وهو في طريقه إلى قبيلة اللوران، رأى من بعيد ألسنة لهبٍ تتصاعد نحو السماء.
في تلك الأثناء، وتحت سماءٍ ملبّدةٍ بالغيوم، كان الشاطئ يعجّ بحركة سفنٍ ضخمة التي رست على الرمال المبتلّة، وألسنة اَللهب ترتفع في الأفق، فيما كانت صرخات الضحايا تتردّد بين الأشجار.
في المقدّمة، وقف رجل أصلع الرأس، داكن البشرة، خشن الملامح، تغطّي وجهه ندوب كثيرة. له لحية قصيرة كثيفة، وعينان رماديتان باردتان، وتحت عينيه خطوط سوداء تمتد حتى وجنتيه، تزيد من قسوة مظهره.
على ذراعيه، كانت سلاسل معدنية تلتف حول ساعديه، بينما قبضته تحكمت بسيفين مشدودين بقوة، وكان يرتدي درعًا جلديًا متينًا يغطي صدره، منحوتًا بعلامات معارك لا تُحصى. ملامحه القاسية وصمته الدائم جعلاه يبدو كتمثال حي من الرعب والقوة.
وقف يراقب القتل والدمار دون أن يتحرك، وهو يقول لهم:
"أحرِقوا كل شيء، لا تتركوا خلفكم سوى الرماد!"
اشتعلت النيران في الأكواخ، وبدأت العائلات التي احتمت بداخلها بالصراخ، بعضهم حاول الفرار، لكن السيوف والرماح كانت في انتظارهم.
كانت قبيلة اللوران في حالة من الفوضى؛ صراخ النساء، ونحيب الأطفال، ووقع السيوف على الأجساد، كلّ ذلك كان جزءًا من مشهد دمويّ ثقيل، رسمه الغزاة بوحشية لا رحمة فيها.
قتل الرجال بلا رحمة، واقتيدت مجموعة من النساء نحو السفن مكبّلات، فيما صُفِع الأطفال وسُحبوا قسرًا من أحضان أمهاتهم.
أثناء ذلك، وضعوا زعيم اللوران مقيدًا أمام قائد الأسطول.
نظر الزعيم كايل إلى قائد الأسطول، وعيناه تلمعان بدموع الرجاء، ثم قال بصوت مرتجف قليلًا: "أقسم إنه لا يوجد ما تبحث عنه هنا... أرجوك... دع الأبرياء وشأنهم! إن كنت غاضبًا، فلتصبّ سخطك علينا، لكن لا تلمسهم."
ضحكَ قائد الأسطول بسخرية، ثم سحب أحد سيفيه، ورفع رأس الزعيم عاليًا أمام الجميع، قائلًا:
"حين أريد أخذ أرض، لا أسأل عنها، بل أستولي عليها!"
بضربة واحدة، فصل رأس الزعيم كايل، فتناثرت الدماء في الهواء، وغرقت الأرض في صمت ثقيل.
حاول أحد سكان القبيلة تغطية عيني كابيلا الصغيرة، لكنها رأت كل شيء.
كانت كابيلا تنظر إلى الجثة الملقاة، وهي في حالة صدمة تامة، جسدها متيبس، بينما دموعها تنهمر بلا توقف، وصوتها المخنوق يتمتم: "جدي…"
أما الجنود، فقد كانوا يضحكون وهم يربطون بعض الرجال بالأشجار، ويستخدمونهم كأهداف لرماية السهام، وآخرون يسحبون الأسرى مكبلين بالسلاسل، نساءً وأطفالًا، يقادون نحو السفن كالعبيد.
كانت كابيلا تمشي معهم، يداها الصغيرتان مقيَّدتان، ونظراتها لا تزال عالقة عند الجثث المتناثرة.
خرج صوتها المكسور أخيرًا، بالكاد يُسمع وسط صرخات الضحايا، وهي تقول:
"أين أنت يا ترافيس؟"
وقف قائد الاسطول بين الجثث، ثم قال: "سمعنا أن هناك مملكة كبيرة في هذه الجزيرة، ولكن لم نجد شيئًا هنا سوى الخرافات! يبدو أن رحلتنا كانت مضيعة للوقت."