كان الوحش يقترب ببطء، ويدور حول حمزة كصياد يراقب فريسته، مستعدًا للانقضاض في أي لحظة، بينما كان حمزة يحاول بصعوبة ان يقف ويتوازن فوق القطعة الخشبية، متأهبًا.
لمس حمزة السيف الملفوف الذي على ظهره، ذلك السيف الذي لطالما تجنب استخدامه.
شعر حمزة بقلبه ينبض بقوة، وهو يتمتم بصوت يائس:
"لا يمكنني هزيمة هذا الوحش بسيف عادي..."
تردد حمزة للحظات وهو ينظر إلى اللفافة، قبل أن تهاجمه ذكريات من الماضي...
رأى نفسه فتى صغيرًا، ملقى على الأرض، منهكًا وجريحًا، وأمامَه رجل قوي البنية، يحمل فأسًا كبيرًا، وتغطي إحدى عينيه عصابة سوداء.
قال الرجل بصوت غاضب:
"هيَّا انهض وقاتل! يجب أن تكون أقوى!"
كان جسد حمزة مرهقًا، لكن كلمات الرجل اخترقت أعماقه، فبدأ يقف ببطء، متغلبًا على الألم. ثم أضاف الرجل بصوت يملؤه الكبرياء:
"أنسيت أنك من رجالٍ بأسهمُ
يلوي الحديدَ، وبالصواعقِ يضربُ
رجالِ حربٍ رفرفت راياتُهمُ نصرًا،
قبيلَ النصرِ دومًا تغلبُ!"
نظر حمزة إلى الرجل بعينين مليئتين بالإصرار، ثم رفع رأسه متحديًا وقال:
"سأصبح أقوى! وسأثبت لك أنني قادر على ذلك."
ابتسم المعلم بشيء من الرضا، وقال:
"القوة الحقيقية تأتي من الداخل، من الإرادة الصلبة والعزيمة التي لا تنكسر. الشجاعة ليست في عدم الشعور بالخوف، بل في مواجهته والتغلب عليه."
عاد حمزة إلى واقعه، وأخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى السيف، مدركًا أن الوقت قد حان لمواجهة مخاوفه، واستخدام السلاح الذي تجنبه طويلًا.
وفي تردّد خافت مدّ يده إلى مقبضه، ثم أزال اللفافة التي كانت تغطيه، وسحب السيف من غمده. وبمجرد أن كشف نصله، اندلعت منه نيران حمراء مظلمة، تحيط به بقوة عاتية.
حاول حمزة السيطرة عليه، وهو يقول بصوت عازم: "أعلم أنك كالوحش، وعلي ترويضك." ثم لوّح بالسيف في الهواء، واستعدّ ليوجّه ضربةً للوحش.
بحركةٍ خاطفةٍ وقوةٍ ظاهرة في اندفاعه، هوى بالسيف موجّهًا ضربةً قوية نحو البحر، وأطلق صرخةً تعبّر عن إرادته التي لا تلين، قائلًا: "شرار سقر!"
انطلق من النصل وميض ناري هائل، شقّ طريقه عبر المياه بقوة جامحة، حتى أصاب الوحش.
وفي لحظة خاطفة، انشطر جسد الوحش الضخم إلى نصفين، وغمر المكان دوّامة من اَللهب والبخار، وتقلّبت الأمواج بعنف، بينما تناثرت شرارات من اَللهب على سطح البحر، تحمل صدى الضربة وتوهّج السيف الذي لم يخمد بعد.
بعد لحظات، بدأت المياه تهدأ، ليظهر جسد باسل وهو يطفو على السطح، فاقدًا للوعي.
عندما رأى حمزة باسل، قفز نحوه بسرعة، وأمسك به قبل أن يغرق، ثم بدأ يسبح بقوة نحو الجزيرة، رغم الإرهاق والتعب.
ظلَّ البحر مضطربًا، وأمواجه تتلاطم حوله، غير أنّ عزيمة حمزة لم تضعف، وهو يقول بصوتٍ يملؤه الإصرار: "لن أتركك تموت، يا باسل. لقد قطعنا شوطًا طويلًا معًا، وسنكمل هذه الرحلة مهما كلف الأمر."
وأخيرًا، وصل حمزة إلى الشاطئ، ووضع باسل على الرمال، ثم بدأ يحاول إيقاظه.
بعد لحظات بدأ باسل يستعيد وعيه، ليفتح عينيه ببطء، فرأى حمزة جالسًا بجانبه، مبتسمًا رغم آثار التعب التي كانت واضحة عليه.
قال حمزة بارتياح: "لقد وصلنا، يا باسل... نحن بأمان الآن."
نظر باسل حوله، مستوعبًا المكان الجديد، ثم ابتسم وقال: "شكرًا لك على إنقاذي. لم أكن لأصل إلى هنا بدونك."
وبعد أن استراحا قليلًا والتقطا أنفاسهما، وقفا جنبًا إلى جنب، وأنظارهما تتجه نحو الأفق، حيث يمتد عالم مجهول ينتظرهما بخفاياه وتحدياته. لم تكن تلك خاتمة الرحلة، بل افتتاحًا لفصل جديد، يحمل في طيّاته مغامرة لم تُكتب بعد.