في قلب الصحراء الشاسعة التي تمتد بلا نهاية، وقف شاب وحيد يحمل على عاتقه عبء القدر. انسدل شعره الأسود الطويل على كتفيه، ورصدت عيناه الأفق بثبات، فيما لفّت الرياح عباءته الداكنة حول جسده.
كانت يده اليسرى مغطاة بقطعة قماش يلفّها بإحكام، تخفي شيئًا لا ينبغي أن يُرى. وعلى طول ذراعه، امتدت نقوش غامضة محفورة في جلده، تتوهج بخفوت كلما لامستها الرياح الباردة. في يده الأخرى، كان يحمل بوصلة تشير إلى مكان مجهول.
وأثناء رحلته، مرّ بأرض محاطة بنار قاتمة ومظلمة، لم تنطفئ رغم الرياح العاتية. نظر إلى النيران السوداء التي تلتهم الأرض دون رحمة، متأملًا القوى الخارقة والتحديات التي تنتظره.
كان ذلك الشاب يدرك أن رحلته لن تكون سهلة، وأن طريقه محفوف بالمخاطر. لكنه لم يتراجع.
«باسل»… الاسم الذي سيغير مجرى التاريخ، يسير بثبات نحو مصيره…
بعد أيام طويلة من السفر الشاق تحت شمس الصحراء الحارقة، بدأ باسل يترنح وهو يخطو فوق الرمال، ولم يعد يحتمل. سقط على ركبتيه، وغاصت يداه في الرمل الساخن، وأنفاسه متقطعة.
قال بصوت مبحوح: «لم يعد لديّ ما آكله… ولا أعرف طريق العودة… ولا أعلم كم مرَّ من الأيام وأنا مسافر!»
رفع رأسه إلى السماء الصافية، والغضب يختلط بالألم في عينيه، ثم صرخ: «تبًّا لك أيها الراعي! بعد أن أنقذتني، تدعني أواجه الموت مجددًا… ماذا أفعل الآن؟… ماذا أفعل؟!»
استلقى على الأرض، وأثار التعب واضحة عليه. ساد الصمت للحظة… ثم شعر باهتزاز خفيف تحت الرمال، أعقبه صوت عميق.
التفت بسرعة نحو مصدر الصوت، وضيّق عينيه ليرى من خلال الغبار المتصاعد. ومن بعيد… لمح شيئًا يشبه البناء. تعلّق نظره به، ونهض ببطء، وجسده يكاد ينهار، فحاول الوقوف وهو يسير مترنحًا باتجاه الصوت.
في يده البوصلة التي طالما دلّتْه في رحلته، راقب إبرتها وهي تتأرجح بسرعة غير معتادة. ثم قال بصوتٍ متقطع: «إنها… تشير إليه…»
كلما اقترب، بدأ الشكل يتضح أكثر، حتى بدا أمامه بناء ضخم، يرتفع بين الرمال وحيدًا في الفلاة.
توقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت مرهق: «هاقد وصلت… بعد أيام طويلة من السفر الشاق.»
لكن ما إن تقدّم خطواتٍ أخرى حتى رأى إبرة البوصلة في يده تستدير بجنون، ولا تستقر على جهة.
توترت ملامحه وقال: «ما الذي يحدث؟ لماذا لا تستقر؟ هل وصلنا… أم أنني دخلت نطاقًا لا تعترف به الاتجاهات؟»
اقترب أكثر من المعبد، وعند مدخل البوابة لاحظ عظامًا متناثرة على الأعمدة وملطخة بالدماء، شاهدة على الرعب الذي اجتاح المكان.
ابتلع ريقه، وقال بصوت خافت: «يبدو هذا مخيفًا… هل كانوا مثلي… يبحثون عما أريد؟»
تقدّم بحذر نحو البوابة الكبيرة، وعندما اقترب منها، بدأ يلاحظ تفاصيلها الفريدة؛ إذ كانت محفورة بنقوش معقدة، وفي منتصفها يد كبيرة مرسوم عليها نقش دقيق يتقاطع مع مربع مائل، تتوسطه عين واسعة تراقب كل من يقترب منها.
وقف أمام الباب، والرهبة تتسلل إلى قلبه، ثم تمتم: «كيف عليّ أن أفتح هذه البوابة؟»
ثبتت عيناه على العلامة اللحظات. إحساس غريب اجتاحه، وكأن جسده استجاب لشيء غير مرئي، وهو يشعر بوخز خفيف في يده اليسرى، تلك اليد التي ظل يخفيها تحت لفافة القماش.
ارتجف قليلًا، ونظر إلى يده وقال: «ما هذا الشعور…؟ لماذا الآن؟»
تردد للحظة، ثم لامست أصابعه اللفافة الملفوفة على يده اليسرى. أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ بفكها ببطء. ومع انكشاف جلده، ظهرت علامة على يده.
تبين أن العلامة التي على البوابة هي نفسها المنقوشة على يده.
نبض قلبه بقوة، وإحساس غامض اجتاحه، وكأن هذه اللحظة لم تكن مجرد مصادفة، بل كانت تنتظره منذ زمن.
بينما كان باسل يتأمل البوابة، شعر بحركة غريبة تحت قدميه. وما إن التفت حتى رأى أفعى ضخمة بحراشفها اللامعة تظهر أمامه، وتتحرك ببطء، وعيناها متوهجتان بنور شرس.
تراجعت الأفعى قليلًا ورفعت رأسها العملاق، وعيناها تركزان على باسل.
من دون تردد، اندفع باسل نحو البوابة، محاولًا فتحها، ودفعها بكل ما أوتي من قوة، لكنها بقيت على حالها، لا تتحرك.
في تلك الأثناء، كانت الأفعى تقترب منه بسرعة، فيما تسلل التوتر والخوف إلى قلبه.
فجأةً، توهّجت العينُ المنقوشة في وسط الكفّ المرسومة على البوابة بضوءٍ ساطع. ومع توهّج النقوش، بدأ المربّع المائل يتحرّك ببطء، قبل أن تنقلب العين نفسها إلى الخلف، لتظهر عينٌ أخرى تحتها بلونٍ مختلف، أشدَّ قتامةً وغموضًا.
عندها بدأت البوّابة تُفتح ببطء، مُصدِرةً صوتًا أشبه بهمهمةٍ عميقة، كأنّه نداءٌ ينبعث من أعماق الأرض.
في اللحظة الأخيرة، اندفع باسل إلى الداخل، بينما الأفعى تبعته بسرعة، بجسدها الذي ينساب على الأرض الرملية، وعينيها التي لم تفارقا هدفها.
وقبل أن تتمكّن من العبور، اصطدم رأسها العملاق بحافة الفتحة، وبسبب جسدها الضخم ارتطمت بالصخور بعنف، فاهتزّ المكان تحت ثقلها.
تراجعت الأفعى ببطء، وأطلقت هسهسةً غاضبة، وهي تضرب الأرض بذيلها الطويل بقوة، وعيناها لا تزالان مثبتتين عليه، وكأنها ترفض الاستسلام.
تنهد باسل وهو ينظر إلى الأفعى التي لا تزال في مكانها، تراقبه بصمت.
ما إن ابتعد قليلًا حتى اهتزت البوابة فجأة، وأصدرت صريرًا عميقًا، ثم بدأت تُغلق ببطء.