عند وصول ترافيس إلى قبيلة اللوران، تفاجأ بالدمار الذي حل بها. الجثث كانت متناثرة في كل مكان، ولم يكن هناك أثر للأحياء سوى البقايا.
بعض السكان معلقون على أعمدة خشبية، وأجسادهم مضرجة بالدماء، بينما يتجوّل الجنود بينهم بلا اكتراث، وصدى ضحكاتهم الهستيرية يتردّد في الأرجاء.
وقف ترافيس على مشارف القرية، يراقب المشهد بعينين جامدتين؛ وكل ما شعر به كان غضبًا يشتعل في أعماقه.
في تلك اللحظة، تحرّك ترافيس بسريعة، ومدّ يده إلى العجلة المثبتة على ظهره، وسحب سيفيه الطويلين في حركة واحدة انسيابية، ثم اندفع نحو أوَّل جندي في المدى.
بضربة قاطعة، شقّ عنق الجندي، فتطاير الدم في الهواء، وسقط جسده على الأرض دون حراك. في اللحظة التالية، انحرف بجسده متفاديًا رمحًا اندفع نحوه، ثم استدار وطعن خصمه في معدته، وأدار النصل داخله قبل أن ينتزعه بقوة، مطيحًا به أرضًا.
استمر ترافيس في قتالهم، يتحرّك بدقّة قاتلة، ويهاجم ويصدّ ويراوغ بلا تردد. كل ضربة تُسقط خصمًا جديدًا.
بدأ الرعب يتسرّب إلى قلوب الجنود، إذ أدركوا أنهم لا يواجهون خصمًا عاديًا، بل خصمًا مشتعلًا بالغضب لا يعرف الرحمة.
حاول أحدهم الهرب، لكنّه لم يخطُ سوى خطوات قليلة قبل أن يخترق صدره نصلٌ قذفه ترافيس بدقة قاتلة.
ثم جاءت مجموعة من الجنود تحاول تطويقه، وفي لحظة خاطفة، وقبل أن يهاجموه، أعاد سيفيه إلى موضعهما، وفي حركة سريعة سحب مسدّسيه من العجلة.
انطلقت طلقاته بسرعة متتابعة؛ كل رصاصة وجدت هدفها بدقة مذهلة، وكل جندي اقترب منه سقط في الحال.
لم يتمكن أحد من الوقوف في وجهه، وحين فرغ من القضاء على جميع الجنود، تقدّم نحو القائد الوحيد الذي بقي حيًا.
أمسكه بقوة، وبدأ بتعذيبه في محاولة لاستخراج المعلومات.
صاح ترافيس بصوت غاضب: "أين بقية السكان؟"
ردّ القائد، وهو يتلوّى من الألم: "لقد أمر قائد الاسطول «روبرت السفّاح» بأخذهم معه!"
تشددت ملامح ترافيس، واقترب وجهه من وجه القائد، وسأله بصوتٍ عالٍ: "إلى أين ذهبوا؟"
أجابه القائد بصوت مرتجف: "إلى مملكة فالداريس".
في تلك اللحظة، وصل حمزة وباسل إلى المكان ورأوا ما يحدث.
اقترب باسل من الرجل وأمسك به، ثم طرحه أرضًا، وبدأ يلكمه بقوة وبشكل متواصل.
مشهد باسل وهو يضرب القائد كان مرعبًا، فقد كان الغضب يسيطر عليه تمامًا، واستمر في ضربه حتى مات، وما زال مستمرًا في ضربه بجنون.
حاول حمزة إيقاف باسل، ممسكًا بكتفيه وهزه بعنف: "باسل، توقف! لقد مات!"
توقف باسل، وأخذ نفسًا عميقًا، وعيناه مليئتان بالغضب والحزن، ثم وقف وهو ينظر إلى الدمار الهائلًا الذي حل بالقبيله.
بينما كانوا يتناقشون، أدركوا أن روبرت السفاح وقواته لم يتركوا سوى جزء صغير من أسطولهم في الجزيرة، وأن روبرت وقواته الرئيسية قد أخذوا البقيه وغادوا.
بحث ترافيس عن كابيلا بين الجثث المتراكمة والمشوَّهة، لكنه لم يجدها.
بينما كانوا يقفون في القرية المدمرة، محاطين بالخراب والدمار، تذكر ترافيس كابيلا فأخرج القوقعة الصغيرة التي أعطته إياها، وراح يتفحصها بأصابعه المرتعشة. كانت تلك الهدية البسيطة تحمل ذكرياتٍ جميلة، ورمزًا للأمل الذي وجده في هذه الجزيرة.
حين لامست أصابعه سطح القوقعة، تردَّد في ذهنه صوت كابيلا، ضاحكًا بحنان:
"هذه ستذكِّرك بي وبالجزيرة."
شعر بوخزة في قلبه، وكأن كابيلا كانت واقفة بجانبه، تبتسم له كما كانت تفعل دائمًا.
امتلأت عيناه بالدموع، وبدأت تسقط واحدة تلو الأخرى. لم يستطع منع ارتجاف شفتيه، والألم العميق الذي تسلل إلى صدره.
جلس على ركبتيه، وهو ينظر إلى القوقعة في راحة يده، قبل أن يضمها بقوة إلى صدره.
وقف حمزة وباسل بجانبه، حزينين على ما حدث.
بعد لحظات من الحزن، استجمع ترافيس قواه، وتحدَّث بنبرة حازمة: "يجب أن نلحق بسفن روبرت ونستعيد البقية."
ردَّ حمزة بتردُّد: "لا نقدِر عليهم، يا ترافيس. إنهم يمتلكون أسطولًا كاملًا من الجنود، ونحن مجرَّد ثلاثة أشخاص."
بينما كانوا يتحدثون، ظهر زيرس فجأة ووقف أمامهم قائلًا: "عليكم أن تكملوا الرحلة. لم تصلوا بعد إلى مملكة إستلازون. يجب عليكم جمع الأحجار قبل أن تصل إليها قوى الشر."
رفض ترافيس بقوة، قائلًا: "لا يمكنني ترك كابيلا والآخرين في أيدي هؤلاء الوحوش. سأذهب خلف السفن."
صمت باسل للحظة، ثم تحدَّث بنبرة هادئة متزنة: "لن نعترض طريقك، وأرغب في مرافقتك. لكن يجب أن تأخذ كلام حمزة بعين الاعتبار. علينا أيضًا أن نُكمل رحلتنا ونبحث عن بقية الأحجار، قبل أن تقع في أيدي أولئك الأشرار."
أضاف حمزة: "أعرف أنك شخصٌ طيب القلب، يا ترافيس، ولكن احذر، قائد الأسطول شخص قوي للغاية، ولا يُستهان به."
ردَّ ترافيس بعيون ممتلئة بالعزم: "إلى اللقاء. سأراكم قريبًا، وأتمنى أن نكون قد أتممنا مهامنا بنجاح."
وضع باسل يده على كتف ترافيس وقال: "تذكَّر أن ابتلاءات الحياة تقوي إيمانك، وتزيد من صبرك." ثم أكمل باسل حديثه قائلًا: "أتمنى أن نلتقي مَرَّة أخرى، في ظروف أفضل."
غادر ترافيس نحو السفن، مصممًا على إنقاذ كابيلا والبقية.
أما حمزة وباسل، فقد بقيا في الجزيرة، يتحضران لمواصلة رحلتهما. على أمل أن يجتمعوا مجددًا يومًا ما وقد حققوا جميع أهدافهم.