وقف نوكس على حافة الشارع المظلم وهو ينظر إلى المبنى الذي أمامه، كان مكوّنًا من طابقين، تعلوه لافتة كُتب عليها "الحانة".
لكن نوكس كان يعرف أن ذلك غير صحيح.
فهو الآن يقف أمام مقر عصابة سيكوا، العصابة التي استغلته عندما كان صغيرًا، كان هذا المبنى في الحقيقة المقرّ الرئيسي لهم، حيث كانوا يحتفظون بكل مكاسبهم وأموالهم هنا. وقد اختاروا تمويه المكان على شكل حانة حتى لا يشك أحد في أمرهم.
بل إنهم فكروا في الأمر جيدًا، فلو وضعوا الكثير من الحراس أمام حانة عادية فسيثير ذلك الشك فورًا. لذلك أضافوا القليل من المقامرة والأنشطة الصاخبة داخلها، ليبدو المكان وكأنه مجرد حانة مزدحمة يقصدها الناس للشراب واللعب.
كما أن الشارع الذي بُنيت فيه الحانة كان مزدحمًا قليلًا، وهو أمر مقصود أيضًا، لأن الزحام يقلل الشبهات أكثر ويجعل المكان يبدو طبيعيًا.
وهكذا تمكنت العصابة من إخفاء كل أصولها وثرواتها هنا بعيدًا عن العيون المتطفلة.
أما نوكس… فقد عرف هذا المكان منذ زمن طويل.
في الحقيقة، كان يخطط منذ فترة لسرقته ،لكن الأمر لم يكن سهلًا أبدًا.
فالمخاطر كانت كثيرة، ولم يكن متأكدًا تمامًا من قدرته على النجاح. حتى لو كان بارعًا في القتال، فقد يضطر لمواجهة عدة أشخاص في وقت واحد.
لكن الحظ ابتسم له أخيرًا.
فبعد أن أصبح مستيقظًا، ازدادت قوته بشكل ملحوظ ، والآن… أصبح يعتقد أن خطته قد تنجح.
كل ما كان ينقصه سابقًا هو القليل من القوة. أما الآن، فقد أصبحت لديه تلك القوة… وربما أكثر.
ومع ذلك، لم يكن واثقًا بنسبة كاملة من النجاح.
لكن بالنسبة لنوكس…كانت المخاطرة تستحق المحاولة.
"هه، أبيض، أسود… اذهبا وشتّتا الانتباه قليلًا حتى أستطيع الدخول. إذا فعلتما ذلك فسأجلب لكما الكثير من الحلوى، أعدكما بذلك."
"مياو، مياو."
"نعم نعم، سأفعل. لكن اذهبا بسرعة، فهذا أفضل وقت للسرقة. المكان سيكون مزدحمًا، لذلك انطلقا."
انطلقت القطتان فورًا نحو المبنى، تعبران الشارع المزدحم بين الناس. كانت الأضواء مضاءة في كل مكان، وصخب الحانة يتسرّب إلى الخارج.
بقي نوكس في مكانه يراقبهما وهما تقتربان من المبنى.
"حان الوقت. سأذهب إلى الفتحة التي صنعتها… ههه، كم هم أغبياء حقًا، كيف لم يلاحظوها؟" توفق فجأة ، وهو يعبس قليلًا. "مهلًا… ربما لاحظوها بالفعل؟ لا… لا. إنهم مجموعة من عديمي العقول. لن ينتبهوا لشيء، خاصة أنني أنا من صنعها."
كان نوكس يفكر هكذا بينما يقترب من المبنى، وقد غطّى وجهه بكيس بلاستيكي حتى لا يتعرف عليه أحد. ففي هذه المدينة كان اسمه معروفًا نوعًا ما بين عامة الناس… والسبب بسيط.
لم يكن هناك تقريبًا شخص لم يحاول نوكس سرقته يومًا ما.
لهذا كان وجهه مألوفًا للكثيرين، ولهذا أيضًا كان يعيش في المجاري حتى لا يُقبض عليه
.
توقف نوكس وسط الزحام ونظر نحو باب الحانة.
كانت القطتان قد وصلتا بالفعل، كان عدة أشخاص يقفون أمام المدخل ويدخلون تباعًا، عندما انقضّ الأبيض والأسود فجأة. اندفعا بين الأرجل بسرعة، تخدشان سيقان الناس بمخالبهما الحادة. صرخ أحدهم وقفز للخلف، بينما تعثر آخر وسقط على الأرض.
وفي اللحظة التالية قفز لأبيض إلى الأعلى، مخدشة وجه رجل بقوة، فاندلع الصراخ وعمّت الفوضى أمام المدخل.
وفي الحال التفت الحراس الثلاثة نحو مصدر الفوضى… واندفعوا نحو لأبيض ، ولأسود.
"ما بال هذه القطط بحق الجحيم؟ هل ربما هي جائعة وتبحث عن الطعام؟"
"ما الذي تهذي به يا رجل؟ الطعام؟ فلتذهب إلى القمامة إذن! توقف عن قول هذا الهراء، ولنبعدها من هنا قبل أن يسوء لأمر. "
"توقفا عن الكلام واعملا! هل تريدان أن يأتي الزعيم ويقتلكما أم ماذا؟"
"نعم."
"نعم."
بعد ذلك حاول الحراس إبعاد الأبيض والأسود، لكنهم لم ينجحوا. فكلما حاول أحدهم الإمساك بهما ، كانو يقفيزان بعيدًا في اللحظة الأخيرة.
وهكذا ازدادت الفوضى أمام المدخل أكثر فأكثر.
في تلك الأثناء، كان نوكس يراقب المشهد من بعيد وهو يبتسم.
"كنت أعلم أنكما لن تخذلاني عندما أعتمد عليكما… أنتما رائعان حقًا."
بعدها أخذ نفسًا عميقًا،قبل أن يندفع راكضًا بسرعة متجهًا نحو خلف الحانة. كان يراقب بعينيه باستمرار ليتأكد أن الحراس لا ينظرون إليه.
كان الأمر خطيرًا للغاية، فلو التفت أحد الحراس نحوه في تلك اللحظة… لانتهى كل شيء بالنسبة له،
ومع ذلك لم يكن قلقًا كثيرًا.
فهذا بالضبط هو السبب الذي جعله يختار هذا الوقت للسرقة.
كان الليل قد حلّ، والشارع مزدحم بالناس، والقطتان أحدثتا فوضى كبيرة أمام المدخل. في مثل هذه الظروف، كان من شبه المستحيل أن ينتبه أحد لتحركاته.
ولهذا تحرك بسرعة بين الحشد حتى وصل أخيرًا إلى الجهة الخلفية.
عندها نزع الكيس البلاستيكي عن وجهه وهو يلهث قليلًا.
"يجب أن أجد قناعًا أفضل من هذا… التنفس بهذا الشيء صعب حقًا. أظن أنه قد يتسبب في قتلي يومًا ما إن لم أعثر على شيء أفضل."
فكر نوكس بذلك بينما كانت عيناه تتحركان بسرعة، يتفحص المكان من حوله.
"ها هي تذكرة دخولي إلى هنا."
حدّق في مكان مرتفع على الجدار الخلفي. هناك، فوق الحجارة الرمادية، كانت علامة صغيرة بالكاد يمكن ملاحظتها، هو من وضعها بنفسه.
فلم يكن يريد أن ينسى الموضع الصحيح.
تراجع نوكس عدة خطوات إلى الخلف، ثم أخذ نفسًا عميقًا. وفي اللحظة التالية اندفع إلى الأمام راكضًا بأقصى سرعته. عندما اقترب من الجدار، دفع جسده إلى الأعلى وقفز، ثم وضع قدمه على الحائط الحجري وضغط عليها بقوة.
دفع نفسه مرة أخرى بقدمه الأخرى، متسلقًا الجدار بسرعة.
كانت حركته سريعة وخفيفة، ومع آخر دفعة، مدّ يده للأعلى وأمسك بالحافة الصغيرة بجانب العلامة التي وضعها.
تعلّق هناك للحظة، مدّ يده الأخرى نحو الحجر ، في الحقيقة… لم يكن حجرًا.
ذلك الجزء من الجدار كان مصنوعًا من الخشب.
فالمبنى كله مبني بالحجارة، لكن نوكس كان قد نزع هذا الجزء منذ فترة طويلة، واستبدله بقطعة خشبية نحتها بنفسه. ثم طلاها بلون يشبه لون الحجارة تمامًا حتى لا يلاحظها أحد.
فعل كل ذلك لسبب واحد فقط.
حتى يستطيع نزعها بسرعة والدخول منها عندما يحين يوم السرقة.
"لماذا وضعتها في هذا الارتفاع أصلًا؟ أين كان عقلي وقتها؟ لا بد أنني كنت مجنونًا لأضعها في هذا المكان المرتفع."
فكر نوكس وهو يحاول نزع القطعة.
ثم بدأ يسحبها ببطء… حتى انفصلت أخيرًا عن مكانها.
لكن في اللحظة نفسها انزلقت من يده ، بينما اتسعت عيناه فورًا.
كادت القطعة تسقط نحو الأسفل، لكنه تصرف بسرعة خاطفة. دفع جسده إلى الجانب في الهواء، ثم مدّ ذراعه بقوة والتقطها قبل أن تهوي.
تأرجح جسده للحظة وهو ما يزال معلقًا بالجدار، بينما أمسك القطعة الخشبية بذراعه الأخرى بصعوبة.
بقي ثابتًا هكذا لثانية… ثم تنفس ببطء.
"تبا… كادت تسقط."
"كان سينتهي أمري حتى قبل أن يبدأ… أفف، لقد نجوت حقًا."
تمتم نوكس بذلك بينما كان يحاول الدخول عبر الفتحة. جمع جسده قليلًا ثم بدأ يدحرج نفسه في الهواء، محركًا كتفيه وخصره ليقترب أكثر من الفتحة الضيقة. ومع كل حركة كان جسده يقترب منها تدريجيًا.
وعندما أصبح قريبًا بما يكفي، ترك الحافة التي كان متمسكًا بها.
لكن قبل أن يهبط، مدّ ذراعيه بسرعة وأمسك حافتي الفتحة. تأرجح جسده للحظة خارج الجدار، ثم شدّ ذراعيه بقوة ورفع نفسه للأعلى، دافعًا كتفيه أولًا داخل الفتحة.
دخل نوكس إلى الحانة أخيرًا.
وفي اللحظة التالية أعاد القطعة الخشبية بسرعة إلى مكانها، مثبتًا إياها بعناية حتى تبدو كأنها جزء من الجدار مرة أخرى، قبل أن يلاحظ أحد الأمر.
عندما انتهى من لأمر ، انحنى قليلًا ونظر إلى الأسفل.
كانت الضجة تعم المكان.
رجال يجلسون حول الطاولات وهم يضحكون بصوت عالٍ وهم يشربون، وآخرون متجمعون حول طاولات المقامرة، يرمون القطع النقدية ويصرخون بحماس. بعضهم كان يضحك بسعادة بعد الفوز، بينما كان آخرون يضربون الطاولة بغيظ بعد الخسارة.
"نفوس بائسة…" فكر نوكس وهو يراقبهم.
"لا أفهم ما الذي يفكر به هؤلاء الفقراء حتى يراهنوا بكل أموالهم، وهم يعلمون أنهم قد يخسرونها كلها في لحظة واحدة. بل ويعرفون أيضًا أنهم يتعرضون للنصب أمام أعينهم."
"أليس من الأفضل لهم أن يدخروها قليلًا… حتى يأتي شخص مسكين مثلي ويسرقها؟ على الأقل سأعيش بها، بدل أن يعطوها لهؤلاء الحمقى."
انحنى نوكس أكثر وهو يتحرك فوق العوارض الخشبية في الأعلى، متجهًا نحو الغرفة الرئيسية.
فهناك… كانت الأموال تنتظره.
"آه، تبا…" توقف نوكس فورًا، وفي لحظة واحدة انخفض جسده واختبأ بسرعة خلف برميلين كبيرين موضوعين قرب الجدار العلوي، ملاصقًا للظلال حتى لا يراه أحد.
ألقى نظرة حذرة من بين الفجوات، وهو يشاهد رجلان عملاقان يتقدمان ببطء نحو الغرفة الرئيسية.
أكتافهما عريضة وأجسادهما ضخمة، راقبهما نوكس بصمت من مخبئه، بينما تضيق عيناه قليلًا.
"سأنتظر اللحظة المناسبة… ثم أقضي عليهما بسرعة."
فكر نوكس وهو يراقبهما بصمت. كان الرجلان يسيران ببطء نحو الغرفة الرئيسية، وظهراهما مكشوفان له تمامًا.
وعندما اقتربا منه أكثر… أعطياه ظهرهما بالكامل.
حينها خرج من مخبئه بهدوء، مدّ يده قليلًا نحو الظلال المتراكمة على الأرض، وركز ذهنه، بينما بدأ الخنجر ظل يتشك في يديه.
"أسرع… أيها الغرف لعين." تمتم في نفسه بينما هو يقترب منهما أكثر.
وعندما أصبح على بعد خطوتين فقط ، تشكل الخنجر الظل ، وثم اندفع فجأة، قبل أن يصل العملاقان إلى باب الغرفة الرئيسية، قفز نوكس إلى الأمام وطعن أقربهما مباشرة في ظهره.
تشــق!
اخترق خنجر الظل ظهر بسهولة، ببنما تجمد العلاق للحظة، و اتسعت عيناه من الصدمة.
وفي اللحظة نفسها دار رأسه ورأس رفيقه نحو نوكس.
لكن نوكس كان يبتسم لهما، وقبل أن يتمكن الثاني من الرد، سحب نوكس يده بسرعة، ثم ألقى خنجرًا ظليًا آخر شكله في اللحظة نفسها.
اندفع الخنجر عبر الهواء كخط أسود سريع.
ثـاق!
اصطدم بصدر العملاق الثاني وغاص فيه. تراجع الرجل خطوة إلى الخلف، متألمًا وهو يضغط على صدره.
لكن العملاق الأول—رغم الطعنة—زمجر بغضب وانقضّ على نوكس فجأة.
كانت حركته سريعة بشكل مفاجئ، مدّ ذراعيه الضخمتين وأمسك نوكس بقوة، ثم رفعه عن الأرض بسهولة كما لو كان طفلًا.
تفاجأ نوكس للحظة… لكنه لم يذعر ، بدل ذلك تحرك بسرعة، حيث مدّ يده إلى ظهر العملاق، حيث ما زال خنجر الظل مغروسًا هناك. ومع حركة سريعة سحبه من الجرح، ثم غرسه فورًا بجانب رقبة العملاق .
طعنة!
طعنة!
طعنة!
الدم تتدفق كالشلال، يغطي يد نوكس وذراعه. كان يطعن بسرعة مذهلة، وفي لحظات قليلة لا تتعدى الثواني، بينما الضخم كان يرتجف تحت وطأة الطعنات قبل أن يرخي قبضته ويسقط على ركبتيه ثم ينهار أرضًا.
نزل نوكس برشاقة على الأرض، أصبح وجه نوكس مليئًا بالدماء، لكنها لم تزعجه. وقف ينظر إلى العملاق الثاني الذي كان يقترب منه غاضبًا.
اندفع نحوه بسرعة. حاول العملاق ضربه بقبضته الضخمة، لكن نوكس انحنى قليلًا وتجنب الضربة، ثم دار بجسده فجأة حوله.
وفي اللحظة التالية— غرس الخنجر في صدره ، لكن نوكس لم يتوقف عند ذالك ، أدار الخنجر داخل الجرح بقوة، بينما دفعه إلى الأسفل، حتى انغرس النصل في بطن العملاق. ارتجف العملاق من الألم الشديد، وكان على وشك إطلاق صرخة عالية.
لكن نوكس تحرك قبل أن يحدث ذلك،مدّ يده الأخرى وأدخل قبضته داخل فم الرجل بعنف، ضاغطًا على فكه ليمنعه من الصراخ، بينما واصل طعنه بلا رحمة في بطنه.
طعنة… ثم أخرى…و أخرى.
كانت عيناه باردتين تمامًا وهو يحدق في الرجل الذي بدأ جسده يضعف شيئًا فشيئًا، وبعد لحظات فقط، فقد العملاق قوته وسقط بقوة على الأرض.
"كان الأمر خطيرًا بعض الشيء…" قال ذلك وهو يمسح الدم عن وجهه قليلًا، ثم رفع يده إلى أنفه.
"لكن ما هذه الرائحة الكريهة ؟ ألم يغسله فمه ولو مرة واحدة؟ تبا…" قال ذلك وهو يشم يده باستياء، قبل أن يتنهد. "لا يهم."
بعدها تقدم نحو الغرفة الرئيسية. كان قلقًا قليلًا من أن يكون أحد قد سمع ما حدث، رغم أنه حاول جعل القتال هادئًا قدر الإمكان.لكن… لم يكن متأكدًا، إذا كان قد نجح ، كلما عليه فعله هو تمني ذالك ،
وقف أمام الباب ، ثم طرقه ثلاث مرات، وأنتظر الثوني ،
قبل أن سمع صوت خطوات قادمة من الداخل ،وفي تلك الأثناء، شكّل نوكس خنجرين من الظل في يديه، وكان يمسكهما بإحكام وهو ينتظر.
بدأ الباب ينفتح ببطء.
لكنه لم ينتظر حتى يفتح بالكامل ، اندفع إلى الداخل بسرعة ، كان أول ما رآه رجل نحيل يقف قرب الباب. اتسعت عينا الرجل من الصدمة، ولم يتمكن حتى من فهم ما يحدث، فتراجع خطوة وسقط على الأرض.
لكن نوكس لم يمنحه أي فرصة ، ألقى الخنجر فورًا، انطلق خنجر الظل عبر الهواء واخترق رأس الرجل مباشرة.
سقط جسده بلا حراك.
رفع نوكس رأسه بعدها ونظر داخل الغرفة ، كان هناك ثلاثة أشخاص آخرون ، على الأقل… تعرف على أحدهم فورًا.
كان يجلس خلف مكتب كبير في آخر الغرفة.
رجل في منتصف العمر، بجسد قوي وكتفين عريضتين. كان شعره داكنًا وممشطًا إلى الخلف، بينما كانت ندبة طويلة وعميقة تمتد من أعلى جبينه مرورًا بعينه اليسرى حتى خده، مما أعطى وجهه مظهرًا قاسيًا ومخيفًا.
كانت عيناه حادتين مثل عينَي مفترس ، هذا الرجل… كان زعيم عصابة سيكو، والاسم الذي يحمله كان سيكوا.