نظر جميع من في الغرفة إلى نوكس، الذي كان يقف عند المدخل ووجهه هادئ بشكل غريب.
"هل هذا أنت… أيها اللص القاتل؟" قال سيكوا ذلك بنبرة هادئة، ثم تابع وهو ينظر إلى نوكس باهتمام.
"هل اشتقت إلينا إلى هذه الدرجة حتى تقدم عرضًا مثل هذا؟ لكن لسوء حظك… لم يعجبني العرض كثيرًا. بصراحة، كان مخيبًا للآمال نوعًا ما. كان يمكنك أن تفعل شيئًا أفضل بكثير. لقد خيبت أملي حقًا… يا نوكس."
ابتسم نوكس وهو يستمع إلى كلامه، ثم فجأة انفجر ضاحكًا.
"هههههههه!"
رفع رأسه قليلًا وهو يضحك، ثم مسح الدم عن خده بيده.
"هل فقدت عقلك أخيرًا أيها العجوز؟ أنا هنا لأقتلك.همم… لا، ليس هذا بالضبط. في الحقيقة أنا هنا لأسرقك." توقف للحظة ثم هز رأسه."لا لا… هذا أيضًا ليس الكلام الصحيح.أه، تذكرت… أنا هنا لأجمع ديوني منك.وكما تعلم… هناك الكثير منها."
ظل سيكوا صامتًا لثانية، ثم تنهد ببطء وكأنه حزين.
"هكذا إذًا…لقد حطمت قلبي حقًا. ظننت أنك عدت لتصبح تحت جناحي من جديد، لكن يبدو أنك لم تتغير أبدًا."
أدار رأسه قليلًا نحو الرجلين الواقفين خلفه.
"جان… داروين.اجعلاه يعود إلى صوابه قليلًا."
في تلك اللحظة هزّ الرجلان رأسيهما بهدوء.
تقدم أحدهما خطوة إلى الأمام، كان طويل القامة ، جسده نحيف ، وذراعاه طويلتان.
أما الآخر… فكان يقف بجانبه بنفس الطول تقريبًا، لكن جسده أعرض قليلًا. كان وجهه مليئًا بخدوش قديمة وندوب صغيرة، لقد كان داروين.
"هل تريدان فعلها بالطريقة الصعبة؟ حسنًا… لنفعل ذلك."
قالها نوكس وهو يرفع خنجر الظل أمامه، بينما ينحني قليلًا ويثبت قدميه على الأرض، مستعدًا للهجوم في أي لحظة.
في الجهة الأخرى، تقدم جان وداروين ، نحوه ، وهما يسحبان سكاكينهما في الوقت نفسه، ووجها نصالهما نحو نوكس.
عمّ الصمت للحظة قصيرة داخل الغرفة.
ثم—انقضا عليه معًا.
اندفعا بسرعةٍ خاطفة من جهتين مختلفتين.
لمع نصل سكين جان أولًا، وهو يندفع مباشرة نحو عنق نوكس، ضربة سريعة ودقيقة، تهدف إلى إنهاء القتال في لحظة.
وفي الوقت نفسه، تحرك داروين من الجانب، بخطواتٍ واسعة، ليغلق عليه طريق الهروب، محاصرًا إياه بين نصلين قاتلين.
لكن نوكس مال بجسده بخفةٍ مفاجئة، وكأنه انزلق مع الهواء نفسه.
وفي اللحظة التالية، حاول طعن جان بخنجره، ضربة قصيرة ومباشرة نحو صدره.
غير أن جان كان سريعًا أيضًا، أدار جسده قليلًا فتفادى الطعنة بفارق سنتيمتراتٍ قليلة، بينما كان داروين يندفع نحوه من الخلف، محاولًا غرس سكينه في جانبه.
كان أسلوبهما متناسقًا بشكلٍ واضح…
تراجع نوكس عدة خطوات إلى الخلف بسرعة، وهو يراقبهما بعينين ضيقتين، يحلل حركاتهما بدقة، بينما كان تنفسه هادئًا ومستقرًا.
لم يمضِ سوى جزءٍ من الثانية— حتى اندفع جان مرةً أخرى.
هاجم مباشرة نحو صدره بضربةٍ حادة وسريعة، لكن نوكس خفض رأسه فجأة، وانحنى بجسده إلى الأمام في حركةٍ سلسة، ثم اندفع بخنجر الظل في خطٍ مستقيم نحو صدر جان.
كان على وشك اختراق قلبه.
لكن داروين تدخل في اللحظة المناسبة.
اقترب منه بسرعة، مستهدفًا جسده المنخفض، محاولًا طعنه قبل أن يتمكن من استعادة توازنه.
غير أن نوكس… كان قد توقع ذلك.
بينما كان جسده منخفضًا، أدار خصره بسرعة، ثم دفع قدمه إلى الأعلى في حركةٍ دائرية حادة، ضربة صاعدة يصعب تفاديها.
ارتفعت ساقه فجأة من الأسفل إلى الأعلى—
اصطدمت قدمه مباشرة بوجه داروين، فارتد رأسه إلى الخلف من قوة الركلة، وتناثر لعابه في الهواء، بينما تراجع عدة خطوات إلى الوراء وهو يترنح.
وفي اللحظة نفسها—ألقى نوكس خنجر الظل بسرعةٍ خاطفة نحوه، دون أن يمنحه فرصةً للتفكير أو الدفاع.
اخترق الخنجر خصر داروين بعمق، فانحبس صوته في حلقه، وخرجت منه شهقة ألمٍ قصيرة ومفاجئة.
وفي اللحظة التالية مباشرة—أصبح نوكس أمامه.
تحرك بسرعةٍ مرعبة، كظلٍ انقض من العدم، وهو يستعد لتوجيه ضربةٍ أفقية سريعة ومباغتة.
لكن داروين، رغم إصابته، لم يستسلم بسهولة.
أطلق لكمة قوية نحو وجه نوكس، أصابته بشكلٍ مباشر، فترنح قليلًا إلى الخلف من شدة الصدمة.
لكن…نوكس ابتسم.
ابتسامة صغيرة، باردة، خالية من الرحمة.
مد يده بسرعة، وسحب خنجر الظل من خصر داروين بعنف، فاندفعت الدماء منه دفعةً واحدة، ثم بدأ يطعن جسده بلا توقف.
طعنة.
طعنة.
طعنة.
كانت الضربات سريعة ومتتالية، كالمطر الغزير.
تدفقت الدماء من جسد داروين كشلالٍ أحمر كثيف، بينما حاول الدفاع عن نفسه بيدٍ مرتجفة، لكن قوته كانت تتلاشى بسرعة، وجسده بدأ يضعف لحظةً بعد أخرى.
وفي الوقت نفسه—كانت عين نوكس اليمنى تراقب جان. لذي يقترب نحوه مرةً أخرى.
رفع نوكس قدمه فجأة نحو جان، محاولًا إيقاف اندفاعه وإجباره على التراجع.
لكن جان انحنى بسرعة، وتجنب الركلة بسهولةٍ واضحة، ثم مرر سكينه في حركةٍ خاطفة، نصلٌ لامع شق الهواء قبل أن يصل إلى هدفه.
شــق!
انفتح جرح طويل في قدم نوكس، وتدفقت منه الدماء فورًا، بينما تغير تعبيره قليلًا من الألم، وارتجفت عضلات ساقه للحظة قصيرة…
لكنه لم يهتم كثيرًا. بل على العكس—
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
فهو قد نجح فيما كان يهدف إليه منذ البداية…
تأخير جان لبضع ثوانٍ فقط. ثوانٍ كانت كافية.
وفي اللحظة التالية، سحب خنجر الظل إلى الخلف بقوة، ثم دفعه إلى الأمام بكل ما يملك من طاقة، مغرسًا النصل مباشرة في حلق داروين.
ارتجف جسد داروين بعنف، واتسعت عيناه في صدمةٍ مرعبة، بينما خرج صوت خافت من حلقه، صوتٌ اختنق قبل أن يكتمل. تلاشى بريق الحياة من عينيه تدريجيًا…ثم انهار على الأرض بلا حراك.
سقط جسده بثقلٍ مكتوم، وامتدت بركة الدم تحته ببطء. ساد صمتٌ قصير داخل الغرفة.
"يبدو أنك أصبحت مستيقظًا… تهانينا على ذلك. لم أستطع أن أبارك لك في الوقت المناسب، كما أنني لم أقم حفلة على هذه المناسبة."
قال سيكوا وهو ينهض ببطء من مقعده خلف المكتب، حركته هادئة ومتزنة، ثم شبك يديه خلف ظهره، ونظر إلى نوكس بنظرةٍ ثابتة، خالية من الخوف.
ابتسم نوكس ابتسامة خفيفة وهو يمسح الدم عن وجهه بظهر يده.
"حفلة؟ ما زال يمكنك فعل ذلك… بعد أن تدعني آخذ ديوني، ستكون تلك الهدية رائعة حقًا، أليس كذلك؟ حينها لن أضطر إلى قتلك."
ضحك سيكوا قليلًا، ضحكة قصيرة وباردة.
"آه… تقتلني؟ لا أظن أنك تستطيع فعل ذلك." ثم هز كتفيه بلا مبالاة. "لكن على كل حال، ليست صفقة سيئة… حياتي مقابل المال. يمكنني القبول بذلك. خذ ما تريد واذهب."
ظل نوكس صامتًا لحظة، وهو يحدق في وجهه بعينين ضيقتين، كأنه يحاول قراءة ما خلف كلماته.
ثم اتسعت ابتسامته ببطء.
"كنت أمزح…هل تظنني غبيًا حتى أقع في فخك؟"
انخفض صوته قليلًا، وأصبحت نبرته باردة كالجليد.
"أنا هنا لأقتلك."
وقبل أن ينهي كلماته— اندفع إلى الأمام بسرعةٍ مفاجئة.
في لحظةٍ واحدة، كان أمام سيكوا، وخنجر الظل يندفع مباشرة نحو صدره، ضربة سريعة تهدف إلى إنهاء القتال فورًا.
لكن سيكوا تحرك بسرعة غير متوقعة.
مال بجسده قليلًا، وتجنب الطعنة بفارقٍ ضئيل، ثم أمسك معصم نوكس بقوة، وأطلق لكمة مباشرة نحو وجهه.
ارتطمت القبضة بوجه نوكس بعنف، وانفجر الدم من أنفه، وتناثر في الهواء، بينما تراجع رأسه للخلف من قوة الضربة.
لكن نوكس لم يتوقف.
بل استدار بجسده بسرعة، ملتفًا حول ذراع سيكوا بحركةٍ مرنة، كأفعى تلتف حول فريستها، ثم رفع ساقه فجأة ووجه ركلتين متتاليتين نحو وجهه.
بوم… بوم!
أصابت الضربتان هدفهما بدقة، فاهتز جسد سيكوا، وتراجع نصف خطوة إلى الخلف، قبل أن يفقد توازنه ويسقط على الأرض.
قفز نوكس إلى الخلف فورًا، مبتعدًا مسافة قصيرة، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يلهث قليلًا.
"يبدو أنك أصبحت عجوزًا حقًا…أن تتلقى ضربًا كهذا من معتوهٍ مثلي."
لكن القتال لم يتوقف ولو لثانية واحدة.
ففي اللحظة نفسها، اندفع جان نحوه بسرعةٍ غاضبة، وعيناه تشتعلان بالانتقام بعد سقوط رفيقه.
بدأت الضربات تتبادل بسرعةٍ جنونية.
سكاكين تلمع في الهواء، وأجساد تتحرك بلا توقف، بينما بدأت الخدوش والجروح الصغيرة تظهر على أجسادهم مع استمرار القتال، واختلطت الدماء بالعرق على وجوههم.
ضحك نوكس فجأة، ضحكة قصيرة وسط المعركة، وهو يراوغ بخفة.
"ليس عادلًا… رجلان بالغان يقاتلان طفلًا مسكينًا. يا إلهي… أين ذهبت كرامتكما؟"
وفجأة— اندفع نحو جان مباشرة، بسرعةٍ مفاجئة، مستغلًا لحظة اندفاعه.
استغل الفرصة، وطعنه في صدره فورًا، ضربة مباشرة وعميقة. لكن في اللحظة نفسها—
أمسك نوكس بذراع جان بقوة، وقبض عليها كالمخلب.
اتسعت عينا جان فجأة عندما أدرك الحقيقة.
لقد وقع في الفخ.
حاول فورًا ترك السكين والابتعاد، وسحب ذراعه بكل قوته، لكن قبضة نوكس كانت محكمة، قاسية، لا تسمح له بالهرب.
أما نوكس….فقد كان ينتظر هاذه اللحظة بالضبط.
فقد كان قد شكّل خنجر ظل آخر مسبقًا، دون أن يلاحظ أحد، وفي حركة خاطفة، سريعة كوميض البرق، رماه مباشرة نحو جان.
اخترق خنجر الظل رقبة جان بعمق، فاندفعت الدماء من عنقه دفعةً واحدة، بينما تجمد جسده للحظة قصيرة، كأن الزمن توقف حوله.
اتسعت عيناه في ذهولٍ مفاجئ، وتحركت شفتاه قليلًا دون أن يخرج منهما صوت.
ثم—انهار جسده على الأرض بلا حراك.
ابتسم نوكس بسخرية، وهو ينزع السكين من صدر جان ببطء، ثم هز النصل قليلًا لتتناثر قطرات الدم على الأرض، قبل أن يرفع نظره نحو سيكوا، الذي كان يحاول النهوض بصعوبة.
"يبدو أنك لست جيدًا في جمع الأتباع… لماذا كلهم مجموعة من عديمي الفائدة؟" ثم أمال رأسه قليلًا، وكأنه يفكر. "آه، فهمت… لأن قائدهم نفسه عديم الفائدة، أليس كذلك؟"
"يبدو أن التقدم في العمر ليس أمرًا جيدًا… أين ذهبت أيام عزك تلك؟"
كان سيكوا قد نهض أخيرًا، متكئًا على المكتب، وكانت عيناه تشتعلان بالغضب، وعضلات وجهه مشدودة بشدة.
فتح فمه ليتكلم— لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
أدخل نوكس يده تحت ملابسه ببطء، وأخرج شيئًا صغيرًا، جسمًا داكنًا وخطيرًا.
وعندما وقعت عين سيكوا عليه… تجمد في مكانه.
كان بارودًا متفجرًا، مربوطًا بإحكام، وقد وضعه نوكس قريبًا من النار المشتعلة في الغرفة، بحيث تكفي شرارة واحدة فقط لتحويل المكان كله إلى جحيم مشتعل.
اتسعت عينا سيكوا قليلًا.
أ
فابتسم نوكس ابتسامة طويلة، ممتدة، مليئة بالثقة.
"حان وقت الحديث، أيها العجوز… إذا لم تعطني ديوني… يمكنك أن تودع الحياة إلى الأبد."
كان سيكوا على وشك أن يتكلم، وقد بدأ يجمع كلماته— لكن في تلك اللحظة بالضبط…
شعر بشيء يخترق بطنه.
اتسعت عيناه بصدمة مفاجئة، وتجمد جسده للحظة، قبل أن يخفض نظره ببطء نحو الأسفل.
هناك—كان نصل أسود يخرج من بطنه.
ارتجفت شفتاه قليلًا، وارتفع صدره بأنفاس متقطعة، بينما بدأ الدم يتدفق من الجرح ببطء.
رفع رأسه بصعوبة، ونظر أمامه مباشرة—
فرأى نوكس يقف أمامه، قريبًا جدًا، ينظر إليه بابتسامة طويلة، باردة، خالية من الرحمة.
حاول سيكوا أن يتكلم، وصوته يخرج متحشرجًا من حلقه.
"أيها اللص اللعي—"
انحبس صوته في حلقه، وارتخت عضلات جسده دفعةً واحدة، قبل أن ينهار على الأرض بثقلٍ ميت.
سقط بلا حراك.لقد مات.
تنفس نوكس أخيرًا بعمق، زفير طويل خرج من صدره، وكأنه يفرغ توترًا متراكمًا منذ بداية القتال.
"يبدو أن هذا العجوز فقد بريقه حقًا…حتى إنه أرخى دفاعه بهذه السهولة."
هز كتفيه قليلًا، ثم ضحك ضحكة قصيرة وهو يتحدث مع نفسه.."تبا… لا أريد أن أتقدم في العمر إذا كنت سأصبح مثله. ربما أقتل نفسي قبل أن يحدث ذلك… نعم، ههه."
ثم استدار بهدوء، وبدأ يتقدم نحو المكتب الكبير في وسط الغرفة، خطواته ثابتة، رغم الألم الذي بدأ ينتشر في ساقه المصابة.
وصل إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه سيكوا قبل قليل، وتوقف للحظة قصيرة، قبل أن يجلس عليه بثقة.
مد يده وبدأ يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، يبحث بسرعة ولكن بحذر، وعيناه تلمعان بترقب واضح.
لقد عثر أخيرًا على ما كان يبحث عنه، لأخرج حقيبة ، وأمسكها ببطء، ورفعها أمامه، ثم فتحها بحذر شديد.
وفي اللحظة التي رأى ما بداخلها—.اتسعت ابتسامته فجأة.
كانت الحقيبة ممتلئة بالذهب.
عملات كثيرة، متراصة فوق بعضها، تعكس ضوء النار المتراقص في الغرفة، فتلمع ببريقٍ جذاب، بريقٍ لا يمكن مقاومته.
"الغنى…لقد أصبحتُ غنيًا! ههههه!"
كان يحدق في الذهب بعينين متسعتين، وابتسامة عريضة تملأ وجهه، لكن تلك الابتسامة اختفت بسرعة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.
رفع يده وصفع نفسه بخفة على خده.
"نوكس… ليس هذا وقت الاحتفال. عليك أولًا أن تخرج من هنا وبسرعة."
نهض فورًا من الكرسي، وأغلق الحقيبة بإحكام، ثم حملها بيدٍ ثابتة.
مد يده الأخرى وأمسك بالشمعة المشتعلة، بينما قبض بيده الثانية على البارود المتفجر.
ثم توجه بخطوات سريعة نحو باب الغرفة.
في الحقيقة… كان قد خطط لهذا منذ البداية.
كانت هذه خطته الاحتياطية.
إذا ساءت الأمور، سيفجر المكان بالكامل، يصنع فوضى عارمة، ويهرب وسط الدخان والنيران.
لم يكن يريد استخدام هذه الخطة.لكن القتال كان صاخبًا بما يكفي.
كل ذلك لا بد أنه وصل إلى آذان من في الطابق السفلي.
كما أنه كان مصابًا الآن.
جسده ملطخ بالدماء، وملابسه ممزقة، وخطواته لم تعد خفيفة كما كانت في البداية.
لو خرج بهدوء من نفس الطريق الذي دخل منه…
فسيجذب الانتباه فورًا.
توقف نوكس أمام باب الغرفة لحظة قصيرة، وحدق في الداخل بنظرة ثابتة، كأنه يراجع كل ما حدث خلال الدقائق الماضية.
"لا أريد أن أندم على هذا…"
تمتم بها بصوت منخفض، وفي اللحظة التالية، أشعل البارود بسرعة، واشتعل الفتيل بوميضٍ قصير، ثم رماه داخل الغرفة دون تردد.
واستدار فورًا—وركض بأقصى سرعة نحو الممر.
كانت خطواته ثقيلة قليلًا بسبب جراحه، لكنه أجبر جسده على الاستمرار، بينما صدى حذائه يرتطم بأرضية الممر بقوة.
وصل إلى الدرج المؤدي إلى الأسفل، ولم يتوقف، بل قفز عدة درجات دفعة واحدة، متجاوزًا الألم الذي اخترق ساقه.
وبعد لحظة قصيرة—
بوووووم!!
دوّى انفجار هائل هز المكان بعنف.
انطلقت موجة ضخمة من النار والدخان من الغرفة، واهتز المبنى كله كأنه سيتحطم في أي لحظة، بينما تصاعدت ألسنة اللهب عبر الممرات، وانتشر الدخان الأسود في الهواء بسرعة مرعبة.
وفي الطابق السفلي—عمّ الذعر الحانة فورًا.
صرخ الناس بصوت عالٍ، وقفزوا من أماكنهم في حالة فوضى، بينما تدافع الجميع نحو المخرج، واصطدمت الأجساد ببعضها في محاولة يائسة للهروب.
سقطت الكراسي، وانكسرت الطاولات، وارتفعت أصوات السعال والصراخ، بينما بدأ الدخان يتصاعد من الأعلى، والنيران تنتشر في أرجاء المكان بسرعة مخيفة
.
في هذه الأثناء—نهض نوكس بصعوبة من الأرض.
كان قد فقد توازنه قليلًا أثناء القفز، فاصطدم رأسه بالحائط، وشعر بدوار خفيف، بينما كانت الدماء ما تزال تغطي جسده وملابسه.
لكنه لم يهتم بذلك.لم يكن لديه وقت ليضيعه.
مسح الدم عن عينه بيده، ثم أخذ نفسًا قصيرًا، وظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة.
الآن…كل ما عليه فعله هو الاختلاط بالفوضى.
وبدون تردد، اندفع هو أيضًا نحو المخرج بين الحشد الهارب، محنيّ الرأس قليلًا، يتحرك مع الناس وكأنه واحد منهم.
كان الأمر صعبًا. الجسد ه متعب… والألم يزداد…
والدماء تفضحه… لكن رغم ذلك— استطاع فعلها.
فبعد لحظات متوترة، خرج من المبنى أخيرًا، ليجد نفسه في الشارع الخارجي.
استقبله هواء الليل البارد، ممزوجًا برائحة الدخان.
رفع رأسه قليلًا—ورأى حشدًا كبيرًا أمامه.
كان الناس متجمعين في الشارع، يحدقون بصدمة في المبنى المشتعل، بينما تتصاعد منه ألسنة اللهب، ويتصاعد الدخان إلى السماء، وكان واضحًا للجميع أنه على وشك السقوط في أي لحظة.
توقف نوكس قليلًا بين الحشد.
وقف مستقيمًا ببطء، ثم مسح الدماء عن وجهه بيده، محاولًا أن يبدو كأي شخص آخر نجا من الفوضى.
بعد ذلك، بدأ يمشي بهدوء نحو الشارع المظلم، خطواته ثابتة، ونظره متجه إلى الأمام.
وخلفه كان المبنى ينهار ببطء.
ثم— انهار المبنى بالكامل.
وسط صوت تحطم هائل، ارتفع غبار كثيف في الهواء، وتناثرت الحجارة والخشب في كل اتجاه.
توقف نوكس لحظة.أدار رأسه ببطء، ونظر خلفه إلى الأنقاض المشتعلة، وعيناه تعكسان ضوء النار المتراقص.
صمت للحظة قصيرة. وفي تلك اللحظة—
ظهرت قطتان صغيرتان من بين الظلال.
الأبيض… والأسود.
خرجتا بهدوء من زقاقٍ مظلم، ثم ركضتا نحوه بسرعة، حتى توقفتا عند قدميه، تلهثان قليلًا، وكأنهما كانتا تبحثان عنه منذ البداية.
انحنى قليلًا، ومد يده وربت برفق على رأسيهما، قبل أن يتحدث بنبرة هادئة.
"الآن… بعد أن أصبح لدينا ما يكفي من المال…دعونا نذهب إلى الأكاديمية.حياتنا ستبدأ من جديد…أليس كذلك يا أبيض… يا أسود؟"
مواءت القطتان بهدوء، وكأنهما وافقتا على كلماته.
بعد ذلك—استدار نوكس، وبدأ يمشي في الشارع المظلم، بينما اختفى ظله تدريجيًا بين الأزقة الضيقة.
كانت خطواته بطيئة… لكنها ثابتة. وكانت ابتسامته ما تزال على وجهه. مع صديقيه الوحيدين.