بعد مرور ثلاثة أيام، استعد كلٌّ من باسل وحمزة وترافيس لعبور الطريق إلى القبيلة الأخرى.
جلسوا مع زعيم القبيلة كايل، ليستمعوا إلى المزيد عن تاريخ الجزيرة وأسرارها.
بدأ كايل الكلام، وصوته يحمل نبرة غامضة:
"هناك امرأة غامضة تسكن في الغابة المحيطة بالنهر الذي يفصل بين القبيلتين. تُعرف باسم «السيرينا». ليست بشرًا، وليست شبحًا… بل شيئًا بينهما. يُقال إن لها مظهرًا مرعبًا، وصوتها ساحر. إذا سمعت غناءها، ستجد نفسك تغرق في حلم لا تستطيع الهروب منه. ستقف مكانك بلا حراك، أسير الوهم، بينما تقترب منك ببطء… حتى تسلب حياتك."
نظر حمزة وباسل وترافيس إلى بعضهم بدهشة، بينما سأل ترافيس بقلق: "هل هناك أي طريقة لتجنب تأثيرها؟"
أجاب كايل، وهو يخرج قطعة صغيرة بيضاء اللون ويمسك بها بين أصابعه: "الوحيد الذي نجا منها كان صيادًا أغلق أذنيه بالشمع قبل أن يشعر بوجودها. هذا الوحش يستغل جمال صوته لجذب فريسته، وعندما تقع في قبضة الحلم… لا مفر."
ثم نظر إلى أحد المحاربين الواقفين عند مدخل الكوخ؛ شاب قوي البنية، عيناه بنيتان حادتان، وندبة قديمة تمتد من حاجبه إلى خده الأيسر. ثم قال: "جوران، ستذهب معهم."
ثم تقدَّم كايل وأخذ كيسًا صغيرًا يحتوي على قطع من الشمع الخاص، وأعطاه لهم محذرًا: "تأكدوا من وضعه بإحكام في آذانكم. إذا فقدتموه، فلن تتمكنوا من مقاومة تأثيرها."
وقبل أن يشرعوا في رحلتهم، تبادلوا نظرات صامتة تحمل مزيجًا من الحذر والعزم، مدركين أن ما ينتظرهم في الدروب القادمة لن يكون سهلًا.
انطلقوا بخطى حذرة نحو حافة الغابة، يتقدّمهم جوران، فيما كانت الأشجار الكثيفة تشكّل ممرًا ضيقًا تتخلله ظلال متشابكة، أشبه بمدخل إلى عالم غريب ومجهول.
عندما دخلوا الغابة، ازدادت الرطوبة، وأصبح الضوء بالكاد يتسلل من بين الأشجار الكثيفة. بدأت أصوات غريبة تخرق السكون؛ همسات خافتة، وخشخشة غامضة بين الأوراق.
راودهم شعور بأن أنظارًا خفية تراقبهم، وأن أصوات مخلوقات مجهولة تتردد في البعيد، مما زاد من قلقهم وجعل خطواتهم أكثر حذرًا.
أثناء سيرهم، رأوا عناكب ضخمة تتدلّى من الأغصان، وتحدّق فيهم بأعين لامعة وصمت مريب، كما ظهرت مخلوقات هجينة تحمل رؤوس ديوك وأجساد نعام، تصدر أصواتًا مشؤومة تُنذر بخطرٍ داهم.
عندما اقتربوا من النهر، بدأ صوت غناء ناعم يتسلّل إلى آذانهم؛ كان صوتًا هادئًا، يحمل شيئًا يُخدّر العقل ويغريه بالاستسلام.
عندها أدركوا أنهم دخلوا نطاق تأثير السيرينا، سارعوا إلى البحث عن الشمع لسدّ آذانهم… لكنهم اكتشفوا أنه قد اختفى.
نظروا إلى بعضهم في صدمة. كيف اختفى؟! هل سقط دون أن يشعروا؟
في تلك اللحظة، شعروا بأجسادهم تثقل، ورؤوسهم تدور، وعيونهم تبهت.
تجمدوا في أماكنهم، عاجزين عن الحركة، وكأن قوة خفية سلبت أجسادهم السيطرة. عقولهم وعت ما يحدث، لكن أجسادهم لم تستجب، حتى انزلقت عيونهم ببطء إلى السواد.
كل واحد منهم وجد نفسه في عالم مختلف...
حمزة الذي وجد نفسه واقفًا على سطح قارب صغير يتأرجح فوق أمواج بحر هائج؛ المياه تتلاطم من حوله بعنف، والرياح تعصف من كل صوب فتزيد الموقف اضطرابًا.
أخذ القارب يميل شيئًا فشيئًا حتى انقلب، فسقط حمزة في الماء وفقدَ توازنه.
حاول السباحة، مجاهدًا قوة التيار، إلا أن الأمواج كانت تدفعه بعيدًا عن كل ما يمكن أن يتمسك به. ظل يكافح وسط أعماق البحر، والظلام من حوله يزداد كثافة، فيما كانت الأمواج الغاضبة تبتلعه تدريجيًا.
أما ترافيس فوجد نفسه ملقى على الأرض في ساحة المعركة، جسده مثقل بالجراح والإصابات. وأصوات السيوف والطلقات تتردد في أذنيه من صدى بعيد. حاول تحريك يده، إلا أنه لم يكن قادرًا على النهوض، فاجتاحه ألمٌ حادٌّ وعميق، وازداد شعوره بالعجز.
من حوله، كانت جماعةٌ من الرجال يقاتلون شيئًا غامضًا خيّم على المكان، عدوٌّ لم يكن يُرى بالعين، وبشكلٍ مفاجئ أخذ يُسقِط المحاربين واحدًا تلو الآخر.
ثم لما سقط الجميع، خيّم الصمت على الساحة، ولم يبقَ سوى أنفاسه المتقطّعة ووقع الألم الذي يسري في جسده المنهك. أراد أن يصرخ، أن يستغيث، غير أنّ صوته خذله، فظلّ هناك أسيرًا بين العجز والصمت الثقيل.
وفي مكانٍ آخر، وجد باسل نفسه يصعد ببطءٍ إلى قمة تلةٍ خضراء؛ وقد أحاط به النسيم البارد برفق. وعندما وصل إلى القمة، وقعت عيناه على امرأة غامضة تقف بجانب حصان أبيض جميل. كانت قد أدارت ظهرها إليه، وهي تنظر في الأفق البعيد بصمت.
وقف هناك للحظة، يراقبها بصمت ويتأمل المشهد. وعندما اقترب منها بخطوات هادئة، التفتت نحوه برفق، وقد غطّى وجهها وشاح داكن أخفى ملامحها، بينما بقيت عيناها المتلألئتان ظاهرتين.
قالت المرأة بصوتٍ هادئ: "أهلًا بك، أنا سعيدة لرؤيتك!"
ردَّ عليها باسل: "وأنا أيضًا... لقد اشتقتُ إليكِ."
ظلت المرأة على وقفتها، وظهرها مستديرٌ إليه، ووجهها ملتفت قليلًا نحوه، ثم قالت بلطف: "كيف كانت رحلتك؟"
ردَّ باسل: "لقد كانت رحلة مليئة بالمخاطر... لطالما كنتُ أتذكركِ."
أدارت رأسها نحو الأفق مَرَّة أخرى، وقالت:
"رحلتك لم تنتهِ بعد. أصدقاؤك بحاجةٍ إليك."
شعر باسل بالحزن، وقال:
"لا أريد ترككِ، وجودكِ هنا يجعلني أشعر بالسعادة."
أجابت المرأة برفق، دون أن تلتفت إليه هذه المرة:
"أفهم... ولكن لم يحن موعد لقائنا بعد."
قال باسل بحزنٍ أكبر: "كيف أترككِ بعد كل هذا الشوق؟"
ردّت المرأة بصوتٍ هادئ، مملوءٍ بالطمأنينة:
"ستكون دائمًا في قلبي. استخدم علامتك لتعود."
وقف باسل في مكانه، يراقبها بصمتٍ، بينما بدأت العلامة على يده بالتوهج. كان يعلم أن عليه العودة لمواجهة مصيره، حاملًا في قلبه وعدًا بأن هذا اللقاء لن يكون الأخير.
وسط الغابة الغارقة في السكون، تحركت السيرينا بين أجساد الغارقين في الأحلام. كانت عيناها المشعتان تراقبان الفرائس بصبر قاتل، تبحث عن ضحية مثالية.
كان جسد جوران عاجزًا على الحركة، يحاول المقاومة، أنفاسه مضطربة، وعضلاته مشدودة، وقدماه ثابتتان في الأرض لا تتحركان.
بينما كان جسد جوران ساكنًا، اقتربت سيرينا منه ببطء، ووقفت خلفه، ومررت أصابعها الشاحبة على كتفيه برفق، تهدئه للحظة.
ثم فجأة، انقضّت عليه!
انفتح فكاها بزاوية مروعة، وغرست أنيابها الحادة في عنقه، مخترقة اللحم ببطء حتى بلغت حنجرته.
اختنق جوران، وفمه انفتح ولم يُصدر أي صوت. كان يحاول الصراخ، لكن الهواء لم يجد طريقه إلى الخارج، فقد كانت تمزق حلقه بأسنانها، وتغرسها بعمق أكثر… ثم انتزعت حنجرته بالكامل!
اندفع الدم بغزارة، وارتجف جسده وتشنّج للحظات، ثم ارتعشت يداه بعنف في محاولة يائسة للتشبّث بالحياة، قبل أن ينهار أخيرًا على الأرض صامتًا، بلا حراك، وقد فارقته أنفاسه إلى الأبد.
أما سيرينا، فوقفت في هدوء مخيف، تمضغ ما انتزعته ببطء، مستمتعة بطعم الدم الدافئ، ثم رفعت رأسها قليلًا، وابتلعت ما تبقّى دفعة واحدة.
التفت بعينيها المضيئتين نحو باسل، الذي كان لا يزال غارقًا في الحلم.