل السجن؟" لم يكن في صوته حكم أو اتهام، بل كان مجرد سؤال صريح نابع من الفضول.
أما بيكهو، فلم يملك جوابًا حقيقيًا.
رفع عينيه قليلًا، ثم قال بهدوء: "لا أدري..." كانت تلك الكلمة بسيطة، لكنها حملت معها حقيقة واضحة؛
وكان بيكهو لا يزال واقفًا أمام غابريونغ ، جسده الضخم يحمل آثار المعركة الأخيرة، ووجهه يحمل الدم، وصدره يحمل أثر قبضة غابريونغ. ومع ذلك، بدا وكأن الألم الجسدي أصبح شيئًا ثانويًا في تلك اللحظة، لأن الحديث عن ذلك الفتى القديم كان قد استحوذ على تفكيره بالكامل.
ثم تابع بيكهو: "كل ما أعرف عنه... إنه من مدينة انتشيون."
بقي غابريونغ ينظر إليه ، لم يقل شيئًا ، فأكمل بيكهو بهدوء: "اسمه... سايمون بارك !!"
يتبع ....