بينما كان باسل غارقًا في حلمه، يتحدث مع المرأة الغامضة، كانت السيرينا قد تحركت بصمت نحوه.
لم تُصدر خطواتها أي صوت، وكأنها تسير فوق الفراغ ذاته. كانت عيناها المتوهجتان مثبتتين عليه، تراقبانه وهو غارق في عالمه الخاص.
اقتربت منه ببطء، ورفعت يدها الشاحبة لتلامس جبينه.
لحظة واحدة فقط، وسيكون في قبضتها تمامًا.
وقبل أن تلمسه، توهّجت العلامة على يد باسل فجأة، وانبعث منها ضوءٌ قوي وحاد، تشتعل بطاقة خفية!
عندها، تراجعت السيرينا بسرعة وأصدرت همهمة منخفضة مليئة بالألم.
ارتجف جسد باسل داخل الحُلم، وقد أدرك أن شيئًا غير طبيعي يهزّه من الداخل. نظر باسل إلى العلامة التي في يده، ثم وضعها على جبينه، مما أبطل التعويذة وأيقظه من الحلم وأنفاسه انقطعت للحظة، قبل أن يعود إلى الواقع!
نظر حوله بسرعة، وعقله ما زال مشوشًا، وهو يرى المشهد أمامه؛ جوران مسجى على الأرض، بلا روح. والسيرينا، واقفة على بُعد خطوات، عيناها المضيئتان تتوهجان بغضب وهي تحدق فيه وكأنها لم تكن تتوقع أن يهرب من قبضتها.
لم يكن هناك وقت للتفكير، فقد أدرك باسل أنه يجب عليه إنهاء هذا الكابوس سريعًا، فحياة أصدقائه تعتمد على ذلك.
حاول مهاجمة سيرينا، لكنه تفاجأ بأن قبضته مرت عبر جسدها كما لو كانت مجرَّد وهم. لم يكن لها شكل مادي حقيقي، مما جعلها عصيّة على الهجمات المباشرة.
تنهد باسل بغضب، ثم قال:"لا يمكن أن تكون بهذه القوة! يجب أن أجد حلًا!"
في تلك اللحظة، استدارت سيرينا نحوه ببطء، وعيناها ثابتتان عليه، وبدأت كلماتها تزحف ببطء من بين شفتيها، وهي تقول: "لن تهرب منِّي بهذه السهولة... فروحك ستكون لي."
ثم اندفعت نحوه بسرعة مذهلة. مخالبها الحادة امتدت نحوه، وهي تستهدف عنقه، محاولة تمزيقه كما فعلت مع جوران.
في لحظة خاطفة، رفع باسل يده ليتصدى للهجوم المفاجئ.
في تلك اللحظة، وبشكل مفاجئ، بدأ القفاز الذي يرتديه باسل يتحول؛ إذ تحرك السوار الموجود على القفاز، وامتد القفاز الحديدي بسرعة ليشكّل درعًا متينًا يغطي ساعده بالكامل.
ارتطمت مخالب سيرينا بالدرع، محدثةً صوتًا معدنيًا قويًا.
ثم ارتد جسدها للخلف قليلًا، واتسعت عيناها بدهشة.
في تلك اللحظة، سمع باسل صوتًا مألوفًا ينبعث من القلادة التي كان يرتديها حول عنقه.
كان الصوت صوت زيرس، وهو يقول: "باسل، عليك أن تستخدم القلادة!"
فرفع باسل يده بسرعة وقال بقلق: "ماذا أفعل؟"
فأجابه زيرس: "المسها وركّز، ستتحوّل إلى أداة تساعدك على مواجهة سيرينا."
عندها، مدّ باسل يده إلى القلادة، وفور أن لمسها، شعر بطاقة غريبة تتدفّق عبر أصابعه. بدأت القلادة تتغيّر بين يديه تدريجيًا، حتى تحوّلت إلى قطعة صغيرة مزخرفة بنقوش دقيقة، تُشبه منقار طائر.
تابع زيرس قائلًا: "الآن، انفخ فيها بكل قوتك. هذا الصوت سيحطّم الوهم الذي تحتمي به سيرينا، ويجعلها مرئية بالكامل، مما يمنحك فرصة لإنهائها."
رفع باسل القطعة إلى شفتيه ونفخ فيها بقوّة، فانطلق منها صوت أشبه بصراخ صقر يمتزج بهدير الرياح العاتية.
اندفعت موجةٌ صوتيةٌ عاتية في كلّ الاتجاهات، تخترق الضباب وتمزّق الوهم الذي كان يحيط بسيرينا.
بدأ جسدها يتغير، وأصبح أكثر وضوحًا، وأكثر ضعفًا. ثم صرخت بصوت ممزق بالألم، وعيناها المشعتان تلاشتا للحظة.
ارتجف جسدها كما لو كانت تفقد تماسكها، وهي تصرخ: "ماذا فعلت؟!"
حينها، شدَّ باسل قبضته على القفاز، فبدأ يتحرك السوار، ويتحول القفاز تدريجيًّا من درع يغطي ساعده إلى مخلب طويل حاد الطرف يمتد فوق ظهر يده.
اندفع نحوها بسرعة، وهو يطلق صرخة غضب، مسدّدًا ضربة خاطفة إلى صدرها، فانغرز المخلب الحادّ في جسدها ومزّق الوهم المحيط بها.
دوّى صراخها الممتزج بالألم في الهواء، قبل أن يتلاشى بين عواصف الريح، ويختفي كما اختفى الوهم... ليعود العالم الحقيقي وقد انكشفت حقيقته الغائبة.
استعاد باسل أنفاسه بصعوبة، وهو يقف فوق بقايا سيرينا المتلاشية، ثم أغمض عينيه وهمس بصوتٍ خافت، يودّع الحلم الراحل قائلًا:
"لَوْ كُنْتُ أَعلَمُ أَنَّ الحُلْمَ يَجْمَعُنَا
لأَغْمَضْتُ طُولَ الدَّهْرِ أَجْفَانِي
ولقد رأيتكِ في منامي ليلةً
فنسيتُ ما قد كان من أحزاني
وحسبتُ نومي في حضوركِ يقظةً
حتى أفقتُ على فراق ثاني"
ثم فتح عينيه، ليجد نفسه في واقعٍ باهت، لا يشبه دفء الحلم.